Menu

أنور السادات: لم تعدْ كلُّ الأوراقِ بيدِ أميركا

د. خالد حدادة

نشر هذا المقال في العدد 39 من مجلة الهدف الإلكترونية

"كلُّ الأوراقِ بيدِ أمريكا"؛ الجملةُ السحريّةُ التي ابتكرها أنور السادات؛ لتبريرِ خيانتِهِ وتوقيعِ اتّفاقِ كامب ديفيد، وتتالت التبريرات. طبعًا توافقَ ذلك مع اتّجاهاتِ الانهيارِ والتفسّخِ التي كانت قد بدأت تتوالى داخلَ الاتّحادِ السوفييتيّ وبلدان "المنظومة الاشتراكيّ". وبالمقابل، كانت أنظمةُ التحرّرِ الوطنيّ نفسها قد بدأت بالتآكل، على المستويينِ؛ السياسيّ والاقتصاديّ، وأزمتُها لم تنتج بديلًا لها، وهذا ما برّر حينها مقولتنا الشهيرة: أنّ أزمةَ هذهِ الحركةِ هي في آنٍ معًا أزمةُ قيادةٍ وأزمةُ بديل.

وفي الطريق، كانَ لا بدّ من توجيهِ ضربةٍ للحركاتِ الوطنيّة الجنينيّةِ التي كانت قيدَ التكوين، لتشكّل البديل الشعبيّ للأنظمة التي بدأت بالانهيار، من المشرق والمغرب، وطبيعيٌّ أن تكونَ المقاومةُ الفلسطينيّةُ المرشّحَ الأوّلَ للضربِ والتطويعِ ومعها الحركةُ الوطنيّةُ اللبنانيّة؛ هاتان الحركتانِ اللتانِ سارتا عكس المسار في ذلك الحين، وبدأتا تنقلانِ تأثيرهما السياسيّ والفكريّ إلى كلّ العالمِ العربيّ. ومعهما عادت قضيّةُ فلسطين لتشكّلَ محورَ الصراع، ليس مع الكيانِ المحتلِّ فقط، بل مع الولايات المتّحدةِ بشكلٍ أساسيّ، ومع هذه العودة برزت ضرورةُ التلازم بين التحرير والتغيير.

التلازمُ بين التحريرِ والتغيير، ليس بدعةً يساريّة. التلازمُ الأصليّ هو بين الاحتلالِ ونهبِ الثرواتِ وتنصيبِ أنظمةٍ عميلة. الردُّ على هذا الثنائيّ لا يمكنُ أن يكونَ إلا بثنائيّةٍ مقابلة، التلازمُ بين التحرير والتغيير. هكذا سيطرَ المشروعُ الأميركيُّ على القرارِ العربيّ، وقبله الاستعمار البريطانيّ. خلق دويلاتٍ وإماراتٍ وسلطات، تنصيب عائلاتٍ حاكمةٍ لحماية سلطتها، مقابلَ سيطرةِ الاستعمارين القديم والجديد على الثروة، متلازمةً مع شرطِ كبحِ نضالِ الشعوبِ العربيّةِ من أجلِ فلسطين. وفي العقدين الأخيرين ومع استتباب الأمر للنظام العالميّ الجديد، استبقت الولاياتُ المتّحدةُ خطواتها السياسيّة، بسياسةِ تطويعٍ اقتصاديّ، وتطبيقِ سياسةِ الصدمة، هكذا تمَّ وضعُ مغرياتُ الاستثماراتِ والانفتاحِ الاقتصاديّ وبيع القطاع العام، وهكذا أمسكت الولاياتُ المتّحدةُ بقرارِ السادات، ودفعته ليضعَ أوراقَ القضيّةِ بيدها. وليس مصر فقط، بل سياسةُ الانفتاح في سوريا ومثلها الدردري، كانت تستهدفُ المصيرَ نفسَهُ وهذا ما يتكرّرُ مع السلطةِ الفلسطينيّة.

لقد شكّلت هذهِ المرحلة، قاعَ أزمةِ حركةِ التحرّر الوطنيّ العربيّة، وضياع كلّ منجزاتها. وبالمقابل لأسبابِ موضوعيّةٍ وذاتيّة، لم تتبلور صيغةُ البديل التقدّميّ للقيادةِ البديلة، ووقعت قوى اليسارِ تحتَ عبءِ الانهيارِ العالميّ وانهيارِ حركةِ التحرّر. البديلُ الذي وجدَ نفسَهُ ووجدته المرجعيّةُ العربيّةُ ملائمًا هو مزيجٌ من الإسلام السياسيّ وقوى المجتمع المدني، هذا الثنائيُّ الذي رأى فيهِ الأميركيّ بديلًا ملائمًا للأنظمةِ المنهارة، وبديلًا منتميًّا، طبقيًّا وفكريًّا، للمشروع الأميركيّ بمسمّياتِهِ المختلفة. ولذلك حضّرته لخطفِ الانتفاضاتِ العربيّة وحوّلت ربيعَها خريفًا، في السيطرة إذا كان ممكنًا كما في تونس ومصر، والحروب الأهليّة ومخطّطات التفتيت كما في ليبيا وسوريا واليمن، واليوم محاولات استكمالها كما في العراق و السودان .

في المقابل، نشأت حركاتٌ إسلاميّةٌ ذاتُ بعدٍ مقاوم، في فلسطين ولبنان تحديدًا. حركاتٌ لا يسعنا إلا توجيه التحيّة لشهدائها وإنجازاتها، فهي استكملت بجانبٍ ما إنجازاتِ حركاتِ المقاومةِ الوطنيّةِ في لبنان وفلسطين، هذه الحركاتُ الوطنيّة، رغمَ الظروفِ الموضوعيّةِ وضعفِ الإمكانيّات، صانت للمقاومةِ بعدَها الوطنيّ وكانت بإمكانيّاتها المتواضعة شريكًا في انتفاضاتِ فلسطين، وفي الدفاع عن غزّةَ و القدس ، كما كانت شريكًا في التصدّي لعدوان تموز في لبنان، وفي كلّ المعارك كان لها، واليسارُ منها بشكلٍ خاص، إلى جانب شهداء الشعبين؛ اللبناني والفلسطيني بتنوّع انتماءاتهم.

ورغمَ الوضعِ العالميّ، وتآمرِ الأنظمة، استطاعت هذهِ الحركاتُ تحقيقَ الإنجازِ الأساسي: فقدان العدوّ الصهيونيّ لوظيفته، ضابطَ إيقاعٍ لأمنِ المنطقة، وناطور ثرواتها، لصالحِ الإمبرياليّةِ الأميركيّة.

وعلى الرغمِ من هذا الإنجاز، لم تستطع هذهِ الحركاتُ تحويلَ مشروعِها إلى مشروعٍ وطنيٍّ متكامل، وهذا طبيعيٌّ بسببِ بنيتِها وتكوينِها وبفعلِ خلفيّتِها الفكريّةِ والبقيّة، وهذا ما تجلّى بعدمِ رغبتِها ولا قدرتِها على تكاملِ التحريرِ بالتغيير.

اليوم لم تعد الأوراقُ كلّها بيدِ أميركا. الندوبُ الماليّةُ لأزمةِ ٢٠٠٨، ما زالت تتعمّق... واليوم أخذوا قرارًا بأعلى فائدة. الصينُ بلغت درجةُ النموّ الاقتصاديّ فيها مرحلةً متقدّمة، وإلى ذلك تستعدُّ لحمايةِ مصالحها الاقتصاديّةِ والأمنيّةِ في بحر الصين، وتستعدُّ لضربِ أيةِ محاولةٍ لفصل تايوان، والتدخّل في شؤونها الداخليّة. مرّةً جديدةً العالمُ على حافةِ حروب؛ عسكريّة وسياسيّة مدمّرة.

"بعدَ الإمبرياليّة، الاشتراكيّةُ أو الفوضى"، الاشتراكيّةُ ومعها السلامُ أو الفوضى ومعها الحروبُ والموتُ والدمار. تنتقلُ الإمبرياليّةُ مع أجهزة النهب والقتل، من منطقةٍ إلى أخرى. تحاول، على حسابِ ثرواتِ الشعوبِ ودمائها، حلَّ أزمةِ نظامِها الذي يزدادُ عمقًا. ليست أزمة النظام فقط، بل وجود الولايات المتّحدة نفسه كما قال بيرجنسكي، مرجّحًا تفتتها وانهيار الدولة فيها.

اليوم حطَّ رحالُها في أوكرانيا، وعلى حسابِ شعبِها ووحدةِ أراضيها. بدأت حملتُها هذهِ مع "ثورتها البرتقاليّة"، وتستمرُّ اليوم بالحرب التي أطلقها الناتو، من أوكرانيا وتجاهَ روسيا.

لن تنتهي الحربُ في أوكرانيا وعلى حسابها. ستنتقلُ تأثيراتُها بتسارعٍ نحو أوروبا التي بدأت شعوبُها تعاني من الوقودِ والإغلاء، جرّاءَ الحصار الاقتصاديّ على روسيا، الذي انقلبَ حصارًا على أوروبا وشعبِها وخاصّةً فقرائها.

وكالعادة لمنطقتنا حصّة، فما التأثيراتُ المحتملةُ على منطقتنا؟

النتيجةُ الأهمُّ هي أنّ النظامَ العالميّ، الذي أصبحَ قديمًا، يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ فوقَ أوكرانيا، ويتركُ المجالَ أمامَ تكوّنِ نظامٍ جديد، متعدّدِ الأقطاب أو سواه. الولايات المتّحدة تعرفُ تمامًا أنّ نظامها العالميّ قد انهار. معركتُها الأساسيّةُ هي الحدُّ من آثارِ الانهيار، وحتمًا ليس على حسابها.

المتضرّرُ الثاني، والأوّلُ من حيث الخسائر هو أوروبا، التي بدأت تدفعُ الثمنَ من اقتصادِها، وتعرفُ تمامًا أنّه للمرّةِ الثانيةِ بعدَ الحربِ العالميّة، أوروبا في قلبِ المعركةِ وشعبها ستعاني من الوقود والغذاء، مما سيتركُ آثارًا حادّةً على أنظمتها السياسيّة، وعلى وحدة أوروبا نفسها، وأيضًا على استقرارها الاجتماعيّ.

طبعًا، ستكثّفُ أميركا من عدوانيّتها حينًا ومن إغراءاتها حينًا آخرَ للتخفيف من آثار التطوّرات عليها وعلى أذرعتها الأوروبيّة.

ومن الآثارِ المحتملة:

_ زيادةُ الضغطِ على الوضعِ الإيرانيّ، والمماطلة بحلّ مشكلة الاتّفاق النووي، مع استعمال سياسةِ الجزرةِ حينًا آخر.

_ محاولةُ الخلاص من أعباء الوضعِ المتوتّرِ في الخليج الذي يكلّف دوله أعباء، بدأت دولُ الخليجِ نفسُها تعاني منها، وهذا ما يفسّرُ بعضَ الاختلافِ مع أميركا وأوروبا حولَ أوكرانيا. ولذلك، تخلّى بايدن عن قشرتِهِ الديمقراطيّة، وسيزورُ السعودية ويجتمع مع بن سلمان، وسيعمل لزيادة وتيرة التطبيع بين دول الخليج والعدوّ الصهيونيّ.

_ إعادةُ صياغةِ وظيفةِ الكيان الصهيونيّ، وإبدالِ صيغةِ الناطورِ الأمنيّ، بالضابط الاقتصاديّ، عبرَ التطبيعِ من جهةٍ، ومن ثَمَّ أخذ حصّةٍ وازنةٍ من السوق الماليّة العربيّة، وتحديدًا في الخليج، ومن جهةٍ أخرى تكثيف السعي لاستخراج الغاز والنفط داخل فلسطين وعلى شواطئها، وتحويل كيان العدو إلى كيانٍ نفطيّ، يعملُ لحلِّ مشكلةِ انقطاع الغاز والنفط الروسيّ عن أوروبا.

_ هذا يستدعي بناءَ تحالفٍ جديدٍ وسريع، يمتدُّ من الخليج إلى قبرص و تركيا ومصر، ويكون الكيانُ الصهيونيُّ الطرفَ الأقوى فيه.

_ العملُ على تكريسِ حالةِ التوتّر، في سوريا والعراق واليمن، لمنعها من التأثير أوّلًا ولعدمِ تمكينِها من الاستفادةِ من ثرواتِها النفطيّة.

_ أمّا في لبنان، فيتجلّى تناقضٌ واضح، من جهةِ حماسةٍ أمريكيّةٍ لإبرامِ اتّفاق، يضمنُ للعدوِّ استخراجَ ونهب ثروات فلسطين، ويضعُ لبنان أمامَ حالةٍ من التردّد والضعف وعدم الاستفادة من ثرواته.

تناقضٌ جوهرُهُ ضعفُ الموقف الأميركيّ واستعجاله للوصول لاتّفاقٍ يسهّلُ إمدادَ أوروبا بالغاز والنفط، وإلّا فإنَّ اللغمَ الأوروبيَّ سينفجرُ به. ضعف الموقف الأميركي، وعجز (أو تآمر) الدولة اللبنانيّة وعدم قدرتها على خوض هذه المعركة من الموقع القويّ.

الوقتُ ملائمٌ لتكوينِ مقاومةٍ لبنانيّة، متعدّدةِ الوسائل، السياسيّة والشعبيّة والمسلّحة لمن لديه القدرة، تمنعُ العدوَّ من نهبِ ثروة فلسطين، وتمنعُ أميركا من الأمرِ على ثروة لبنان.

لقد حان الوقت، لرفضِ وساطةٍ معادية... ولإطلاق حالةِ مقاومةٍ متعدّدةٍ ومتنوّعةٍ وشاملة.