لا جديد في تأكيد الرئيس بايدن بعد هبوطه على مدرج مطار بن غوريون على أن "علاقة الولايات المتحدة مع الإسرائيليين عميقة للغاية"، مضيفا" لست بحاجة لأن أكون يهوديا كي أكون صهيونيا- -2022-7-13". ولا حصر للكتابات والتعليقات الإسرائيلية المتعلقة بالعلاقات بين الإدارتين الأمريكية والصهيونية في ظل إدارة الرئيس بايدن، في الوقت الذي أعرب فيه عدد من قادة اليمين الصهيوني عن خيبة أملهم من فوزه بالرئاسة، وعبروا عن تشاؤمهم منه، بينما هناك كتابات وتنبؤات حول طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين من مثل: هل تشكل إسرائيل عبئا استراتيجيا على الولايات المتحدة، أم العكس...؟! وغير ذلك الكثير من الكتابات والتوقعات والتنبؤات. وفي هذا السياق استحضر بعضهم تصريحات ومواقف لبايدن أكّد فيها في الماضي قائلا: "لو لم تكُن إسرائيل موجودةً لكان على الولايات المتحدة أنْ تخلق إسرائيل كي تحمي مصالحها"، وكشف حاييم سابان، رجل الأعمال الأمريكيّ-الإسرائيليّ، المؤثّر جدًا على صُنّاع القرار في واشنطن؛ النقاب في مقالٍ نشره بصحيفة يديعوت أحرونوت العبريّة "أنّ تأييد بايدن لإسرائيل مخطوط بالحجر منذ أربعة عقود"، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّ بايدن كان قد قال في الماضي إنّه "لو لم تكن إسرائيل موجودةً، لكان على الولايات المتحدة الأمريكية أنْ تخلق إسرائيل كي تحمي مصالحها- رأي اليوم” – من زهير أندراوس2020-10-14". بينما قالت المُستشرِقةٌ الإسرائيليّةٌ شيمريت مائير "أن تل ابيب ستتأقلم بسرعةٍ مع بايدن لأنّ المصالح المُشتركة أقوى من الرئيس"، وبحسب المُستشرِقة الإسرائيليّة، فإنّه في نهاية المطاف، "تبقى المصالِح الأمريكيّة والإسرائيليّة مُتساوِقةٍ بصرف الطرف عن هوية الرئيس الذي يجلِس في البيت الأبيض، طبقًا لأقوالها- ترجمها عن العبرية زهير أندراوس:2020-11-3". ولعل ما كتبه البروفيسور دان شيفتن في إسرائيل اليوم2020-11-3-على أهمية كبيرة في هذا السياق، حيث قال: "إلى جانب الأهمية المعروفة لنتائج الانتخابات القريبة، من المهم أن نفهم البنية التحتية العميقة لعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة، فضلاً عن سؤال هوية الرئيس وتشكيلة الكونغرس، هذه شراكة في الفكرة الأساس، والتي تنعكس بمواقف منتخبي الشعب، وبتطابق واضح للمصالح يؤثر على اعتبارات الإدارة. ولعله من المسموح لنا أن نسمي، بتبسيط، الصيغة الأميركية لهذا الموقف «فكرة جون واين وبروس ويلس»، هذه ليست مقبولة في أوروبا، وهي تصنف أحياناً بنفور كـ «فكرة الكاوبوي»، غير أنه من دونها لا يمكن أن نفسر التعاطف العميق مع إسرائيل في أوساط نحو ثلثي الجمهور الأميركي، لا سيما الجمهوري"، ويستخلص شيفتن: "الرؤساء يأتون ويرحلون، بعضهم يعمل بالتشاور مع إسرائيل، وآخرون منصتون أقل بكثير لاحتياجاتها، فضلاً عن الفوارق المهمة هذه توجد بنية تحتية متينة، قيمية وإستراتيجية لشراكة عميقة، وقد بقيت في الماضي ونجت حتى في ظل إدارات غير ودية". والواضح أن هذه البنية التحتية للعلاقات الأمريكية الصهيونية هي القطبة القوية هنا كما تؤكد سياسات الإدارات الأمريكية السابقة، فالحضور الصهيوني في مؤسسات البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي لا يغيب أبدا، فنحن نسمع أو نقرأ عن هذا الحضور القوي في المشهد الأمريكي في كل اجتماع أو بيان أو حدث وفي كل يوم تقريبا -بلا مبالغة-، فتابعنا في الآونة الأخيرة على سبيل المثال الحملة الصهيونية المكثفة المتصلة التي تقف وراء ترامب كأهم رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يدعم المشروع الصهيوني، وقبله كان الرئيس أوباما قدم خطابا توراتيا، وكذلك الرئيس بوش من قبله...! ولذلك لا دهشة بذلك الكم الكبير من التصريحات والوثائق التي تتحدث عن "أن إسرائيل تحتل قمة الأجندة السياسية / الاستراتيجية الأمريكية ومحور مشروع الشرق الأوسط الكبير، ولا غرابة عندما يعلن المفكر الأمريكي ما يكل كولينزبايبر في محاضرة له أمام مركز زايد في أبو ظبي مؤكداً: "أن خطة شن الحرب على العراق تتصل بأرض إسرائيل الكبرى"، ويمكن أن نعتبر شهادة الجنرال الأمريكي المتقاعد انطوني زيني الذي وضع خطة الحرب ضد العراق في 1991، من أهم الشهادات التي تفضح القصة من أولها إلى آخرها، حينما أعلن وأكد "في أعقاب صحوة ضميرية متأخرة" أن كل خطة الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين وإعادة تشكيل الشرق الأوسط إنما هي من أجل تعزيز أمن إسرائيل". وكان "أوري افنيري" أحد أهم أقطاب "معسكر السلام" الإسرائيلي، أكد في مقالة قديمة له حول "السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط" جوهر ما ذهب إليه البروفيسوران حينما قال: "من الناحية العملية فإن الولايات المتحدة تعتبر منطقة محتلة من قبل إسرائيل، وهذا ليس احتلالاً مباشراً، مكشوفاً، وحشياً، وغبياً مثل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما هو احتلال محكم ليس له مثيل أو شبيه أو أسوأ منه في الواقع العالمي، وربما ليس في تاريخ الشعوب". وأوضح افنيري: "أن مركز ثقل الاحتلال الإسرائيلي هو الكونغرس الأمريكي بمجلسيه اللذين يلعبان دوراً مركزياً في النظام السياسي الأمريكي، وبالتالي فإن السيطرة الإسرائيلية على الأجهزة صاحبة القرار في الولايات المتحدة مطلقة تقريباً، والحكم الإسرائيلي في نيويورك وواشنطن مستقر بصورة لا تقارن مع الحكم الإسرائيلي في غزة ورام الله...". إلى ذلك، هناك كم هائل من الوثائق والشهادات الأخرى التي تتحدث عن سطوة اللوبي الصهيوني على البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه، وهذه الحقيقة الكبيرة الصارخة ليست فقط استخلاصاً "افنيريا"، فالوقائع الماثلة أمامنا كبيرة ودامغة هي الأخرى، فلا يبقى هنا أمام العرب سوى العبرة والاعتبار لمن يريد أن يعتبر... فهل يوجد مثل هذا...؟!

