في ذات الموضع الذي قتل فيه العدو الشهيدة شيرين أبو عاقلة، قتل العدو الآلاف من الفلسطينيين، مئات منهم في مجزرة ٢٠٠٢ كما يواصل قتل المزيد يوميًا. مسار القتل المثبت هذا لا يحتاج لتحقيق ولكن لعقاب وردع.
إن الوظيفة الأساسية للتحقيق الجاري بشأن استشهاد شيرين أبو عاقلة، تغطية سياسة القتل واسع النطاق المتأصلة والمتجذرة والمستمرة في الممارسة الاحتلالية، وتصوير قتل جنود العدو للشهيدة كمعضلة استثنائية وعارض جانبي لظرف قتالي معقد، ونزع الضحية والجريمة من سياقها الحقيقي، فلا يحتاج الفلسطيني أن يكون صحفيًا ليكتسب استحقاق التحقيق في قتله، والجريمة لم تكن منقطعة عن مجزرة جنين أو تصعيد العدو اليومي ضد جنين ومخيمها وضد كل ما هو فلسطيني.
وإذا ما سلمنا -فرضيًا- بأن هناك ضرورة لإجراء تحقيق في جرائم القتل الصهيونية، ضمن سياق يهدف لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة أمام المحاكم الدولية، فإن المؤكد أن كل من العدو الصهيوني أو شريكه الأمريكي ليس جزءًا من عملية إجراء هذا التحقيق، وأن هناك مسارات عدة للقيام بمطابقة المقذوف لديها وكذلك لبحث الملابسات والتفاصيل الضرورية والأدلة الخاصة بإثبات سعي العدو ونيته لارتكاب هذه الجريمة ومثيلاتها، وكونها سياسة ممنهجة لدى العدو.
ولكن اختيار استباق أي تحقيق محتمل بهذا الإجراء التعاوني مع المحتل وحليفه الأمريكي هو مشاركة في تغطية الجريمة بحق الشهيدة وبحق كل شهيد فلسطيني، إذ يلعب التحقيق دوره هنا كأداة لتغطية القتل واستمراره لا لمعاقبة القاتل أو وقف جرائمه المستمرة بحق شعب فلسطين، كما أن نزع شهيد فلسطيني كحالة تستحق التحقيق في مصرعه دون غيره هو إساءة لهذا الشهيد كما لعموم شعبنا.
إن الموت في الحرب الوحيدة التي عرفناها كفلسطينيين، أي الحرب ضد العدو الصهيوني، هو تضحية عظيمة يخلدها شعبنا ويحفظها لكل شهيد، ولكن حفظ حق الشهداء في معاقبة من قتلهم من أصغر عنصر تنفيذي في منظومة الغزو والاستعمار والعدوان وحتى رأس المشروع الصهيوني، هو مسؤولية من تبقى منا، التي لا يجب أن نسمح بأي تفريط أو تهاون فيها. فقد لا نستطيع اليوم إنجاز معاقبة مجرمي الحرب الصهاينة لكننا على الأقل نستطيع أن نمتنع عن منحهم الغطاء بتحقيق زائف يشترك فيه القاتل ويديره حليفه ومذخر بندقيته.

