Menu

الصهيونية والمسألة اليهودية والصراع العربي الصهيوني وسبل المجابهة

غازي الصوراني

(1) ماركس والمسألة اليهودية:

في كتابه "المسألة اليهودية رد فيه ماركس على "برونوباور" وهو عالم لاهوت ومؤرخ الماني، قال "ان المسيحية المبكرة تدين بوجودها إلى الفلسفة الرواقية اليونانية أكثر من التوراة"، واستنكر على اليهود الألمان مكانتهم بالتحرر قائلاً لهم" "عليكم أن تتحرروا وتتخلصوا من يهوديتكم أو دينكم" كما طالب أيضاً كل الناس التخلص من أديانهم، فأجابه ماركس قائلاً "أن الحل لا يكمن في تخلص الناس من الدين، بل في تحرر الدولة وانعتاقها من الدين حتى لو كانت اغلبية الشعب متدينين".

الموضوع الجوهري في كتاب ماركس "المسألة اليهودية" ينتقد المعادلة التي تقول "أن التحرر الاجتماعي لليهودي هو تحرر المجتمع من اليهودية" ويرد ماركس على هذه المقولة العنصرية الألمانية، بقوله "أن الحل الجذري يقوم على نظرة اليهودي والمسيحي للدين باعتباره مرحلة من مراحل التطور للفكر الإنساني"، وقال "يجب أن يكف اليهودي عن كونه يهودياً، بحيث يذهب يوم السبت ليمارس نشاطاً سياسياً أو اجتماعياً على الضد من تقاليده، وإذا أصر اليهودي على ديانته فلا ضير شرط أن يدرك بأن تحرره مرتبط بتحرر الدولة الألمانية سياسياً واجتماعياً من سيطرة الدين أو اللاهوت كما هو الحال في أمريكا، حيث تم فصل الدين عن الدولة".

لم يقصد ماركس أن دعوته إلى التحرر من الدين تعني إلغاء الدين، بالعكس فقد اعتبر–كما يقول أحمد الفارابي- "أن وجود الدين لا يتعارض مع وجود الدولة بحيث تضمن عدم تحويل المسائل الحياتية الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، وبالتالي تصبح علاقة التحرر السياسي هو تحرر الدولة من الدين، وهو هنا يتفق مع برونوباور ولكن شرط ماركس هو التحرر السياسي للدولة من كل الأديان وليس تحرر اليهود من دينهم فقط، ولكن ماركس دعا إلى تحرير اليهودي من عبادته للمال، وهنا تتحرر البشرية من اليهودية لأن المال أهم شيء لدى اليهود، كما أشار ماركس إلى "أن المسيحيين لا يختلفون في الرأسمالية عن اليهود في علاقتهم بالمال وحرصهم عليه، فالمجتمع البورجوازي يُوَلِّدْ– رمزياً- من احشائه يهود المال، ويقصد بذلك التشبيه المسيحيين البورجوازيين الذين مارسوا كل ما مارسه اليهود".

(2) الصهيونية:

أول من استعمل هذا المصطلح كان المفكر والكاتب اليهودي "نتان بيرنباوم" (1864-1937). وفي طبعة 2000 من الموسوعة البريطانية نقرأ تعريفا خطيرا للصهيونية، بلغ في تزييفه للحقائق التاريخية، وخضوعه للرؤية الصهيونية، حد تسمية فلسطين بـ"أرض إسرائيل"، بل تستخدم الموسوعة اللفظ العبري لتعميق هذا المعنى، مقدمة كل ذلك وكأنه من المسلمات التي لا خلاف عليها! حيث جاء في الموسوعة: "الصهيونية حركة يهودية قومية تستهدف إنشاء ودعم دولة لليهود في فلسطين "إرتز يسرائيل" (أرض إسرائيل بالعبرية)، وهكذا نلاحظ أن الموسوعة في جملة واحدة تكرر أرض إسرائيل ثلاث مرات بترادف وتكرار!

وبناء على ما سبق يتضح أن التعريفات التي قدمتها الموسوعتان الفرنسية والبريطانية، تُغّيب على نحو مقصود الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، الأمر الذي يؤكد خضوع أكبر الموسوعات الغربية للرؤية الصهيونية والقيام بدعاية لها.

وفي هذا الجانب يقول المفكر الراحل د. عبد الوهاب المسيري: إن مصطلح "صهيونية" نفسه لم يكن قد تم سكه، إلا بعد تبلور الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، ومع تبلور الفكر المعادي لليهود في الغرب. وبعد المؤتمر الصهيوني الأول (1897) في بازل، تحدد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج أو مشروع "بازل" الذي لم يتحقق إلا من داخل مشروع استعماري غربي، وهذه هي الصهيونية السياسية، وهناك وجوه متعددة للصهيونية: (صهيونية دينية / ثقافية / صهيونية اشتراكية/ صهيونية مركبة/ صهيونية نظرية / صهيونية عملية / صهيونية مسيحية / صهيونية إسلامية.. فالصهيونية ليست أيديولوجية محددة، وكل هذه الأنواع من الصهيونية أو "الأيديولوجية" مرتبطة بالمصالح الرأسمالية الحديثة أو الاستعمار ثم الإمبريالية ثم العولمة).

تبلورت الفكرة الصهيونية السياسية المعاصرة التي ظهرت في القرن التاسع عشر في كتاب ثيودور هرتزل "دولة اليهود" الذي ظهر عام 1896 ودعا فيه إلى قيام دولة لليهود في الأرجنتين أو أوغندا أو أي مكان آخر دون أن ينطلق من الرؤية التوراتية الدينية التي ترى في اغتصاب فلسطين ضرورة لما يسمى بعودة "الماشيح"، إلا أن قيام هرتزل بعد عقد المؤتمر الأول العام 1897 في بازل – سويسرا وافق على ان تكون فلسطين هي "أرض دولة اليهود" وبالتالي عزز دوره باعتباره المؤسس الحقيقي للحركة الصهيونية فكراً وممارسة.  

(3) الدولة الصهيونية جزء من المشروع الإمبريالي:

حقائق التاريخ تؤكد على انقطاع الصلة بين فلسطين واليهود منذ عام 135 ميلادية، ما يعني أن ما يسمى بـ "العودة اليهودية" إلى بلادنا فلسطين، ليست عودة توراتية أو تلمودية دينية، وإنما هي "عودة" إلى فلسطين خططت لها ووفرت مقوماتها بريطانيا والولايات المتحدة، عبر دعمهما للحركة الصهيونية التي استطاع روادها انضاج العامل الذاتي "اليهودي" الذي توفرت لديه كافة عناصر الدافعية وآليات العمل والتنظيم لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية، في مقابل ضعف وهشاشة العامل الذاتي، على الصعيدين الفلسطيني والعربي آنذاك (وما زال على حاله حتى اللحظة) الذي اقتصر في رفضه لوعد بلفور والحركة الصهيونية على شعارات عامة عجزت عن تأطير نفسها ضمن عمل وطني منظم وممأسس... بل أن بعضها- خاصة حكام الأردن والسعودية - لم يتورع عن تقديم الدعم المباشر وغير المباشر للحركة الصهيونية وفق أوامر سيدهم البريطاني آنذاك... كما هو حال معظم أنظمة العرب اليوم التي باتت أكثر تطبيعا وخضوعا واستتباعا وعمالة لسيدها الأمريكي كما هو واقع الحال في ضوء زيارة الرئيس بايدن للشرق الأوسط تحقيقا لهدف وحيد هو: تكريس التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، بما يعني تكريس مركزية وسيادة وهيمنة الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي أكثر. لذا يجب الانطلاق من رؤية إستراتيجية تقوم على أن الدولة الصهيونية هي جزء من المشروع الإمبريالي، وليست كما يزعم البعض أنها "وجدت لتبقى" أو أنها "دولة اليهود" أو "أرضاً للميعاد" فهذه كلها كذبة كبرى استخدمت غطاء لأهداف النظام الرأسمالي، الأمر الذي تثبته وتؤكد عليه حقائق الصراع مع دولة العدو الإسرائيلي المعنية بالإسهام في الهيمنة على الوطن العربي كونها دولة أنشئت لتحقق وظيفة محددة في خدمة رأس المال الامبريالي، ما يعني بوعي وبوضوح التأكيد على إنهاء المشروع الصهيوني، عبر هزيمة المشروع الإمبريالي في الوطن العربي من ناحية والتأكيد على ضرورة التغيير في الوضع العربي لإنهاء النظم التابعة كلها من ناحية ثانية، انطلاقا من أن المعركة مع المشروع الامبريالي/ الصهيوني هي في صميم معركة القوى الديمقراطية الثورية الفلسطينية والعربية عموماً وقوى اليسار الماركسي خصوصاً، في مجابهة النظام الرأسمالي، ما يحتم على هذه القوى أن تبدأ جدياً في عملية إعادة البناء الذاتي – الحزب- فكرياً وتنظيمياً وسياسياً، بما يمكنها من لعب دورها المستقبلي الفعال، في مجابهة وإزالة الوجود الإمبريالي والصهيوني، حيث يقع عليها عبء إعادة النظر في الرؤية والممارسة، وتنظيم قدرات الشعب الفلسطيني والجماهير الشعبية العربية في إطار عملية البناء الحزبي في كل قطر من أقطارها بما يخلق المقومات المطلوبة لتحقيق الاهداف الوطنية والقومية التحررية والمجتمعية التقدمية والديمقراطية .

(4) "العودة" اليهودية إلى فلسطين ظاهرة استعمارية استيطانية إحلالية، وليست عودة توراتية:

مفكرنا الراحل د. جمال حمدان، في كتابه "اليهود أنثروبولوجيا"، يقول فيه إن "العودة" اليهودية إلى فلسطين ظاهره استعمارية استيطانية إحلاليه، وليست عودة توراتية أو تلمودية أو دينية وإنما هي "عودة" إلى فلسطين بالاغتصاب وهو غزو وعدوان غرباء لا عودة أبناء قدامى، إنه استعمار لا شبهة فيه بالمعنى العلمي الصارم، يشكل جسماً غريباً دخيلاً مفروضاً على الوجود العربي، غير قابل للامتصاص.. فهم ليسوا عنصراً جنسياً في أي معنى بل جماع ومتحف حي لكل أخلاط الأجناس في العالم .

إن اليهود اليوم إنما هم أقارب الأوروبيين والأمريكيين، بل هم في الأعم الأغلب بعض وجزء منهم وشريحة، لحماً ودماً، وإن اختلف الدين، ومن هنا اليهود في أوروبا وأمريكا وروسيا ليسوا كما يدعون غرباء أو أجانب دخلاء يعيشون في المنفى وتحت رحمة أصحاب البيت، وإنما هم من صميم أصحاب البيت نسلاً وسلالة، لا يفرقهم عنهم سوى الدين.

وانطلاقا من هذا، لا يمكن الاقرار بأن اليهود يمثلون قومية أو شعباً أو أمة، بل هم مجرد طائفة دينية تتألف من أخلاط من كل الشعوب والقوميات والأمم والأجناس، فما الذي يجمع بين الإفريقي من أثيوبيا أو المصري أو اليمني أو الهولندي والأمريكي والروسي والصيني والبولندي والإنجليزي والفرنسي سوى الدين التوراتي؟ إنها دولة بلا مستقبل لا تعيش إلا بدواعي القوة والعنف وضعف العرب وتفككهم.

(5) اليهود ليسوا شعبا وليسوا أمة:

أشير إلى أن "هوية دولة إسرائيل" المرتبطة بمفهوم "الشعب" أو "الأمة اليهودية" ستظل هوية مزيفة، مضطربة غير قادرة على إثبات وجودها بصورة علمية أو موضوعية أو تاريخية كجزء من نسيج المنطقة العربية، وبالتالي لا يمكن تكريس هذه الهوية إلا بدواعي القوة الإكراهية الغاشمة المستندة إلى دعم القوى الإمبريالية، فإسرائيل ستظل "كياناً استعمارياً غاصباً وعنصرياً غريباً مرفوضاً في المنطقة العربية من ناحية وستظل الحركة الصهيونية عاجزة عن الحديث عن "أمة" يهودية بالمعنى الموضوعي أو العلمي، كما هو الحال بالنسبة للحديث عن "امة إسلامية أو مسيحية أو بوذية" من ناحية ثانية، ما يعني أن هذه "الدولة" لا تعدو كونها مجتمع عسكري يضم أجناساً متباينة روسية وبولندية وأوكرانية وأوروبية وآسيوية وعربية وأفريقية، كل منها له ثقافته وتراثه المختلف عن الآخر، وجدوا في الفرصة التي أتاحتها الرأسمالية العالمية لهم بالذهاب إلى فلسطين واستيطانها بذريعة "العودة إلى أرض الميعاد" مخرجاً لهم من أزماتهم أو مدخلاً لتحقيق مصالحهم الطبقية، إذ انه بدون تشجيع ودعم رأس المال الأوروبي عموماً والبريطاني خصوصاً لما كان من الممكن أن تتقدم الحركة الصهيونية خطوة واحدة إلى الأمام، ما يؤكد على أن التقدم الاقتصادي والعسكري الذي أحرزته دولة العدو الإسرائيلي لم يكن ممكناً دون الدعم المتواصل حتى اللحظة من القوى الإمبريالية والبرجوازية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

فاليهودية ليست ولا يمكن أن تكون قومية بأي مفهوم سياسي سليم كما يعرف كل عالم سياسي، ورغم أن اليهود ليسوا عنصراً جنسياً في أي معنى ، بل “متحف” حي لكل أخلاط الأجناس في العالم كما يدرك كل أنثروبولوجي، فإن فرضهم لأنفسهم كأمة مزعومة مدعية في دولة مصطنعة مقتطعة يجعل منهم ومن الصهيونية حركة عنصرية أساساً هدفها الاغتصاب والقتل وممارسة كل اشكال الارهاب وتلك هي وظيفتها في خدمة المصالح الامبريالية... فالعنصرية الصهيونية - كما يقول البروفيسور اليهودي الأمريكي نورمان فينكل ستاين وهو من أبرز المناهضين للحركة الصهيونية- "إن الفلسفة العنصرية  الصهيونية قد غرست في أعماق العقل الباطن الإسرائيلي العنصري كراهية لا ترويها الدماء، فلا فرق لدى العنصري أن كانت الدماء المسفوكة لأطفال أو لنساء حوامل أو كبارا في السن" ....

 وفي هذا الجانب، لا بد من التأكيد على أن أحوال الضعف والتخلف السائدة في بلدان الوطن العربي، بسبب هيمنة القوى الرجعية شبه الإقطاعية والبرجوازية على قيادة الحركة الوطنية منذ أوائل القرن العشرين، ساعدت في خلق الظروف الملائمة لنجاح الاستعمار في دعم وتطوير الحركة الصهيونية وإقامة مستوطناتها ومؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية تمهيداً لاغتصاب فلسطين وإعلان "دولة إسرائيل" في 15 أيار 1948، التي لم يتم الاعتراف بها من الجمعية العامة للأمم المتحدة إلا بشرط اعتراف حكومة بن جوريون ووزير خارجيته موشي شيرتوك وتعهدهما تنفيذ كل من قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29/نوفمبر/1947 وقرار (194) (11/12/1949) الخاص بحق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، لكن الدولة الصهيونية، بعد حصولها على اعتراف الأمم المتحدة بها، سرعان ما تراجعت عن تعهداتها، بمثل ما تراجعت ورفضت فيما بعد كافة قرارات الشرعية الدولية ومواثيقها منذ عام 1948 إلى يومنا هذا، مروراً برفضها تطبيق اتفاق أوسلو سيء الذكر وكافة الاتفاقات اللاحقة، على الرغم من إجحاف كل هذه القرارات والاتفاقات بحقوق الشعب الفلسطيني، إلى جانب رفضها لما يسمى ب "المبادرة العربية"، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي السابق ترامب الاعتراف ب القدس عاصمة للكيان الصهيوني.

وفي مثل هذه العلاقة الأمريكية الصهيونية منذ مؤتمر بلتيمور الذي عقد في التاسع من أيار/1942 في فندق بلتيمور في نيويورك، وهو المؤتمر الأخطر الذي تقرر فيه تنفيذ الوعد البلفوري، وهو الأهم للحركة الصهيونية – كما يقول نواف الزرو – "إذ شكل نقطة تحول تاريخية في علاقات الحركة الدولية؛ فتحول مركزها من لندن إلى واشنطن، وأصبحت الولايات المتحدة الحاضنة الاستعمارية للمشروع الصهيوني بدلًا من بريطانيا"، ومنذ ذلك التاريخ تسارع تطور الكيان الصهيوني اقتصاديا وعسكريا وصولا إلى لحظة الهزيمة الكبرى في الخامس من حزيران 1967 التي فجرت النزعات اليمينية الصهيونية بشقيها العلماني والديني، وها نحن اليوم في ضوء التطبيع العربي باتت الدولة الصهيونية أحد أهم القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط الى جانب ايران و تركيا ، وأصبحت البلدان العربية مجرد أرقام لا قيمة لها في العلاقات الدولية، علاوة على استعدادها لتمرير الصفقات والمخططات الامبريالية/الصهيونية الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وإهمال كافة قرارات الشرعية الدولية المرتبطة بحقوق شعبنا الوطنية والتاريخية، يؤكد على ذلك الصمت الجبان لمعظم حكام العرب عموما ولحكام الخليج والسعودية الذين وافقوا صاغرين على مطالب الرئيس بايدن بالنسبة للنفط وللعلاقة مع الكيان الصهيوني.

(6) في تاريخية وشعار الدولة اليهودية والتحالف الأمريكي الصهيوني:

إن تاريخية هذا الشعار، تعود إلى نشأة الحركة الصهيونية كحركة سياسية أرادت تحويل اليهود إلى "أمة" لها دولة، استجابة للأهداف الإمبريالية التوسعية في المشرق العربي، على الرغم من حقائق التطور التاريخي وعلم الاجتماع الحديث والمعاصر، التي تؤكد رفضها منطق اعتبار الدين عاملاً أساسياً في تكوين الأمم، فاليهودية ديانة يمكن أن يعتنقها العربي، والإنجليزي والفرنسي والألماني والأمريكي والصيني والياباني والأفريقي والهندي... إلخ، دون أن يعني ذلك أن هؤلاء الذين اعتنقوا اليهودية يمكن أن يشكلوا أمة واحدة، لكن استمرار ضعف وتراجع حركة التحرر الفلسطينية والعربية، والهزائم التي لحقت بها، أفسح المجال واسعاً أمام مقتضيات التوسع الرأسمالي، لكي يتجاوز هذه الحقائق، ويتذرع بالأسطورة التوراتية الغيبية التي تتحدث عن ما يسمى بـ"أرض الميعاد"، أو أي مسمى أسطوري أو ديني أخر لو لم تكن "التوراة"، وكما قال "بالمرستون" رئيس وزراء بريطانيا في تلك المرحلة، "لو لم تكن الحركة الصهيونية لخلقنا حركة صهيونية في خدمة مصالح بريطانيا"، وبانحسار الدور الاستعماري البريطاني، وبروز الدور الإمبريالي الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية، تعاملت الولايات المتحدة مع الحركة الصهيونية ودولتها ضمن رؤية موحدة وتبادلية حريصة على تكريس المصالح الإمبريالية من ناحية واستخدام كافة الوسائل والأساليب العدوانية الكفيلة بعرقلة تطلعات الشعوب العربية نحو التطور والنهوض والوحدة.

 إن تعريف الدولة الصهيونية بأنها «دولة يهودية وديموقراطية» يعني، بحسب القراءة الإسرائيلية والأمريكية، "دولة قومية لليهود لكن بنظام ديموقراطي". أما دولة ديموقراطية فحسب فتعني لا يهوداً ولا عرباً، بل مواطنين، أناس، بشر، لهم حقوق متساوية، وهذا ما ترفضه ذهنية المجتمع الإسرائيلي عموماً وقوى اليمين المتطرف خصوصاً بشقيه العلماني والديني .لهذا نلاحظ توحد اليمين الصهيوني المتطرف العلمانيين والسلفيين المتطرفين (الحريديم) ليطالبوا بدولة يهودية ديموقراطية لليهود، انعكاساً لعقلية القوه والغطرسة الصهيونية، بدعم صريح من الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي سيؤدي إلى أشكال جديدة من الصراع مع الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية عموماً، ومع أبناء شعبنا في الأرض المحتلة 1948 خصوصاً، وذلك ارتباطاً بوعيهم لمخاطر الاعتراف بـ"يهودية إسرائيل" التي تفوق بسلبيتها ما لا يمكن قياسه من الآثار السياسية المباشرة. وعلى سبيل المثال :

 1- يجعل قيام دولة "إسرائيل" أمراً مشروعاً وأخلاقياً؛ وهذا شأن خطير جداً لأنه يعني ان الفلسطينيين والعرب يعترفون بشرعيتها التاريخية، ما يجعل المقاومة الفلسطينية منذ ما قبل قيام "إسرائيل" عام 1948 وبعد قيامها، أمراً غير مشروع وغير أخلاقي، بل عملا إرهابيا من وجهة نظر التحالف الإمبريالي الصهيوني وتوابعه في بلادنا!!

2- يفرض هذا الاعتراف على فلسطينيي 1948 قسم الولاء عنوة للدولة اليهودية.

3- يفرض على أي "نائب" عربي منتخب، الولاء لا للدولة وقوانينها باعتباره مواطناً، بل الولاء للرموز الدينية أو القومية للدولة اليهودية كالعلم والشعار والنشيد..!

 وبالتالي فإن تكريس دولة العدو نفسها فعليا كدولة "يهودية"، هو تعبير واضح عن روح الجوهر الإمبريالي الصهيوني العنصري المسيطر على "المجتمع" الإسرائيلي لتحقيق أهداف التحالف الامبريالي الصهيوني في ظل هذه الحالة غير المسبوقة من الضعف والخضوع العربي الرسمي، ومن أبرز هذه الأهداف: استكمال تزييف التاريخ الفلسطيني، وتديين الصراع من جديد، بحيث يتم الاحتماء بشعار "مكافحة العنف والإرهاب" للقضاء على ما بقي من مقاومة فلسطينية، وأيضا للتخلص -ولو التدريجي- من عبء الوجود الفلسطيني داخل ما يسمى بـ"الخط الأخضر"، والتمسك بالقدس "موحدة للأبد" تحت سيادة "إسرائيل"، وضم أكبر كتلة ممكنة من أراضي الضفة الغربية، بحيث يكون للفلسطينيين فقط ما يشبه الحكم الذاتي على ما يتبقى من الأرض، تحت مسمى " دولة قابلة للحياة"، أو تقاسم وظيفي إسرائيلي فلسطيني أردني، فيما تكون السيطرة والسيادة الفعلية لـ"إسرائيل" ما بين نهر الأردن والبحر، وبحيث يتم كذلك الفصل والانعزال عن الفلسطينيين تجنبا لخوض الصراع الديموغرافي المستقبلي، إن داخل "إسرائيل"، أو على أرض فلسطين التاريخية كلها، الأمر الذي يفرض مواصلة مسيرة النضال من أجل استنهاض قوى حركة التحرر العربية وخروجها من أزماتها صوب استعادة دورها في النضال السياسي والكفاحي والديمقراطي، من أجل توفير كل أسس الصمود والمقاومة في فلسطين ومن أجل تجاوز أنظمة الاستبداد والتبعية والتخلف وتصفية التحالف البورجوازي الكومبرادوري – البيروقراطي، لتحقيق انتقال مقاليد القيادة إلى "الطبقات" والشرائح الاجتماعية الكادحة الأكثر جذرية القادرة وحدها على توفير عناصر ومقومات القوة الاقتصادية والعسكرية القادرة على هزيمة إسرائيل وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية.

المسألة اليهودية والصراع العربي الصهيوني:

 في سياق الصراع التناحري مع العدو الصهيوني، يجب الانطلاق من رؤية إستراتيجية تقوم على أن الدولة الصهيونية هي جزء من المشروع الامبريالي، وليست كما يزعم البعض أنها "دولة اليهود" او "أرضاً للميعاد" فهذه كلها كذبة كبرى استخدمت غطاء لأهداف النظام الرأسمالي، الأمر الذي تثبته وتؤكد عليه حقائق الصراع مع دولة العدو الإسرائيلي المعنية بالإسهام في الهيمنة على الوطن العربي كونها دولة أنشئت لتحقق وظيفة محددة في خدمة رأس المال الامبريالي، ما يعني بوعي وبوضوح التأكيد على إنهاء المشروع الصهيوني، عبر هزيمة المشروع الامبريالي في الوطن العربي من ناحية والتأكيد على ضرورة التغيير في الوضع العربي لإنهاء النظم التابعة كلها من ناحية ثانية، انطلاقا من أن المعركة مع المشروع الامبريالي/ الصهيوني هي في صميم معركة القوى الثورية التقدمية العربية ضد النظام الرأسمالي، ما يفرض عليها أن تبدأ جدياً في عملية اعادة البناء الذاتي – الحزب- فكرياً وتنظيمياً وسياسياً، بما يمكنها من لعب دورها المستقبلي الفعال، حيث يقع عليها عبء إعادة النظر في الرؤية والممارسة، إلى جانب إسهامها في دعم قدرات شعبنا الفلسطيني، في إطار علاقة متلاحمة مع كل القوى اليسارية والتقدمية الديمقراطية العربية في إطار الأممي الإنساني الأشمل.

(7) تأجج الصراع وإنضاج ومأسسة فكرة المقاومة:

 إن تأجج الصراع واستمراره في سياق التناقض الرئيسي المباشر مع العدو الصهيوني في مدن وقرى الضفة الفلسطينية عموماً وفي جنين و بيت لحم وطولكرم والقدس خصوصا، في اشتعال النضال ضد المحتل الصهيوني ليس أمراً طارئاً، فهو في شكله وجوهره، تجسيد لإرادة شعبنا، من أجل استعادة الحق المغتصب، ونفي وازالة المبرر الوظيفي للدولة الصهيونية الذي جاء تجسيداً لمصالح النظام الإمبريالي الرأسمالي في بلادنا، وبالتالي فإن الصراع مع هذا العدو لا بد له من أن يتواصل حتى تتحقق إرادة شعبنا وشعوبنا العربية وأحد أهم أهدافها، إنهاء الكيان الصهيوني وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية وهذا يعني:

أولاً: إن أية اتفاقيات لا تقوم وتهدف إلى تجسيد الحقوق الوطنية التاريخية كاملة وبصورة مباشرة وملموسة وواضحة، لا تصمد طويلاً، بل تتحول طال الوقت أم قصر إلى بذرة حرب وصراع متجدد بين أطرافها إلى أن تتم عملية الحسم.

 ثانياً: لقد بات واضحاً لنا جميعاً، في كل أرجاء هذا الوطن العربي، في ظل نظام العولمة الأمريكي الراهن، وبمساندته ودعمه وتحالفه الكامل غير المشروط لإسرائيل، إن العدو الصهيوني يسعى إلى الحصول على شرعية الوضع القائم أو شرعية المحتل الغاصب بديلاً لكل شرعية، سواء تلك المستندة إلى حقوقنا الوطنية والتاريخية أو تلك المستندة إلى قرارات الشرعية الدولية، لذا لا بد من الوعي المعمق بفكرة المقاومة ومنطلقاتها الوطنية والقومية ومأسستها وبلورتها عبر صيغة وطنية وحدوية نقيضة للانقسام الراهن كشرط أساسي لتفعيل المقاومة وإثبات جدواها، ومن ثم تحقيق أهدافها التحررية عبر مقاتل فلسطيني، يدرك بوعي أنه يقاوم لكي يمارس حقه المشروع  من أجل حقوقه التاريخية، وهو بالتالي ليس إرهابيا على الإطلاق وإنما هو مناضل ثوري يمارس حقه في المقاومة الذي كفلته قرارات الشرعية الدولية.

فالفلسطيني وهو يقاوم يسعى إلى الحرية والانعتاق لكي يشعر بالاطمئنان ولكي تنتهي إلى الأبد صفة الضحية التي لازمته حتى اللحظة بسبب المغتصب والقاتل الصهيوني الذي يحاول القضاء على كل آماله في الحرية والحياة... فمن هو إذن الإرهابي؟ هل الذي يناضل من أجل حريته واستقلاله وحياته الكريمة الآمنة؟ أم ذلك العدو الصهيوني الذي اغتصب فلسطين بدواعي مصالح الرأسمالية العالمية دون أي مسوغ أو حق تاريخي فيها على الإطلاق، ويمعن في تكريس هذا الاغتصاب برفضه القبول بقرارات الشرعية الدولية رغم أن الضحية قد أكرهت على قبول تلك القرارات، في ظل متغيرات وأوضاع دولية وعربية عززت النزعة التوسعية الصهيونية، وأدت إلى هذا الاختلال العميق في ميزان القوى لصالح العدو الإسرائيلي، الذي استمر في ضم الأراضي الفلسطينية وتجزئتها وتحويلها إلى كانتونات تحاصر الشعب الفلسطيني، من أجل تحقيق هدفه في إذلال شعبنا وفرض الاستسلام عليه، عبر صور من الإرهاب الصهيوني – أكثر انحطاطاً من كل أشكال الإرهاب النازي والعنصري في التاريخ الحديث، الأمر الذي فرض على شعبنا أن يتصدى لهذا الإرهاب الصهيوني بكل أشكال المقاومة كحق وواجب وطني، ما يجعل من المقاومة الفلسطينية، من أجل الحرية والعودة هي النقيض الحقيقي للإرهاب الصهيوني.

(8) حتما ستنتصر إرادة شعوب وطننا العربي:

إن ما ترتبه الإمبريالية والصهيونية للمنطقة عموماً ولقضيتنا الوطنية الفلسطينية، ليس قدراً لا يرد، حتى في ظل النجاحات والانجازات النوعية والكبيرة التي حققها العدو الصهيوني/الامبريالي في مرحلة الانحطاط الراهن، فهذا الواقع لن يكون أبدياً ونهائياً، وبهذا المعنى فإن الحركة الثورية الوطنية والقومية وبالاستناد إلى طبيعة المشاريع المعادية وتناقضها الجذري مع حقوق ومصالح شعبنا وأمتنا العربية، قادرة عبر قواها الوطنية التقدمية على الفعل والمجابهة وبما يؤسس لمرحلة نهوض جديدة أكثر نضجاً وأكثر استجابة لحركة الواقع الموضوعية والذاتية وطنياً وقومياً.

إن المرحلة تتطلب عقول وسواعد الجميع، كما تتطلب الإرادة والتصميم على استمرار الكفاح ومواصلة العمل لنقل مشروعنا الوطني التاريخي إلى مستوى التحقيق المادي الملموس، هذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها، وهو الأمر الذي يفرض الربط بكلية الوضع العربي، أي بالنضال العربي ككل، شرط أن يكون النضال الفلسطيني في طليعته، انطلاقاً من أن الصراع هو صراع الطبقات الشعبية في الوطن العربي ضد السيطرة الإمبريالية بما فيها الدولة الصهيونية كونها أداة في مصلحة الشركات الاحتكارية الإمبريالية.

 إن اللحظة الراهنة من المشهد العربي - على الرغم من تفاقم  مظاهر الانحطاط والتبعية   - تؤكد على أن الإمبريالية الأمريكية وصنيعتها وحليفتها الحركة الصهيونية و "إسرائيل"، لم تنجحا في نزع إرادة شعوب الوطن العربي، في مسارها وتطور حركة جماهيرها الشعبية وتطلعها نحو التحرر والديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية، وبالتالي فإن هذه اللحظة تمثل المشهد الآخر –النقيض- الذي يقول أن المطلوب أمريكياً إسرائيلياً لم ولن يمتلك صفة الديمومة والاستمرار، لأنه لن يستطيع –مهما تبدت مظاهر الخلل في موازين القوة الراهنة- ترويض و إخضاع شعوب هذه الأمة، التي صنعت ماضي وحاضر هذه المنطقة، وليست جسماً غريباً طارئاً فيها، ولذلك فإن سكونها الراهن المؤقت هو شكل من أشكال الحركة في داخلها، يقاوم كل محاولات تطويع إرادتها، تمهيداً للمشهد القادم، بعيداً عن السكون، مشهد الجماهير المنظمة، أو مشهد ما بعد سقوط أنظمة التبعية والتخلف والاستبداد، الذي سيعيد لهذه الأمة دورها الأصيل في صياغة مستقبل هذه المنطقة.

في ضوء ذلك يصبح الحديث عن السلام مع هذه الدولة العنصرية نوعا من الوهم أو نوعا من الخضوع والاستسلام... وبالتالي لا مفر من أن نؤكد أن مشاعل الحرية والعودة التي أضاءها شهداء شعبنا ومناضليه من أبناء الفقراء والكادحين لن تنطفئ ولن تتوقف فلا خيار أمامنا سوى استمرار النضال الوطني التحرري المقاوم والديمقراطي... ففلسطين ليست يهودية... ولن تكن إلا وطناً حراً مستقلاً، في مجتمع عربي حر وديمقراطي موحد... وكل ذلك يحتم النهوض بالمشروع اليساري الثوري بعد إخفاق اليمين الوطني والديني... وبدون ذلك النهوض اليساري سيبقى الخيار المحتوم هو الخيار بين النكبة والاستسلام .