وفق تصريحات رئيس الجمهورية "ميشال عون" بوصفه مرجعية التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية مع فلسطين المحتلة، ومن ضمنها حقل " كاريش" الغازي المتنازع عليه مع الكيان الصهيوني، التي أكد فيها أنّ "مسألة ترسيم الحدود ستنتهي قريباً وأن النتائج ستكون إيجابية وفي مصلحة الطرفين"، تؤكد أن هذا المخرج التفاوضي لمصلحة لبنان ما كان ليتم لولا توازن القوى الذي أحدثه حزب الله عبر طائراته المسيرة الثلاث، التي أنهت مهمتها بنجاح، وأرسلت كافة الصور المطلوبة لموقع " كاريش"، وما يحيط به من تجهيزات عسكرية صهيونية، للقائمين على ملف الحقل في حزب الله.
ولا نبالغ بل نؤكد، أنه لولا قرار حزب الله بإرسال المسيرات في الثاني من يوليو(تموز) الجاري، الذي شكل ترجمةً أولية لخطاب نصر الله الهادئ بتاريخ التاسع من يونيو ( حزيران) الماضي، وأعلن فيه بصريح العبارة، بأن المقاومة قادرة على حماية حقول النفط والغاز اللبنانية، وأنها تملك كل المقومات لتنفيذ إنذارها، منذراً مالكي سفينة التنقيب اليونانية بمغادرة الموقع حتى لا تتعرض لقصف صواريخ المقاومة ، ولولا هذا القرار وتنفيذه لظلت المفاوضات بشأن ترسيم الحدود وحقل "كاريش" تراوح في مكانها، ولأقدم العدو على بدء استخراج الغاز من الحقل بعد أن انتهى من عملية التنقيب.
ولا نبالغ إذ نقول بل نؤكد أيضاً، أنه لولا المقاومة وجهوزيتها وتجربة العدو الصهيوني معها وخاصة في حرب تموز 2006، لما خاض العدو الصهيوني مفاوضات غير مباشرة مع لبنان، ولأقدم على السطو على كافة حقول الغاز والنفط، غير آبه بالبيانات التي قد تصدر عن الحكومة اللبنانية، ولا بالشكاوى التي تقدمها إلى مجلس الأمن.
المسيرات كانت "ضربة معلم" أربكت حكومة العدو والوسيط الأمريكي، وكذلك أوروبا التي راهنت على الغاز الفلسطيني المسروق، ليحل ولو جزئياً من أزمة الغاز المتصاعدة الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، والتي تنذر بانكماش اقتصادي هائل في أوروبا لا يقل خطورة عن أزمة 2008 المالية والاقتصادية، في حال أوقفت روسيا ضخ الغاز لألمانيا على وجه التحديد وبقية الدول الأوربية.
الوسيط الأمريكي "آموس هوكشتاين" غادر لبنان قبل أربعة أشهر موقفاً عملية الوساطة، تاركاً الحبل على الغارب لمصلحة الكيان الصهيوني، في رسالة مباشرة منه للكيان أن يباشر عملية التنقيب والاستخراج من حقل كاريش، مراهناً على أن المقاومة لن تفعل شيئاً في ضوء الأزمة الاقتصادية والمعيشية الطاحنة، والانقسام السياسي الناجم عن ارتهان فريق (14) آذار للرياض وللإدارة الأمريكية. وهذا الوسيط لم يحضر إلى لبنان، إلا بعد خطاب نصر الله التحذيري في يونيو ( حزيران ) الماضي ، وبعد حضوره التقى مع رئيس الجمهورية، الذي أكد له ثوابت الموقف اللبناني بخصوص حقوق لبنان الغازية والنفطية في مياهه الإقليمية في البحر المتوسط ، وفي ذات الوقت حاول ومعه السفيرة الأمريكية في لبنان "دوروثي شيا" المماطلة بالتشاور مع فريق 14 آذار وخاصةً مع "سمير جعجع" زعيم حزب القوات اللبنانية، ووليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وسامي الجميل زعيم حزب الكتائب اللبنانية، لاختبار موقف حزب الله، فجاء الرد على محاولة الاختبار اليائسة بإطلاق المسيرات الثلاث نحو حقل "كاريش".
وما أثار الاستهجان أن رئيس الحكومة الانتقالية اللبنانية "نجيب ميقاتي" الذي يدعي الحرص على سيادة لبنان وحقه في ثرواته النفطية والغازية في البحر المتوسط، رضخ ووزير خارجيته "عبد الله حبيب" لإملاءات الإدارة الأمريكية بانتقاده عملية الطائرات المسيرة، رغم إدراكه بأن ميزان القوى الذي صنعته المقاومة، هو الكفيل بإحقاق حقوق لبنان النفطية والغازية في البحر، وهو بهذا الموقف منسجم مع نفسه، في عدم منح المقاومة شرف الحفاظ على سيادة لبنان، وعلى ثروتها النفطية في المتوسط، ارتباطاً بولائه المطلق للرياض.
لقد وقع العدو الصهيوني في ورطة بعد إطلاق المسيرات، ولم يغير من واقع هذه الورطة تبجحه بأنه قد تمكن من إسقاطها، كاشفاً عن هزالة التبجح الذي روج له عبر مناورته العسكرية الأطول في تاريخه منذ إقامة كيانه الغاصب "مراكب النار"، بعد أن وجه له نصر الله إنذاراً وجوديا في حال أقدم على خطوة ضد لبنان وحقوله النفطية والغازية.
كما أن الحراك الدبلوماسي الإسرائيلي، كشف هو الآخر عن طبيعة هذه الورطة، حين ذهب رئيس الحكومة الإسرائيلية الانتقالي "يائير لابيد" إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي " إيمائيل ماكرون" طالباً منه التدخل لمنع تطور الأمور باتجاه المواجهة مع حزب الله، وكذلك انتقال وزير الحرب الإسرائيلي "بيني غانتس" إلى اليونان، طالباً منها عدم سحب سفينة التنقيب اليونانية من المنطقة، ريثما تنتهي المفاوضات غير المباشرة مع لبنان.
واللافت للنظر أن وسائل الاعلام الصهيونية كشفت عن طبيعة هذه الورطة، عندما أعلنت أن طائرات أل " ف 35 " فشلت في إسقاط المسيرات الثلاث، ما دعا رئاسة الأركان الصهيونية لاستدعاء طائرات " ف 16" لإسقاطها، مشيرةً أن الطائرات المسيرة لا تتعدى كلفتها مئات الدولارات، في حين أن كلفة الصواريخ التي أسقطتها بمئات الآلاف من الدولارات. والورطة ذاتها انتقلت إلى الإدارة الأمريكية، التي أدركت أن حزب الله بقدراته الذاتية وبالاستناد وإلى محور المقاومة ودعم إيران، قادر على ضرب العدو في مقتل في حال أقدم على استخراج الغاز من حقل "كاريش" المتنازع عليه، ما قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية، لا تريدها الإدارة الأمريكية في اللحظة السياسية الراهنة، جراء انشغالها في مواجهة روسيا في أوكرانيا، بعد أن نجحت روسيا في عمليتها الخاصة في تحرير معظم أراضي جمهوريتي "لوغانسك ودونتسك" في إقليم الدونباس، وباتت قواتها تتمدد على ساحل البحر الأسود باتجاه ميناء أوديسا. وهذه الورطة هي من أجبرت الوسيط الأمريكي، أن يغير من سلوكه التفاوضي لصالح الاستجابة نسبياً للمطالب اللبنانية، التي سبق وأن حددها رئيس الجمهورية في لقائه معه مهدداً بوقف التفاوض في حال لم يستجب هذا الوسيط للمطالب اللبنانية.
كما انتقلت الورطة إلى الجانب الأوروبي، التي عبر عنها الرئيس الفرنسي إيمائيل ماكرون الذي سرعان ما بعث برسالة إلى رئيس الحكومة الانتقالية "نجيب ميقاتي"، طالباً منه إقناع حزب الله بتهدئة الموقف بعد عملية الطائرات المسيرة، خشية منه هو الآخر من حرب إقليمية كون الغرب وأوروبا غير جاهزة بشأنها كونها منشغلة بالحرب في أوكرانيا.
لقد فعلت رسائل الطائرات المسيرة فعلها، بعد أن وصلت إلى كل من يهمه الأمر، فالعدو الإسرائيلي وصلته رسالة "كي الوعي"، وقرأها بإمعان وتوصل إلى قناعة بأن المقاومة قادرة على إفشال مخططاته وتهديد وجوده، في حال أقدم على سرقة الغاز اللبناني من حقل كاريش، الذي يشتمل على (7) آبار في الجزء الشمالي الذي يقع في المياه الإقليمية اللبنانية وعلى (3) آبار في الجزء الجنوبي في المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة.
كما وصلت الرسالة للجانبين الأمريكي والأوربي، فالجانب الأمريكي الذي طالب رئيس الحكومة "نجيب ميقاتي" بانتقاد عملية المسيرات، اضطر للتراجع وتليين موقفه في المفاوضات، والجانب الأوروبي الذي سبق وأن وجه رسالة تهديد للمقاومة في حال واصلت ضغطها على الكيان الصهيوني بشأن حقل كاريش، عاد عبر الرئيس ماكرون طالباً - عبر رسالة موجهة للحكومة اللبنانية - من المقاومة بالتزام التهدئة وانتظار نتيجة المفاوضات
خلاصة الأمر أن المقاومة اللبنانية بتهديدها المستند إلى القوة المسلحة وقوة الإرادة، باتت تتحكم بمعادلة الغاز والنفط، فلا غاز ونفط للكيان في هذه المنطقة البحرية، ما لم يحصل لبنان على حقوقه كاملةً من ثروات النفط والغاز، التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات، التي تمكن لبنان من الخروج من أزمته الاقتصادية المستفحلة، والانتقال من حالة الأزمة إلى حالة الرفاه، وعدم الوقوف متوسلاً متسولاً على أعتاب صندوق النقد الدولي بشروطه المذلة.

