Menu

لكم دينكم ولي دين

ثائر أبو عياش

على العقل دوماً الاختيار بين بديلين، أو ربما مجموعة بدائل ضمن النشاط الإنساني في كافة نواحي الحياة على الصعيد العمومي، وإذا قمنا باختيار النسق السياسي وخصوصاً في فلسطين، سنجد حتماً أنه بات واضحاً للجميع وجود بديلين لا ثالث لهما، حيث أصبحت القضية الفلسطينية بعد أوسلو أمام هاذين البديلين قطعاً، ويعني ذلك أما أن تختار الصراع مع الاحتلال من زاوية السلام والتعايش السلمي، وأما أن تختار السلاح وما يترتب عليه من مقاومة وسجون وشهداء...

ومن زاوية أخرى للتوضيح تستطيع أن تنظر إلى رسومات الشهيد " ناجي العلي " لندرك تلك الحقيقة، حيث كان ناجي يرسم باللون الأسود على الورق الأبيض، كان يعني ذلك أن الحياد هو خطيئة لا تغتفر، وأن نضال الأمس لا يبرر خيانة اليوم، وأكثر من ذلك يعتبر الحياد هو بشكلها الخارجي، وفي الجوهر استسلام وعدم القدرة على المواجهة، وذلك يدلل على أنك أمام خيارين في ظل وجود الاحتلال، أما الاستمرار في الصراع "أبيض"، وأما القبول بوجود الاحتلال والاعتراف بشرعيته "أسود".

بعد ما يقارب تسعة وعشرون عاماً على أوسلو أصبح الواقع لا يحتاج إلى تفسير وتحليل وتنبؤ، حيث نجحت المرحلة وما تخللها بالعمل على ذلك، إذ بات الواقع أمام مشروعين متناقضين تماماً، وهذين المشروعين يحملان من التفاصيل إذا قمنا بتقييمهم سنجد ما يكفي للتنبؤ بنجاح مستقبل القضية الفلسطينية، وسنجد أيضاً أي المشروعين أكثر أقناعاً للجماهير التي دفعت، وما زالت تدفع، وستبقى تدفع تحت سقف البؤس للوصول إلى نشوة الانتصار، هذه الجماهير التي باتت تدرك أن من يقاوم أكثر بات يربح أكثر.

لم تنجح طريقة البدائل "الرمادية" في إقناع الفلسطيني أن هناك واقع أفضل، فعلى الرغم من وجود اتفاقيات سلام سواء على الصعيد السياسي، أو حتى على الصعيد الاقتصادي، ما زال هناك حواجز للاحتلال، وما زال هناك اعتقالات، وما زال الاستيطان يستمر بوتيرة عالية جداً، وما زال الشهداء يكتبون حكايات مختلفة، وما زال الشعب الفلسطيني بلا دولة وهو الحلم الذي من أجله يقاتل يومياً، وذلك يعني بشكل واضح باتت المرحلة لا تحتاج إلى مثقفين لتشريح الحالة، بل عليك اليوم الاختيار بين مشروعين استناداً إلى  فهم معمق أن هذين المشروعين كما مرج البحرين الذين لا يلتقيان، حيث بينهم برزخ لا يبغيان.

في ظل ما سبق نستطيع القول بأن الفلسطيني مطالب إما بعبودية السلام، وإما عبودية المقاومة، فالخيار الأول يرفض الخيار الثاني، والعكس تماماً، حيث الطرفين يقولان لبعضهم البعض "قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون"، فأصحاب دين السلام يعتبرون الطرف الأخر " كافرون" بالاتفاقيات، وأصحاب دين "المقاومة" يعتبرون الطرف الأخر "كافرون" بسلاحهم.

ولتوضيح أكثر، تجد أن دين السلاح يقول لدين السلام: أنا لا أعبد ما تعبدون، وأنتم لا تعبدون ما أعبد، ويقوم بتكرارها مرة أخرى من أجل زيادة الفهم، ويقصد هنا هو لا يفعل ذلك_ أي دين المقاومة لا يمارس دين السلام_ ولا يقبل بطقوسهم على طاولة المفاوضات، وكمثال على ذلك تجد فصائل المقاومة لا تستقبل قادة الاحتلال، ولا تقبل أن يستقبل الطرف الأخر هؤلاء القادة وتعلن رفضها لذلك قولاً وفعلاً، ويقصد أيضاً من التكرار رفض دينهم الماضي والحالي والمستقبلي.

والانتماء إلى أي دين من هذين، يعني قطع العلاقة مع أحدهم، ولذلك أنت تصبح مُعرض للجزاء إذا مارست الانتماء لدين المقاومة، ومن صور هذا الجزاء التعرض للاعتقال، أو الاستشهاد، أو المطاردة، وغيرها من أنواع الجزاء، وإذا كنت من الذين ينتمون إلى دين السلام أنت تعيش حالة الحساب على هذا الانتماء، ومن أشكاله العكس تماماً من الانتماء إلى دين المقاومة، وبشكل أوضح الإيمان بدين المقاومة يكون الجزاء "تحرير فلسطين"، والانتماء لدين السلام يكون الحساب "خسارة فلسطين اولاً، خسارة نفسك أبداً".

يضاف إلى ذلك إذا قمنا بالدخول إلى جوهر الديانات سنجد أن الطرفان يرفضان الطريقة التي يمارس فيها الدين، وفي كل مرة يمارسان نوع من التذكير على ذلك، بالإضافة إلى ذلك هناك حالة من الثبات لكل دين، بمعنى كل طرف متمسك بطريقته التي من خلالها يؤمن للوصول إلى أهدافه، وهذا الثبات جاء بعد تاريخ طويل من حالة الصراع بين المشروعين، إلى جانب ذلك أصبح للطرفين قناعة راسخة ليمارس كل طرف مشروع الدين الخاص به، حيث وصلت الأمور حد رفض ممارسة دين المقاومة مثلاً طقس واحد ولفترة زمنية قصيرة من دين السلام، والعكس تماماً.

يبقى السؤال المهم إلى متى يبقى الفلسطيني ينتظر حتى يقول لأحد الديانات "لكم دينكم ولي دين؟!".