Menu

قراءة غسان كنفاني في فلسطين التاريخية

عادل الأسطة

ولد غسان كنفاني في التاسع من نيسان ١٩٣٦ - أي قبل ٨٦ عاماً، وبدأ النشر في منتصف ٥٠ القرن ٢٠ وصدر أول كتبه في ١٩٦١، ولم يعرفه جيلي في فلسطين إلا في العام ١٩٧٦، وإن كان هناك من قرأ له بعض رواياته وقصصه قبل ١٩٦٧، فقد عقب أحد قراء منشوراتي في الفيس بوك أنه قرأ روايته «رجال في الشمس» في منتصف ٦٠ القرن ٢٠، ولست متأكداً إن كان قرئ، قبل ١٩٦٧، في فلسطين المحتلة في ١٩٤٨، ولكن من المؤكد أن صحافة الحزب الشيوعي هناك كتبت عنه أو أشارت إليه بعد هزيمة حزيران، فقد ذكر وليد سيف في سيرته «الشاهد المشهود» (٢٠١٦/ ص ٢٥١) أنه زار أدباء الأرض المحتلة هناك والتقى بهم وتحدث معهم وأتوا على ذكر غسان الذي أصدر كتابين عن أدبهم، فلم ترق لدرويش المنتمي في حينه للحزب الشيوعي قراءة غسان ذي التوجه القومي، وبالعودة إلى فهرس مجلة «الجديد» فلم يظهر اسمه إلا مرتين، والسؤال هو: - متى بدأت إعادة طباعة بعض أعماله في فلسطين ليقرأ على نطاق واسع ويعرف من جمهور القراء، فيكتشف ويؤثر في نتاجات أجيال من الكتاب؟ بالعودة إلى تاريخ إعادة إصدار دار صلاح الدين في القدس ودار الأسوار في عكا بعض أعماله فإن العامين ١٩٧٦ و١٩٧٧ وما تلاهما حتى ١٩٨١ هي الأعوام التي عرفت جمهور قراء فلسطين التاريخية به، وإن كان قرئ من بعض قراء فإنهم قلة قليلة جداً مقارنة بقرائه بعد إعادة نشر نتاجه . ماذا على مستوى شخصي؟ متى قرأت أعماله أول مرة؟ لا أظن أنني قرأت منها قبل ١٩٧٦ أي نص، والطريف أنني في زيارتي دمشق في ١٩٧٥ اشتريت ثلاث روايات للطيب صالح وقرأتها قبل أن أقرأ له، فما السبب؟ أغلب الظن أن أساتذة الأدب الحديث في الجامعة الأردنية الذين درسونا قصيدة درويش لم يذكروا كنفاني، وإن ذكروه فلم يركزوا على اسمه، وقد يكون ذلك لانتمائه إلى الجبهة الشعبية التي كانت علاقتها مع الأردن بعد أيلول ١٩٧٠على درجة عالية من السوء، وكانت ملاحقة وممنوعة، وكذلك كانت منشورات أعضائها أيضاً. كانت أواخر العام ١٩٧٦ إذن هي بداية قراءاتي لأعمال كنفاني، ولم أكتفِ بذلك، فقد أخذت أعممها على طلاب المدارس التي درست فيها كنشاط غير منهجي، فقرأها هؤلاء وتأثر قسم منهم بغسان وأفكاره وصاروا لاحقاً رفاقاً في ج.ش. وأنا أدرس في مدارس غوث اللاجئين في ١٩٧٨ اخترت لمسابقة الإلقاء رثاء درويش لغسان «غزال يبشر بزلزال» فعرفه الطلاب، وصاروا يقرؤون أعماله الروائية والقصصية. وفي الفترة نفسها مسرَحَ رياض مصاروة، في المسرح البلدي في الناصرة، رواية «رجال في الشمس»، فعرّف بها جمهورا كبيرا. ويلحظ الدارس أن أعماله لم تقرأ وتعرض على المسرح وحسب، بل تركت أثراً واضحاً على نتاجات بعض الكتاب، ويمكن هنا أن أشير إلى شواهد دامغة: - في العام ١٩٧٩ استضافني أنا والكاتب محمد أيوب المثقف محمد البطراوي وأتينا على رواية «رجال في الشمس» فأخبرنا أنه التقى مع غسان في الكويت وأنه هو من قص عليه قصة الشخوص الثلاثة. - وأنا أنجز رسالة الماجستير بين ١٩٨٠و١٩٨٢ كنت أبحث في الصحف المحلية عن القصص القصيرة المنشورة، فقرأت في جريدة «القدس» في ٧/ ١/ ١٩٧٩ قصة قصيرة لمحفوظ محمد الكركي عنوانها «ومات سعيد» وحدثها مطابق تماماً للحدث الرئيس لرواية «رجال في الشمس» وقد ذهبت في كتابتي عنها أنها تلخيص رديء لرواية كنفاني المذكورة. - في العام ١٩٨٢ درست كتاب وداد القاضي «مختارات من النثر العربي» واخترت منه قصة «زمن الاشتباك: الصغير يذهب إلى المخيم» فقرأها مئات الطلبة وأغلب الظن أنها شجعت قسماً منهم لقراءة رواياته وقصصه، وفي مساق الأدب الفلسطيني درست لسنوات طويلة روايتي «رجال في الشمس» و «ما تبقى لكم» واعتمدت على كتاب رضوى عاشور «الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أدب غسان كنفاني» وكتاب فاروق وادي «ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية». - في العام ١٩٨٥ أصدر إميل حبيبي رواية «اخطية» وقال في مقابلات لاحقة إنه تتبع خطى سعيد. س في رواية كنفاني «عائد إلى حيفا» فاكتشف فيها خطأ معرفياً، وتساءل كيف يكتب غسان عن حيفا ولم يقم فيها، وأن الكتابة عنها يجب أن تصدر عنه هو... إلخ. - في العام ١٩٩٠ أصدر أحمد حرب روايته «الجانب الآخر لأرض الميعاد» وكان لشخصية «أبو قيس»، وهو شخصية رئيسة من شخصيات «رجال في الشمس» حضور لافت فيها. - في العام ١٩٨٧ صدر كتابي «دراسات نقدية» وفيه دراسة «الأرض في أدب كنفاني» (ص ٣ إلى ٩)، وقد اعتمدت في كتابتها على ما صدر من أعمال غسان عن منشورات صلاح الدين ودار الأسوار. ولعل ما سبق يعطي صورة لا بأس بها عن قراءة كنفاني في فلسطين التاريخية.