على وقع درب الآلام، وصولاً إلى الجلجلة يواصل قوافل الشهداء والأسرى والجرحى وعموم شعبنا بلاجئيه، ومخيماته، وأماكن تواجده معركة الحرية والاستقلال والعودة (أيقونة النضال وثالوث الحقوق المقدس) حتى تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، وإقامة الدولة الديمقراطية ذات السيادة وعاصمتها القدس ، وعودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجّروا منها عام 1948.
يعيش شعبنا في ظلّ انتفاضةٍ عظيمة تستمرُ منذ أكثر من 70 يومًا، معانقة السماء بتضحياتها وعنفوان الشباب الذين يتقدمون الصفوف، وباتساعها ووصول شرارتها وأعمالها الكفاحية إلى أرض النقب، وأم الفحم والجليل في عام 1948، مرورًا بغزّة المحاصرة والصابرة، إلى القدس والضفة الغربية، وبإسناد مواقع اللجوء والمهجر لتعيد الانتفاضة رسم حدود الوطن تعبيرًا عن وحدة الأرض والشعب والمصير والحقوق، لتشكل دماء الشهداء والجرحى وعذابات الأمهات والأسرى والأطفال الذين قُتلوا بدم بارد، زيتًا يزيد الانتفاضة اشتعالًا على كامل مساحة الوطن.
إنّ الانتفاضة الشعبية اليوم تشكل فرصةً ذهبيةً للقطع مع رهان المفاوضات والانقسام اللذان ألحقا ضررًا بصورةِ ونضالاتِ شعبنا وحقوقه.
انتفاضة اليوم تجدد نداءها للقيادة الفلسطينية الرسمية ولعموم الحالة الوطنية، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية للخروج من الواقع المرير الذي عشناه منذُ أكثرّ من عقدين من الزمن، على مسارات واتفاقيات بائسة، وما يقاربُ عقدًا من الانقسام الجغرافي على سلطة تحت الاحتلال.
إنّ الانتفاضة الفلسطينية التي يحاول أعداء الخارج ومراهني وسماسرة الداخل إجهاضها ووأدها تتعرّضُ لمحاولاتٍ حقيقيّة لقطعِ الطريق على أهدافها المباشرة.
الأمر الذي يلقي علينا مسؤوليات وطنية تجاه شعبنا وانتفاضته الباسلة:
أولًا: القطع مع ذهنية الانقسام والمفاوضات، بمراجعة نقدية وطنية عميقة وصادقة نحو وحدة وطنية واستراتيجية موحدة، تبدأ بتطبيق قرارات المجلس المركزي الأخير في آذار 2015 وسائر الاتفاقات الوطنية السابقة، دون تردد أو تلكؤ. وتتويج ذلك بمجلسٍ وطني موحد يستوعب كل مكونات وأطياف شعبنا الوطنية والسياسية والاجتماعية والنقابية، والكفاءات الوطنية، بحيث يحظى الشباب -عماد الانتفاضة ومستقبل الوطن- بدورٍ وشراكةٍ حقيقيّة في إعادة بناء أوضاعنا ودمقرطة مؤسسات شعبنا، وضخّ الدماء في عروق مجتمعنا.
ثانيًا: توفير مرتكزات دعم الانتفاضة وحمايتها، وتوفير شبكة الأمان لها على كافة المستويات السياسية والتنظيمية والكفاحية والاقتصادية. وتشكيل القيادة الموحدة المؤتمنة التي ترسم تكتيكاتها وبرنامجها النضالي اليومي، على طريق تعميق طابعها الشعبي وفاعلياتها الكفاحية وديمومتها، بما يؤلم العدو ويجعل احتلاله مكلفاً بشرياً واقتصادياً.
ثالثًا: تجسيد دولة وعضوية فلسطين كاستحقاق كفاحي، وممارسة السيادة الوطنيّة على كامل الأرض الفلسطينية، متسلحين بالانتفاضة الشعبية التي يمكن أن تتسع وتتصاعد. ونقطة البدء لهذا الأمر هو إنهاء الراعية الأمريكية ورعاية الرباعية الدولية، وأي مبادرات ضارّة تنتقص من حقوقنا الثابتة. والدعوة لمؤتمرٍ دوليّ للسلام من أجل القضية الفلسطينية لتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بها، وفي مقدمتها القرار1940، وتأمين الحماية الأممية المؤقتة لشعبنا تحت الاحتلال، إلى حين ممارسته لسيادته وتقرير مصيره بنفسه.
رابعًا: تفعيل القرارات الدولية للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقرار محكمة لاهاي حول الجدار، وتفعيل تقرير غولدستون، ومتابعة كلّ الشكاوى لدى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة الكيان العنصري على جرائمه، وتقديم رموزه للعدالة الإنسانية.
خامسًا: تشديد معركة وحركة المقاطعة ضد الكيان الصهيوني، سياسيًا واقتصاديًا وأكاديميًا، وإنهاء كل أشكال التنسيق الأمني والاقتصادي مع الاحتلال.
سادسًا: إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني كمشروعٍ تحرري وديمقراطي، وتعزيز مكانة ودور وتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في حماية حقوق شعبنا، وهذا يتطلب قيامها بمسؤولية تجاه قضايا اللاجئين والمخيمات وما يتعرضون له من تدميرٍ وتهجير، بما يعزّزُ صمودهم وتمسكهم بحق العودة.
إنّ انتفاضة شعبنا وهي تسطر أروع ملاحم المواجهة وببسالةٍ قلّ نظيرها فهي تؤشر أن النازية والسادية والعنصرية لا مكان لهم في فلسطين، وسينتهي نظام الأبارتايد والتمييز العنصري، وآلة القتل الصهيونية وأيدولوجية المستوطنين وحاخاماتهم، كما انتهى النازيون والعنصريون إلى مزبلة التاريخ.
خلاصنا يقترب من الاحتلال مع كل موجة من موجات الانتفاضة المستمرّة، ومع كلّ جولة من جولات الصراع المفتوحة مع الكيان الغاصب. وصراعنا سيبقى صراع وجود لا تحله تسويات أو اتفاقيات.
يتزامن مع بداية الشهر الثالث من الانتفاضة الحالية ذكرى اندلاع انتفاضة العام 1987م، بكل ما حملته من معاني يجب استرجاعها اليوم، وكذلك ذكرى انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
فمع غروب شمس الهزيمة عام 1967 ولدت بشارة وإشراقة فصيل مقاوم، وطني، قومي، يساري، وأممي في 11/12/1967 يوم تأسيس وانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ليست فقط ذكرى وذاكرة بما سبقها من إرهاصات ومقدمات ونضالات الأوائل المؤسسين من حركة القوميين العرب. إنما جاءت لتشكل ردًا ومعنى على واقع النكبة وتشريد شعب بالكامل من أرضه ووطنه بعدما كشفت هزيمة حزيران 1967 هزالة النظام الرسمي العربي، إضافة لعجزه، فكان شريكًا متواطئًا جراء ما أصاب الأمة والشعب الفلسطيني وقضيته المركزية من احتلالٍ واقتلاعٍ وترحيل بسبب طبيعة القيادة الطبقية التي تحكمت به لعقود، وبدفة السلطة الكاملة للنظام الرسمي العربي آنذاك. فجاءت انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ردًا على واقع النكبة والهزيمة. وعلى خطى الفدائي الأول، وأحفاد القسام وعبد القادر الحسيني، والشقيري والرنتيسي، وأبو عمار والحكيم، وأبو علي ووديع وصابر، وطلعت يعقوب والشقاقي وسمير غوشة وأبو عدنان وبشير البرغوثي، وأبو العباس ومحمود الغرباوي وأحمد مسلماني، وعدي وغسان أبو جمل، والحنني والحلبي وجوابرة وزواهرة، ومحمد أبو خضير وعلي دوابشة وفارس عودة، وزهير محسن وسميح القاسم وناجي العلي و غسان كنفاني .
لائحة الشرف تطول لتعود القضية الفلسطينية على جدول أعمال واهتمامات العالم كقضيةِ تحررٍ وطني، فكانت انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة بفصائلها وأطيافها المختلفة، لتعيد بناء الهوية والكيانية الوطنية بعدما حاول الأعداء وحلفائهم الإمبرياليين، ومن الرجعيين العرب طمس وتبديد الحقوق ومحاولات تأبيد الاحتلال والاستيطان.
النداء اليوم للرفيقات والرفاق من ابناء الجبهة بان تكون ذكرى الانطلاقة مناسبة ووقفة تقييم للمراجعة والنقد، واستكشاف النواقص ومعالجتها، ليرتقي حزبنا بدوره الوطني والجماهيري والكفاحي والديمقراطي على طريق تحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال والعودة.
فعهدًنا وواجبنا أن نتذكر جبال التضحيات من شهداء ثورتنا وحزبنا على طول مسيرته النضالية، وهم نجومٌ ينيرونَ لنا الطريق ومشاعل الحريّة للعودة.
نتذكر هامات الذين شكلوا بشموخهم وصمودهم خلف القضبان مدرسة يحتذى بها، وعلى رأسهم الرفيق "أحمد سعدات" الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورفاقه أبطال عملية 17 أكتوبر. والرفيقة المناضلة "خالدة جرار"، بالإضافة إلى مئات الأسرى والمعتقلين داخل أقبية وزنازين الاحتلال العنصري.
*قيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو في لجنتها المركزية العامة

