أستاذُ التاريخِ الحديثِ والمعاصرِ في جامعةِ عين شمس/ مصر
عندما نجحَ جمال عبد الناصر في دعمِ ثورةِ شعبِ اليمنِ في 1962، ضدَّ نظامِ حكمِ الإمامة، لم يتوقّف عن تأييدِ ثوراتِ التحرّرِ الوطنيّ في بلادِ العروبة. وهنا انزعجت الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ ومعها إسرائيلُ ومن ثمَّ بدأ التخطيطُ للقضاءِ عليه، وقامت الخطّةُ الأمريكيّةُ على أساس توريطِ عبد الناصر في مواجهةٍ مع إسرائيلَ استفادت من شروطِ انسحابِ إسرائيلَ من مصر بعد العدوان الثلاثي (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) في نوفمبر 1956. والحاصل أنّ إنجلترا وفرنسا انسحبتا في 23 ديسمبر 1956، لكن إسرائيل رفضت الانسحاب إلا إذا ضمنت حريّةَ الملاحةِ في مضيق تيران إلى خليج العقبة، حيث إنّها كانت ممنوعةً من المرور من قناةِ السويس كما هو معروف. وهنا تدخّلَ الرئيسُ الأمريكي آيزنهاور وأقنعَ عبد الناصر بمرورِ سفنِ إسرائيل التجاريّة، وليست الحربيّة، من مضيق تيران تحت حماية قوّاتِ طوارئ دوليّةٍ تابعةٍ للأمم المتّحدة، وقال لعبد الناصر إنّ على هذه القواتِ أن تنسحبَ في أيّ وقتٍ تريدُهُ مصر. وأمامَ هذا العرض المغري وافق عبد الناصر وانسحبت القوّات الإسرائيليّة في مارس 1957، وجاءت قوّاتُ الطوارئ الدوليّة لتحمي مرورَ السفنِ الإسرائيليّةِ تحت عنوان "الملاحة البريئة" أي الملاحة التجاريّة وغير الحربيّة.
ولمّا لم يتوقّف عبد الناصر عن مواصلة دوره في دعمِ حركاتِ التحرّر الوطنيّ والقوميّ في بلاد العالم الثالث في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبيّة في ضوء مبدأ الحياد الإيجابيّ وعدم الانحياز؛ رأت أمريكا في مطلع عام 1966، وفي عهد إدارة ليندون جونسون ضرورةَ التخلّص منه، وذلك باستخدام إسرائيل لتحقيقِ الغرض. وكان النفوذُ الصهيونيُّ قد أخذ يزدادُ في البيت الأبيض في أبريل 1966، بتعيين أربع شخصيّاتٍ بالإدارة الأمريكيّة وهم: والتر روستو مستشار الأمن القوميّ، وأخوه يوجين مساعد وزير الخارجيّة، وآرثر جولدبرج المندوب الأمريكيّ الدائم في الأمم المتّحدة، ورابعهم ريتشارد هولمز مديرًا عامًّا لوكالة المخابرات المركزيّة.
وقد ترتّب على هذا التغييرِ زيادةُ المعونةِ الأمريكيّةِ لإسرائيلَ عامَ 1966، إلى 1100 مليون دولار مقابلَ 92 مليونًا عامَ 1965. وفي 14 أبريل 1966، أبلغت الحكومةُ الأمريكيّةُ عبد الناصر بأنّها باعت طائراتٍ لإسرائيلَ وطلبت منه أن يأخذَ الموضوعَ دون إثارةٍ؛ لأنّ عددَ الطائرات لا يزيد على خمسين طائرة!! فاستدعى عبد الناصر السفير الأمريكي بالقاهرة لوشيوس باتل وأبلغه بأنّ مستقبل العلاقات العربيّة - الأمريكيّة قد أصبح مهدّدًا بهذهِ الصفقة، وأنّه إذا كان جونسون يعتمدُ على أنّنا سوف نحاولُ السيطرةَ على مشاعرنا وردود أفعالنا لاحتياجنا للقمح، فإنّنا لم نعد نريدُ قمحًا أمريكيًّا طالما كان المقابلُ هو تمريرُ صفقاتِ سلاحٍ لإسرائيل.
وبدأ العدُّ التنازليّ لترتيب كيفيّة الإيقاع بعبد الناصر، ففي 19 مايو 1966، وكانت القوّات المصريّة ما تزالُ تحاربُ في اليمن، رفعت المخابراتُ الأمريكيّةُ تقريرًا للرئيس الأمريكيّ تقولُ فيه: إنّ إطالة الحرب في اليمن يؤدي إلى مضاعفة الصعوبات الاقتصاديّة في مصر على طريق إسقاط نظام الحكم". وعلى هذا وفي الشهر ذاته رفضت الحكومةُ الأمريكيّةُ مدَّ مصر بالمعونة الغذائيّة التي كانت قد تعهّدت بها بمقدار 150 مليون دولار في الوقت الذي سلّمت فيه لإسرائيل للمرّة الثالثة عتادًا حربيًّا ضخمًا.
وفي 16 يونيو 1966، تقدّمت الخارجيّةُ الأمريكيّةُ بمذكرةٍ للرئيس جونسون ليقّررَ أنّ الحكومةَ الأمريكيّةَ لا تستطيعُ عقدَ اتّفاقِ بيعِ أغذيةٍ لمصر بمقتضى القانون رقم 480 الخاص بفائض الأغذية لأسبابٍ عدّةٍ منها سياسة مصر في اليمن، واشتراكها في مؤتمر القارات الثلاث بشأن عدم الانحياز، ومهاجمة ناصر للسياسة الأمريكيّة في فيتنام، فتأكّد بهذا أنّ الإدارةَ الأمريكيّةَ تربطُ المساعداتِ الاقتصاديّةَ التي تقدّمها لأيّ دولةٍ بالمواقفِ السياسيّةِ التي تستفيدُ منها.
وفي 14 يوليو 1966، دارت معركةٌ جويّةٌ فوقَ مواقعِ تحويلِ مجرى نهرِ الأردنّ بين الطائراتِ السوريّة والإسرائيليّة، فكانت بداياتُ التحرّش الحادّ. وفي 20 يوليو استقبل ناصر وزير خارجيّة باكستان ذو الفقار علي بوتو، وكان قادمًا من أمريكا وصارحه بأنّ الأمريكيّين عازمون على تحطيم مصر والتخلّص منه.
وقد اتّضحَ الربطُ بين المساعداتِ الأمريكيّة والمواقف السياسيّة عندما قدّم السفيرُ الأمريكيّ بالقاهرة لوشيوس باتل في أوائل مارس 1967 شروطَ أمريكا المحدّدة لإعادة تصديرِ القمحِ إلى مصر، وتتلّخصُ في انسحابِ القوّاتِ المصريّةِ من اليمن، وعدم تأييد الحركةِ الوطنيّةِ في عدن (جنوب اليمن)، وتسريح جزءٍ من الجيش المصري، والعدول عن صناعةِ الصواريخ، وتأييد سياسة أمريكا في الشرق الأوسط أو على الأقلّ عدم توجيه انتقاداتٍ شديدةٍ لها. وهنا أبلغَ ناصر السفيرَ الأمريكيَّ في يوم 9 مارس أن مصر عدلت نهائيًّا عن رغبتِها في شراء القمح، بسببِ المراوغةِ وشروطِ الإذعانِ والإذلال.
وفي 7 أبريل 1967 توغّلت قاذفاتُ القنابلِ الإسرائيليّة إلى داخل سوريا حوالي 70 كيلومترًا وضربت أهدافًا في العمقِ واستخدمت الدبابات والمدفعيّة. وفي 27 أبريل أذاعت الخارجيّةُ السوفييتيّةُ بيانًا نبّهت فيه إلى أنّ إسرائيلَ تقومُ بلعبةٍ خطرة، وعندئذٍ بدأت إنجلترا وأمريكا تظهران قلقهما، حيث تمَّ وضعُ الأسطولِ الأمريكيّ السادس في البحر المتوسّط في حالةِ استعدادٍ عسكريّ، وبدأ الطيرانُ الإنجليزيُّ يتجمّعُ ويتمركزُ في قبرص.
وفي 15 مايو احتفلت إسرائيلُ بمرور تسعة عشر عامًا على إعلانِها، وأقامت عرضًا عسكريًّا في القسمِ الإسرائيليّ من القدس ، فأمرَ ناصر بتحريكِ القوّاتِ العسكريّةِ تجاهَ قناة السويس، وطلب من الأممِ المتّحدة في 18 مايو سحبَ ثلاثةِ آلاف فردٍ من قوّاتِ الطوارئ الدوليّة من سيناء، كما قرّر عدم مرور السفن الإسرائيليّة في خليج العقبة، وكذا السفن الأخرى التي تحمل بضائع استراتيجيّة لإسرائيل.
وبعدَ أن تواترت الأنباءُ في منتصف مايو 1967، عن وجودِ حشودٍ عسكريّةٍ إسرائيليّةٍ على حدود سوريا، أسرعَ عبد الناصر لتأييدِ سوريا انطلاقًا من اتفاقيّةِ الدفاع العربيّ المشترك بين البلدين في 1957، وبدا الموقفُ على وشكِ الصدام. وفي الحال وفي يوم 22 مايو 1967، وقبل أن تعلنَ مصرُ إغلاقَ مضائق تيران وخليج العقبة أصدر الرئيسُ الأمريكيُّ جونسون تعليماتٍ للأسطولِ السادس واثنين من حاملات الطائرات وهما "ساراتوجا" و " أمريكا" بالتوجّهِ إلى شرق البحر المتوسّط. وأصدرَ بيانًا يفيدُ بأنَّ الولاياتِ المتّحدة تعدُّ خليجَ العقبة ممرًّا مائيًّا دوليًّا، وتشعر بأنَّ فرضَ حصارٍ على الملاحةِ الإسرائيليّةِ فيهِ أمرٌ غيرُ مشروع، ويحملُ في باطنِهِ كارثةً كامنةً تهدّدُ قضيّةَ السلام، كما أنَّ حقَّ الملاحةِ الحرّةِ البريئةِ في الممرّ المائيّ الدوليّ تشكّلُ اهتمامًا رئيسيًّا للمجتمعِ الدوليّ.
وفي 23 مايو 1967، أرسل جونسون رسالتين لعبد الناصر بواسطةِ سفيره بالقاهرة ريتشارد نولني: واحدة شفهيّة وأخرى تحريريّة... وفي الرسالة الشفهيّة، قال لعبد الناصر في أسلوبٍ عاطفيٍّ "إنّه لا ينبغي لنا جميعًا أن ننظرَ إلى الوراء، إنّما نعملُ على إنقاذِ الشرقِ الأوسط والمجتمع الإنسانيّ كلّه من حربٍ اعتقد أنّه ليس هناك من يريدها... وأنّ المنازعات الكبرى في عصرنا هذا يجب ألا تحلّ بالاجتيازِ غيرِ المشروع للحدود بالسلاح والرجال..". وفي الرسالة التحريريّة قال: "إنّ حكومةَ الولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّةِ تعارضُ معارضةً صارمةً أي عدوانٍ في المنطقة من أيّ نوعٍ سواءً كان مكشوفًا أو في الخفاء.. سواءً قامت به قواتٌ نظاميّةٌ أو غيرُ نظاميّة... وأنّ هذهِ هي سياسةُ الحكومة الأمريكيّة على مدى أربع رئاسات..". وفي صباح الأوّل من يونيو 1967، وصل إلى القاهرة السفير تشارلز يوست وأكّد للمسؤولين في مصر أنّ الولاياتِ المتّحدة سوف تكونُ ضدَّ أيّ طرفٍ يبدأ بالعدوان المسلّح.
وفي الثاني من يونيو ردّ عبد الناصر على رسالة جونسون قائلًا له "إنّه لا يمكنُ نسيانُ التاريخ... وأنّ الأصلَ في المشكلةِ حقُّ شعبِ فلسطين في أن يعود إلى بلاده... وأنّ على العائلة الدوليّة (الأمم المتّحدة) مسؤوليّةَ التكفّل بممارسةِ هذا الحقّ... وإنّ مصر لا تكتفي باتّخاذ السلام العالميّ هدفًا بل إنّنا في سبيل هذا الهدف نأخذ دورًا إيجابيًّا لا أرى الاستطراد في بيانِهِ تجنبًا للوقوعِ في دائرةِ تمجيدِ الذات... وإنّ قوّاتنا لم ولن تبدأ بالعدوان، إنّما سندافعُ ضدَّ أيّ عدوانٍ يقعُ علينا أو على أيّ بلدٍ عربيٍّ بكلّ ما نملك من قدراتٍ وطاقات..."
وردَّ جونسون على رسالة عبد الناصر بتوقيعِ أمرًا رئاسيًّا في يوم 3 يونيو بأنّ تقوم القوّات الجويّة الأمريكيّة المتمركزة في قاعدة رامشتاين بألمانيا الغربيّة بترتيب القيام بعمليّة استطلاعٍ للجبهة المصريّة. وكانت بريطانيا من جانبها قد شحنت لإسرائيل أسلحةً ومعدّاتٍ حربيّةً من قاعدةٍ جويّةٍ عسكريّةٍ شرق لندن، وغادرَ عددٌ كبيرٌ من "المتطوّعين" الإنجليز مطار لندن في طريقِهم إلى إسرائيل. وتوجّهت حاملةُ الطائراتِ البريطانيّة "البيون" إلى البحر المتوسّط، وأقلعت 17 طائرة من طراز فالكون من قاعدة أكرونيري في قبرص إلى إسرائيل قبل العدوان بعشرة أيّام.
ولما قام عبد الناصر بحشدِ القوّاتِ المسلّحةِ المصريّةِ في سيناءِ تأهّبًا للردّ على عدوانِ إسرائيل المرتقب على سوريا، وقرّر إغلاق باب المندب، وطلب إنسحاب قوّات الطوارئ الدوليّة من مضيق تيران التي تحمي الملاحة الإسرائيليّة، أعلنت إسرائيل أنّ هذه الإجراءات تعني إعلان الحرب ضدّها، فقامت بالعدوانِ على مصر في الخامس من يونيو 1967. وفي مجلسِ الأمنِ رفضت الولايات المتّحدة إدانةَ العدوانِ الإسرائيليّ، ورفضت الموافقةَ على مشروع قرارٍ يطالبُ إسرائيلَ بالانسحاب. وفي 19 يونيو 1967، أعلن جونسون في بيانٍ عامٍّ تحميل مصر مسؤوليّة الحرب، وصرّح بأنّ أمريكا لن تضغطَ على إسرائيلِ للانسحابِ طالما لا يوجد سلام.
لعلَّ تلك الوقائعُ والملابساتُ تؤكّد أنّ الولاياتِ المتّحدة تحاربُ أيّ قوّةٍ سياسيّةٍ تحاولُ أن تأخذ طريقًا مستقلًّا وترفضُ التبعيّة، وأكثر من هذا أنّها تهدّدُ من يقتربُ من إسرائيل دفاعًا عن "حقوق الفلسطينيين"، وهي مواقفُ لم تتغيّر منذ عام 1948 وحتّى الآن.

