Menu

الشهيد اسعيد سلامة منصور السواركة "أبو منصور" مدرسة في النضال

محمد محفوظ جابر

تطل علينا يوم 7/10 ذكرى استشهاد المناضل القائد العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في منطقة الخليل، اسعيد سلامة منصور السواركة "ابو منصور". وهي ذكرى تتطلب منا الوقوف أمامها، وفاء لدم الشهيد الذي روى به تراب الخليل، بعد أن شكل نموذجاً يحتذى به في الحرب الشعبية، وأصبحت بطولاته عندما كان ينقض على جيش الاحتلال ويختفي دروسا في المقاومة الشعبية يجب أن يطلع عليها كل ثوري ويتخذ منها أرضية للنضال.

كان اسمه ينتشر تماماً كما تنتشر العمليات التي ينفذها، وبعد كل عملية فدائية يقوم بها مع رفاقه الثوار في جبال الخليل وفي المدينة نفسها، وكلما سمع الأهالي صوت قصف أو انفجار يدعون له بالنجاة من جيش الاحتلال، وكانوا يتناقلون قصص بطولاته وحركاته مع رفاقه، وخبطات أقدامهم على الأرض في سكون الليل.

كان القائد عبد الرحيم جابر مسؤولاً عنه، وبعد اعتقاله، أصبح أبو منصور قائدًا للمجموعات العسكرية في جبل الخليل، ولكثرة انزعاج الاحتلال منه، أعلن فيما بعد عن جائزة مقدارها 20 ألف دينار أردني لمن يُدلي بأي معلومة عن مكان تواجد أبو منصور أو تحركاته.

في شهادته عن أو منصور، قال عبد العليم دعنا لـ "وكالة سند للأنباء": "رغم أن الشهيد كان إنساناً بسيطاً وراعي غنم إلا أنه كان يقود معركة ضد الاحتلال منظمة ومبرمجة وناجحة عجز عن مواجهتها جنرالات تلقوا تعليمهم في كليات الأركان العسكرية". ولم يستطع الاحتلال الوصول إلى أي معلومة عن مكان تواجده، كونه يعرف المنطقة جيداً، لكونه راعياً لا يلتزم بالتواجد في مكان واحد ويعرف أماكن عديدة لا تخطر على بال أحد، وطارده الاحتلال طويلاً، وكأنهم كانوا يطاردون شبحاً. ولكن لم يكن جيش الاحتلال الاسرائيلي يجرؤ على تحريك دورياته في جبال الخليل خلال الليل، خوفا من اصطيادهم.

لقد كان يؤمن بعمله راعياً للغنم، لأن هذه المهنة تغطي على حقيقته، وتجعله حراً في حركته، وتعلمه جغرافية المنطقة، وربطها بالعمل الفدائي، وتمييز الأماكن الصالحة للاشتباك، وجمع المعلومات عن محيط الهدف الذي يرصده... وقد آمن بهذا رفاقه وعندما خرجوا من الأسر مارس بعضهم هذه المهنة، تأكيداً على صحة أعمال الشهيد أبو منصور. نعم إنها مدرسة الشهيد أبو منصور التي تعلّم نضال الجبال والكهوف والوديان، نضال فن الاختفاء والمباغتة، نضال القائد الذي يسير في مقدمة مجموعة المقاتلين في أي عملية يقومون بها، ولا يترك عضوا معه يسبقه في السير نحو تنفيذ المهمة، وكان يخاطب من يسبقه في السير أمامه: "ارجع أتريد أن تستشهد قبلي".

لقد شارك الشهيد أبو منصور في عمليات فدائية كثيرة، مؤمناً بأن لغة العنف الثوري هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو، وخاض حرب التحرير الشعبية بكل متطلباتها العسكرية بصبر وجلد :

مارس عمليات الاستطلاع ومراقبة الهدف كراعي غنم. 2-طبق مبدأ اضرب واهرب والمباغتة في التنفيذ. 3- القدرة على الاختفاء وتضليل العدو وتطبيق عملية التمويه بتغيير الشكل. 4- نصب الكمائن لدوريات جيش الاحتلال. 5- مارس عملية الاختراق الأمني للعدو والحصول على المعلومات عنه وعن عملائه.

لقد وجه أبو منصور ضرباته للقوات العسكرية الإسرائيلية أداة الاحتلال، وهذه بعض العمليات التي شارك فيها علماً بأنه قد دُفِن الكثير من التفاصيل بسبب سرية العمل النضالي، كما دفن العدو خلالها عشرات القتلى وأصيب مئات الجرحى من جنوده :

- شارك في الهجوم على معسكر المجنونة في الخليل في 5/12/1967 في بداية الاحتلال. - وشارك في عملية مفاعل ديمونا في 21/9/1968 والتي اسر فيها عبد الرحيم جابر، وأصبح أبو منصور بعدها مسؤول العمل العسكري في منطقة الخليل. - هجوم على باص إسرائيلي محمل بالجنود بالقرب من بئر الحجر على الطريق المؤدي إلى بئر السبع يوم 2/9/1969. - مهاجمة دورية عسكرية إسرائيلية يوم 3/9/1969 في واد يقع شمال غرب الخليل. - إلقاء قنبلة يدوية على عدد من جنود الاحتلال عند مدخل الحرم الإبراهيمي، صباح يوم 9/10/1969. - وبعد أن خاض عشرات العمليات وفي صباح يوم الجمعة العاشر من تموز عام 1970 وبالقرب من منطقة بيت عنون شرقي مدينة الخليل خاض أبو منصور معركة ضارية مع قوات الاحتلال "ضرب فيها أروع الأمثلة في النضال والمواجهة والشجاعة"، واستشهد أبو منصور وهو يغطي انسحاب رفاقه بعد أن تمكنوا من إحداث ثغرة في الطوق الذي ضربه الاحتلال حولهم كما استشهد معه في هذه المعركة محمود مصطفى القواسمي المُلقب بـ"الضبع"، وجُرح مناضل آخر.

ولأنه قدوة، أطلق العديد من الرفاق والأهالي اسم منصور على أبنائهم، كما تمت تسمية مجموعات فدائية باسم الشهيد أبو منصور، وبقي حيا بين أهله ورفاقه وأبناء شعبه، رغم أن الاحتلال ما زال يحتجز جثمانه في مقبرة الأرقام حتى اليوم.

وكما سبق وكتبت: إذا كان لا بد من كلمة في النهاية، فإن دراسة تجربة جيفارا "محمد الأسود " في غزة، ودراسة تجربة "أبو منصور اسعيد السويركي" في جبال الخليل، وتجربة العمل الخارجي بقيادة "د. وديع حداد" يجب أن تدرس للجماهير الفلسطينية، لأن فيها زخم المقاومة الحقيقية ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين .