Menu

قبل خمسين عاما وأكثر

جبريل محمد

كيف انغرس هذا الاسم في ذاكرتي وأنا طفل "غسان كنفاني"، لم أقرأ له، فلم تكن له كتب على رفوف مكتبة المدرسة، ولا كانت الصحف البيروتية تصل إلينا هنا، فأنا كطفل لأبوين أميين لم يكن يرى أيضا الجرائد في البيت إلا رزما كبيرة وبأحرف عبرية أو انجليزية كنا نغطي بها واجهات صناديق العنب، لكن جهاز الراديو هو الذي غرس الاسم الذي نما في الذهن نموا بطيئا راسخا كما تنمو غرسة زيتون في أرض صخرية وعرة.. غسان كنفاني يصرح ويقول، هكذا كان ماجد سرحان يتكلم من إذاعة لندن، حتى كان استشهاده خبرا قرأته عنوانا لإحدى الصحف المعلقة بملقط غسيل في محطة الباصات في باب العامود في القدس ، أيامها كنت أمر يوميا من هذه المحطة لأزور أبي الذي كان يصارع المرض والموت أيضا في مستشفى رام الله.

ثم كان أن تخرجت من الثانوية وبدأت رحلة البحث عن جامعة تلبي طموح شاب، وسحبتني الأقدار إلى دمشق التي أحب أن أعود إليها قبل أن ينطفئ في بريق الحياة، هناك في دمر وفي بيت أحد الأصدقاء الطلاب وجدت مجلدا سميكا باسمه يحمل تسلسل المجلد الثاني، وفي ظل فراغ الانتظار للقبول الاستثنائي في الجامعة، أخذت الكتاب ومنذ صفحته الأولى شدني حتى إذا ما كان الهزيع الأخير من الليل، طويت آخر صفحة فيه، وهنا كانت بداية تعرفي على غسان الكاتب والفنان، بعدها حرصت على اقتناء أعماله.

قرأت كافة أعماله، وبقيت أكرر القراءة، حتى وقع بين يدي وأنا في جامعة بيرزيت مجلد سنوي لملحق فلسطين في جريدة المحرر الذي كأن يرأس تحريره، ذهلت لدرجة الوضوح السياسي والفكري في معالجاته السياسية، وذهلت لقدرته الفائقة على سبك الخطاب السياسي بلغة أدبية جميلة.

غسان علمني كيف أكتب، وعلمني كيف أفهم الأحداث وعلمني أيضا كيف اتخذ الموقف، لذلك فله الفضل الأول في تشكيل أفكاري أنا ابن الفلاحين الفقراء الأميين الذين ما كانوا يملكون سوى أن يزرعوا فينا حب الوطن البسيط كبساطتهم.

لم أجهد كثيرا لأنقل ولعي بغسان لأبنائي لا بل زدت عليه أشياء كثيرة، لكن غسان ظل تلك اللوزة القاسية التي شكلت نواة وعيهم.

غسان الآن يبلغ الخمسين من عمر حياة خلدها الاستشهاد وما زال حاضرا كياسمينة تبث أريجها الفواح في نفوس أجيال، يتناقل بين الطلبة والباحثين والشغوفين، ويبقى عطره شذيا ومفعما بالانتشاء.

يبقى أن أقول أنه كان لي يوما ما أن أدخل مدرسته عمليا ولو متأخرا في نقل مجلة الهدف حين أسسنا لصدورها في الوطن، كان العبء ثقيلا لا من المهمات، ولكن من تحمل مسؤولية أن تكون في مدرسة صحفية أسسها غسان.

فيا معلمي إن كان في العمر بقية، فإني أظل ممتنا لما غرسته في وعيي، فنا وقيما وتوجها.