كانت حربُ 1967 بالنسبةِ للعدوِّ الإسرائيليِّ فاصلةً في تاريخٍ مديدٍ من الصراع، لم تكن تتويجًا لمرحلةٍ فحسب، بل فاتحةٌ لأخرى؛ بدأتْ مع منجزاتِ هزيمةِ (حزيران) يونيو التي وضعت الصراعَ برمّتِهِ عندَ نقطةٍ جديدةٍ كليًّا؛ هي غيرُ تلك التي كان عليها قبلَ وقوعِها؛ بمعنى أنَّ وضعَ الفريقِ المُعادي أصبحَ بالإجمالِ فريقًا أفضلَ بما لا يقاسُ عمّا كانَ عليهِ سنةَ 1967. وبالمقابل، فإنّ وضعَ "الفريقِ" العربيِّ أصبح أسوأَ قياسًا بما كان عليهِ قبلَ وقوعِ الهزيمة. لم تكن مترتّباتُ الهزيمةِ معنويّة، بل ماديّة. ما يجبُ أنّ نضعَهُ نصبَ أعينِنا أنَّ العدوَّ سواءً قبلَ أو بعدَ الهزيمة؛ تعاملَ وتصرّفَ وكأنّهُ فريقٌ متكاملٌ يسعى نحو أهدافِهِ وَفْقَ استراتيجيّةٍ شاملةٍ بعيدةِ المدى، تعرفُ هدفَها جيّدًا، وتستندُ إلى ميزانِ قوًى مريح.
قضايا وطنيّةٌ في مواجهةِ القضيّةِ القوميّة
صحيحٌ أنّ الهزيمةَ لم تكسرْ إرادةَ المقاومةِ لدى الشارعِ العربيِّ الذي كان حينها في أقصى درجاتِ الاستنفار، وشعارُهُ الناظم "حنحارب"... كما أنّ الفلسطينيّينَ يقاومون ويبدأون، في حدودِ قدراتهم؛ قتالَ إسرائيل. مصر وسوريا تؤسّسان من الصفر – تقريبًا - عمليّةَ إعادةِ بناءٍ أتتْ ثمارُها في حربِ أكتوبر 1973؛ هذا صحيحٌ، لكنّهُ لم يكن كلَّ شيء. إنَّ قراءةً متأنّيةً للمسائلِ تشيرُ إلى أنّ شيئًا نوعيًّا آخرَ كان يحدثُ في العمق؛ نتيجةً لما انتهت إليه حرب 67، واحتلال إسرائيل لأراضٍ مصريةٍ وسوريّة، فضلًا عمّا تبقّى من أراضٍ فلسطينيّة. عني ذلك – ويعني - أنّنا أصبحنا أمامَ قضيّةٍ مصريّةٍ وطنيّةٍ خاصّةٍ، وقضيّةٍ سوريّةٍ وطنيّةٍ خاصّة، فضلًا عن قضيّةٍ فلسطينيّةٍ جديدةٍ أضيفت للقديمة.
أسّست النتائجُ الماديّةُ والمعنويّةُ لحرب (حزيران) يونيو، ونشوء قضايا وطنيّةٍ خاصّةٍ لكلٍّ من: مصر وسوريا إلى جانب قضيّتهما القوميّة: فلسطين؛ لشرخٍ عميقٍ في الضميرِ السياسيّ العربيّ بعدَ 1948، الذي طالما تمحورَ حولَ شعارِ تحريرِ فلسطين. جنبًا إلى جنبٍ مع هذا، بدأ تداول شعار إزالة آثار العدوان؛ ليحتلَّ مساحةً متزايدةً طغت على الشعارِ الأوّلِ الذي اقتصر مع الأيّام على الفلسطينيّين وحدَهم. لا يغيّر من واقعِ الأمرِ شيئًا وجودُ أمثلةٍ أو حالات تعاكس ذلك، ولكنّ الجهدَ الأساسيّ والرسميّ لكلٍّ من: مصر وسوريا؛ بدأ ينصبُّ ويعبِّئُ حولَ شعار: إزالةِ آثارِ العدوان.
ما تقدّمَ ليسَ إلا فاتحةَ تحوّلٍ سياسيٍّ عميقٍ في الذهنيّةِ العربيّة، حيث بدأَ التعاطي عبرَ مواقف؛ والحديثُ من خلال لغةٍ تناسبُ واقعِ الحال المُستَجَدّ، بَدْءًا من قَبُولِ القرار 242، واعتماد السياسة/الدبلوماسيّة والمفاوضات غير المباشرة، وانتهاءً بتعميمِ أو تعويمِ الحديثِ عن الأراضي المحتلّةِ التي أصبحت تحملُ مضمونًا ومعنًى ملتبسًا أو مزدوجًا، حيث يومًا بعدَ يومٍ كان يزولُ الالتباسُ ويتحدّدُ بدقّةٍ أكبرَ؛ معنى الأراضي المحتلّة التي لم يعد من خلافٍ رسميٍّ على أنّها الأراضي المحتلّة سنةَ 1967. وأكثرُ من ذلك، فإنّ حيّزًا واسعًا من الحديثِ دارَ حولَ سؤالٍ: هل أنّ كلَّ الأراضي المحتلّة عامَ 1967، هي المقصودة؟ أم أنَّ أراضيَ محتلّةً سنةَ 1967 فقط هي موضعُ الخلاف، ومن ثَمَّ الانسحاب المطلوب؟
على ماذا كنّا نقاتلُ قبل 1967؟
بدرجةٍ أقلّ، سحبت الحالةُ آنفةُ الذكرِ نفسَها على الوضعِ الفلسطينيّ الذي كان من الطبيعيّ أن يتأثّر بالمستجدّ، وخصوصًا لناحيةِ تفاوتِ مكانةِ الأراضي الفلسطينيّةِ المحتلّة 1967، عن مكانةِ الأراضي المحتلّة سنةَ 1948، في الجدلِ والعمليّةِ السياسيّةِ التي بدأت انطلاقًا من نتائج حرب 1967، هذهِ الحالةُ الفلسطينيّةُ كما العربيّة، كانت تزدادُ بروزًا تبعًا لتقدّمِ مزيدٍ من محفّزاتِ البروزِ وتوفّرِه، وعناصرِ تنشيطِ التفاوتِ محلِّ الحديث، سواءً بالعام؛ أي بين مصالح الفلسطينيّين، ومصالح "الفريق" العربيّ، أو بين مصالح فلسطينيّي 1948، ومصالح فلسطينيّي 1967.
يمكنُ الإشارةُ إلى عددٍ كبيرٍ من المحفّزاتِ وراءَ الشرخِ الذي حدث، لكن مصدرُ هذهِ جميعًا وأساسها الماديّ كان الحقيقةَ التي رسمتها هزيمةُ (حزيران) يونيو على الأرض من ناحيةٍ، وتفاوت الفرص المتاحة أمامَ إمكانيّةِ تحريرِ هذهِ الأرضِ المحتلّةِ واستعادتِها من ناحيةٍ أخرى. فوق هذا وذاك؛ حجمُ الثمنِ وطبيعتُهُ؛ الواجبِ دفعُهُ من قِبَلِ كلِّ طرفٍ يريدُ استعادةَ الأرضِ المحتلّة.
من البديهيّ أن يكونَ مفهومًا في حالٍ كهذِه، أنّ الكلفةَ المصريّةَ أو السوريّةَ لتحريرِ أراضيهما المحتلّة، مختلفةٌ بالكامل عن الكلفةِ المطلوبةِ لتحريرهما، ومعهما كاملُ الأرضِ الفلسطينيّة. لا شكّ أنّ فرصةَ تحريرِ الأراضي الفلسطينيّةِ المحتلّةِ سنةَ 1967، كانت "أعلى" من فرصةِ تحريرِ أراضي عامَ 1948.
أسّسَ ما تقدّمَ للشرخِ محلّ الحديث، ولكن هذا لا يعني أنّه لم يكن موجودًا قبلَ ذلكَ بكثير؛ يعودُ ذلك إلى وجودِ نسبةٍ وأخرى من الرأي العام المصريّ والسوريّ، تعارضَ لسببٍ أو آخر، تحملُ تبعاتِ قضايا أخرى خارجيّةٍ وأعباءَها، في حين تعجزُ مصر أو سوريا عن حلّ قضاياهما الملحّة؛ الداخليّةِ في البداية، والخارجيّةِ في مرحلةٍ ثانية. تلك النسبةُ كانت على تزايد، واستقطبت قطاعاتٍ أخرى تتراوحُ بين من لا يرى – من حيث المبدأ - ضرورةَ الارتباطِ بأيّ قضيّةٍ خارجيّةٍ بما في ذلك القوميّة، ومن كان لديهِ تقديرٌ وحسابٌ لحقيقةِ أوضاعِهِ وطاقتِهِ على التحمّل؛ واستطرادًا لحصرِ جهدِهِ ومطالباتِهِ في حدودِ طاقتِه، وعليهِ كانَ يبرزُ باستمرارِ تحفيزِ نزعاتِ الانفصال، التي أخذت اندفاعةً كبيرةً جدًّا مع وصولِ الرئيس أنور الساداتِ للسلطة، وأصبحت سياسةً رسميّةً للدولةِ المصريّة.
ما سبقَ لم يكن إلا جزءًا من سياسةٍ أشملَ وأوسع، ليس على المستوى المصريّ وحسب، بل على المستوى العربيّ أيضًا، حيث تكّونت أرضيّتانِ سياسيّتان مختلفتان نوعيًّا؛ محورُ الأولى: الأرضُ المحتلّةُ سنةَ 1967، ويقفُ عليها أساسًا "الفريقُ" العربيّ. ومحورُ الثانية: فلسطين؛ الأرضُ المحتلّةُ سنةَ 1948، التي بقيت صلبَ المشروعِ السياسيّ الفلسطينيّ المعلن آنذاك. إنّ أيةَ استثناءات؛ رسميّةٍ عربيّةٍ أو فلسطينيّة لا تنفي أو تغيّر حقيقةَ وجودِ أرضيّتينِ سياسيتيّنِ مختلفتيّنِ كليًّا؛ إن عاجلًا أم آجلًا، كان لا بدَّ لإحداهما أن تتكيّف والأخرى، وهذهِ مسألةٌ كانت رهنَ تطوّرِ درجةِ عددٍ من العناصرِ المقرّرة؛ متفاوتة القوّة. واستطرادًا؛ قدرتُها على فرضِ منطقِها وأرضيّتِها السياسيّة.
لقد أتت تَجرِبةُ ما بعدَ حرب 1967، لتؤكّدَ - لكن بالمقلوب - بديهيةً تاريخيّةً هي استحالةُ وضعِ الشأنِ الفلسطينيّ خارجَ إطارِهِ وعمقِهِ العربيّ والتأثيرِ الحاسمِ والمتبادلِ بينهما؛ يصحُّ هذا الاستنتاجُ حتّى مع تزايدِ النزوعِ الفلسطينيّ للانفصالِ عن العرب، التي لم تكن في الجوهرِ إلا تعبيرًا عن حالةٍ عربيّةٍ رسّختها هزيمةُ (حزيران) يونيو، وأصبحت تشملُ حتّى القاعدة التقليديّة العربيّة التي طالما ارتكزت عليها القضيّة الفلسطينيّة.
المفارقةُ التي تستحقُّ التأمّلَ والتمحيصَ والفحصَ والتروّيَ؛ أنّه ترافقَ مع النزوعِ الفلسطينيّ للانفصالِ عن العرب، الالتحاق بالموقف السياسيّ الرسميّ العربيّ بعد أن بدأ سقفُهُ بالهبوط، والحصيلة نزوع للانفصال عن العرب لا عن موقفِهِم السياسيّ المُستجدّ...! إنّ قدرًا من التأمّلِ والتمحيصِ والفحصِ والتروّي يُظهر وحدةً في الجوهر، إذ لم يكن النزوعُ الفلسطينيّ للانفصالِ إلا تماهيًا في العمقِ مع حالةٍ عربيّةٍ محدّدةٍ كان يمثّلُها نظامُ سايكس بيكو مقابلَ حالةٍ عربيّةٍ ثانيةٍ كان يمثّلُها "المشروعُ" القوميُّ ودعاتُهُ من فلسطينيّين وعرب، وكانت تقومُ على تماهي القضيّتين؛ القوميّة العربيّة، والوطنيّة الفلسطينيّة. لذا، جرى في حينه بذلُ جهودٍ كبيرةٍ جدًّا لإزالةِ الصاعقِ الفلسطينيّ من الحياةِ السياسيّةِ العربيّة، وإفقادِ دعاةِ القوميّةِ والوحدة ورقتهم الفلسطينيّة. لقد انصبَّ جلُّ الجهد على ضربِ تماهي القضيّتين؛ القوميّة والوطنيّة، وشارك في ذلك أطرافٌ عديدون، لا يجمعُ بينها إلا الهدف. وبالمعنى المشارِ إليهِ كانَ النزوعُ الفلسطينيُّ للانفصالِ تماهيًا مع حالةٍ عربيّةٍ انعزاليّة، تكمنُ مصلحتُها في مزيدٍ من الفصلِ؛ ردًّا واعيًا على الحالةِ الداعيةِ للوحدة. إنّ ما حدث لم يكن إلا شكلًا من أشكالِ التكيّفِ مع وضعٍ قائمٍ يدعو لقضيّةٍ فلسطينيّة، ولا مانعَ من نضالٍ فلسطينيٍّ وحركةٍ سياسيّةٍ فلسطينيّة، لكن خارجَ وبمعزلٍ عن أيّ قضيّةٍ أخرى؛ قوميّةً كانت أم غيرَ قوميّة.
لقد كانت المعادلةُ السابقةُ واضحة؛ فحين تعزلُ نفسَكَ بنفسِكَ عن البيئة/الحاضنة الطبيعيّة التي لا تحميك فحسب، بل تؤمّن لك سبل الحياة والاستمراريّة، وفي المقابلِ تتوفّر لك بيئةً مشجّعةً على الانعزال، وتتعاطى معها، وهذا ما حدث بالفعل، يصبحُ من السهل حصارُ أيّ حالةٍ فلسطينيّةٍ في مرحلةٍ أولى، ثمّ ضربها وتصفيتها في مرحلةٍ تاليةٍ، وهو ما كان في أيلول 1970، وفي أيلول 1982، وفي أيلول 1993.. فما سرُّ المصادفةِ بين أن تكون مجمل هزائمنا الفلسطينيّة بعد انطلاق ما تعارفنا عليه (بالثورة المعاصرة) في أيلول؟ وعليه، هل كان أقصرُ الطرقِ - فلسطينيًّا - اختصارُ الأهداف وتقزيمُها؟
لقد أدرك العدوُّ قبلَ غيرِهِ حقيقةَ الأوراقِ التي أصبحت بين يديهِ بعدَ 1967، وبنى على كلّ ما تلاها من تواريخ/هزائم عربيّةٍ وفلسطينيّة، في تعظيمِ أرباحِهِ التي فاقت ما كان يتوقّعُهُ العدوُّ ذاته، عندما تمَّ التخلّي من قبل القيادة الرسميّةِ الفلسطينيّةِ عن الأراضي المحتلّة سنةَ 1948، كليًّا، وهبط سقفُها السياسيُّ لما هو دون الأراضي المحتلّة عام 1967.
ملاحظةٌ أخيرة: إنّ الحقيقةَ التي لا خلافَ حولها أنّه ما كان لتجربةِ فيتنام أن تكون على ما كانت عليه لولا الصينُ أساسًا، وبدرجةٍ أقلّ؛ الاتّحادُ السوفييتي في حينه؛ تلك حقيقةٌ حفظَ الجميعُ مَثلُهَا، ولذا فإنَّ خيرَ وسيلةٍ لإجهاضِ أيّ فيتنام هو ضربُ الصين أوّلًا. لقد أخطأنا، إذا أحسنتُ النيّةَ طبعًا؛ حين توهّمنا إمكانيّةَ وجودِ فيتنام دون صين، ولكن العدوَّ لم يقع في خطأ كهذا، وكان اتّجاهُ ضربتِهِ الرئيسيّةِ دائمًا الصين العربيّة، حتّى لا نصلَ إلى هانوي العربيّة...!

