Menu

تونس بين التَطويع والتطبيع

حاتم استانبولي

طالما اُعتبرت تونس عقدة شمال إفريقيا تربط بين شرقها وغربها، حيث حظيت بأهمية بالغة بالنسبة للسياسة الغربية. دائما ما كان يحكم تونس توازن دقيق بين الموقف الشعبي وبين الموقف الرسمي منذ العهد البورقيبي، وكانت تونس مكانًا للتسويات العربية الرسمية، حيث نُقل إليها مقر الجامعة العربية عندما وقع النظام السادات معاهدة كامب ديفيد، هذه المعاهدة التي قوبلت بموقف رسمي وشعبي عربي رافض لها واعتبرتها القوى الشعبية التونسية خطرا سيفتح الأبواب أمام التمدد الصهيوني في المنطقة العربية عبر البوابة المصرية.

الموقف الرسمي العربي كان في الظاهر موحدًا، لكنه في الجوهر منقسما بين من كان مجبرًا على أخذ موقف من كامب ديفيد، والآخر كان يعبر عن موقف مبدئي، لكنه لم يستثمر في الموقف الشعبي للضغط من أجل إسقاط اتفاقية كامب ديفيد، بما فيها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي كان تنظيمها المسيطر على القرار الفلسطيني مختلفا على كيفية مواجهة اتفاقية كامب ديفيد، خاصة أن رئيس المنظمة كان حاضرا في مجلس الشعب المصري عندما أعلن الرئيس السادات عن زيارته للكنيست الإسرائيلية. فلقد أربك هذا الحضور قيادة المنظمة والفصائل التي أعلنت في اجتماع لقيادتها في بيروت عن رفضها الشديد للإعلان باعتباره طعنة للشعب الفلسطيني وتم في الاجتماع طرح التساؤلات عن موقف رئيس المنظمة الذي كان حاضرًا.

تونس كانت هي نقطة لقاء وافتراق النظام العربي الرسمي، لكنها كانت دائمًا موقع شعبي حصين يدافع عن قضايا التحرر العربي تحت عنوانين رئيسيين القضية الفلسطينية وحرية المرأة العربية التي كانت تونس دائمًا تتقدم المجتمعات العربية في الهامش النسبي لِتحرر المرأة.

في ١٠ من ديسمبر ٢٠١٠، اجتمعت كل المعطيات في تونس للتغيير الديمقراطي والتي أجبرت الرئيس بن علي على الهرب، حيث اختلفت الآراء حول الموقف من "الربيع العربي"، لكن هناك خيط لحقيقة واحدة كانت تجمع خصائص الانتفاضات العربية عنوانه: غياب تام للعدالة الاجتماعية والقانونية التي تضمن حرية التعبير والمشاركة وغياب أدوات البديل الديمقراطي الناضج.

الجماهير التونسية التي خرجت إلى الشوارع كانت ترفع شعارات اجتماعية وسياسية واقتصادية عادلة، وكل المؤشرات كانت توحي أن تونس كانت مؤهلة للتغيير الديمقراطي قبيل سقوط نظام بن علي، تحت ضغط الجماهير التونسية التي سرعان ما تم الانقضاض على إنجازها الديمقراطي الشعبي من خلال تحويل شعارات التحرر الوطني والاجتماعي والاقتصادي إلى شعارات دينية، تقوض الأهداف الجوهرية التي رفعها المواطن التونسي، بعنوان: الحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية، من أجل إعادة تموضع تونس سياسيًا في الجبهة المعادية التي تستثمر موقع تونس للضغط السياسي غربًا وشرقًا.

واستحضرت الأدوات الرجعية التي تستخدم الدين كواجهة للاستثمار السياسي من أجل تغيير عنوان الصراع من صراع على تحقيق العدالة الاجتماعية الإنسانية إلى صراع لتحقيق العدالة الإلهية، وهذا بدوره أدخل المجتمع التونسي في صراع داخلي، تم فيه إعادة توجيه النقمة الشعبية من نقمة على سلوكيات النظام السياسي المتحكم في مفاصل الدولة إلى نقمة على الدولة.

المدقق في المشهد التونسي يلاحظ أن هنالك خيط رفيع يربط بين مجريات أحداثها منذ ١٠ من ديسمبر ٢٠١٠، يوضح بأن سارية سفينتها كانت توجه برياح تدفعها إلى اعادة تموضعها، كما حدث لِسفينه التغيير المصرية، في حين الفارق أن المؤسسة العسكرية في مصر، كانت الناظم لرياح إعادة التموضع، في حين أن تونس لا تملك المؤسسة العسكرية هذا الدور لأسباب تتعلق بمستوى الوعي السياسي العام في تونس ودور القوى والشخصيات الوطنية التي سعت القوى الظلامية لإرهابِها عبر اغتيال بعض قادتها (شكري بلعيد ومحمد البراهمي) الّذين كانوا مدركين لأولويات مرحلة ما بعد العاشر من ديسمبر ٢٠١٠.

لقد صمد الاتحاد العام التونسي للشغل أمام التحديات والضغوط ومحاولات الاستثمار في مواقفه لتمرير سياسات إعادة إنتاج نظام حكم الفرد، لكن من الواضح أن التجربة التونسية والصراع الدائر بين محاورها أكثر نضجًا من مثيلاتها العربيات، لِعاملين: مستوى الوعي العام التونسي الذي يعبر عنه الاتحاد العام التونسي للشغل والقوى الديمقراطية وتميز دور المرأة التونسية، هذان العاملان يلعبان دورًا هامًا في تحديد بوصلة التجربة السياسية.

بعد فشل دور الإسلام السياسي في تونس تجري محاولات لإعادة إنتاج التجربة المصرية، بفارق عدم اجتثاث دور الحركة الدينية السياسي، لإبقائها في المشهد السياسي لضرورات مستقبلية، هذه المحاولات تأخذ بعين الاعتبار خصوصية مستوى الوعي التونسي وتريد تمريرها بنعومة تحت مظلة الديمقراطية والصراخ بإطلاق شعارات وطنية وقومية عامة، اعتاد المواطن التونسي والعربي على سماعها قبيل تقديم التنازلات.

المشترك في المنطقة العربية أن هناك تداخل بل تزاوج بين النظام السياسي وبين الدولة، تُوظف فيه امكانيات الدولة لخدمة الفئة المتحكمة بالنظام السياسي الذي يتجلى بأشكال مختلفة منها العائلي أو الحزبي أو الفردي أو العشائري القبلي، هذا التداخل الذي أربك المواطن وأطلق مفهومًا: أن النضال من أجل العدالة الاجتماعية والسياسية، يتطلب تحطيم الدولة، وليس النظام القائم الذي مارس هذا القمع بأشكاله وتعبيراته المختلفة والمدعوم من قبل مراكز القرار الرأسمال التي لها مصلحة في استمرار حالة الفوضى أو الديكتاتورية، هذه المراكز التي استخدمت أدوات ثنائية: الديكتاتورية والفوضى، لإغلاق الباب أمام التطور الطبيعي للمجتمعات العربية، فهي من ناحية، دعمت الديكتاتوريات على مر السنين ومن ناحية أدخلت تعديلات على سياساتها، عندما أدركت أن مستوى الوعي العام بدأ يدرك دورها، فلجأت إلى تأسيس مراكز وجمعيات تحت عنوان تطوير أدوات العمل المدني وكل هذا تم بموافقة النظم القائمة، وهذه الأدوات كان لها دور في سيادة الفوضى السياسية والإعلامية والفكرية القائمة التي استخدمت فيها عناوين الحرية والعدالة والمشاركة بالإضافة، لمفهوم الثورة لتعميق الفوضى العامة، من خلال إفراغها من مفاهيمها، ولعبت القوى الخارجية دورًا فاعلًا في تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية، عبر عامل تشجيع الأنظمة على إضعاف القوى الوطنية ومحاربتها داخليًا وابقاء النظم السياسية، تحت ضغط خيار التبعية، من خلال محاربة أية جهود وأفكار التكامل الاقتصادي الإقليمي واستثمرت في زرع الخلافات بين الدول والمجتمعات.

مفهوم تحطيم الدولة بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي وأبرز مظاهره كانت محاولات إسقاط مؤسسة الدولة في الجزائر، والنجاح في تحطيمها في العراق، ومحاصرتها وتفتيتها في ليبيا ، وتمزيقها في اليمن، وتقسيمها في سوريا، وإعادة إنتاجها في مصر، وإفراغ المحتوى الوطني التحرري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإدخال تغييرات تجميلية في البعض الآخر المُتبقي الذي يراعي العلاقة التاريخية مع واشنطن وإسرائيل. لكن المشترك بين أحداث ما أطلق على تسميته الربيع العربي نجاح الرياح الغربية في امتصاص النقمة العامة وتحويلها من نقمة على سياساتها الداعمة لِلنظم الفردية إلى نقمة على مؤسسات الدولة التي لم يُكْتَمَلْ بناؤها ووضعت المواطن العربي بين خيار الفوضى الرجعية أو إعادة إنتاج حكم الفرد، فمؤسسات النظام المالي الدولي (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) على سبيل المثال لا الحصر، وضعت شروط إعلان وترسيخ العلاقة مع إسرائيل معيارًا شرطيًا طوعيًا، من أجل دعم تمويله، حيث دفعت لتشكيل أدوات تطبيعية، سياسية جمعية إقليمية، لدمج إسرائيل في المنظومة السياسية والاقتصادية والأمنية، يلعب فيه محور منتدى النقب السداسي، دورًا رئيسيًا في محاولات تطويع وتركيع الموقف التونسي، لتضييق الخناق على الجزائر، لإسقاط دورها أو احتواءه بالحد الأدنى، والضغط باتجاه ليبيا، لدمجها في منظومة التطبيع مع إسرائيل. إن الضغط المالي والاقتصادي على المواطن التونسي، يستخدم كمدخل من أجل التَطويع والتطبيع، هذه الوصفة التي استخدمت في العديد من التجارب السابقة والقائمة. فتونس تمر بمرحلة مخاض عسيرة تتصارع فيها القوى لإعادة بناء الدولة التونسية بين مفهوم حكم الفرد وبين مفهوم بناء الدولة، على قاعدة فصل الدولة عن النظام السياسي المتغير الذي سيعكس في كل مرحلة توازن القوى الاجتماعي ومتغيراته السياسية.

بين الدولة كعامل ثابت والنظام كعامل متغير، يجب أن يحسم التونسيون خيارهم لصالح مفهوم فصل الدولة عن النظام، من خلال تعميق الجوهر القانوني للحرية والعدالة والمشاركة كناظم للدولة والتزام النظام السياسي في ترجمة هذا الجوهر القانوني هو معيار صلاحيته. الفصل بين الدولة والنظام السياسي هو ما على التجربة التونسية أن تنتجه كعلامة فارقة في النظام السياسي الرسمي العربي.

على القوى الرئيسية الفاعلة في التجربة التونسية، وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل: أن يعمل على عدم تحويل تونس إلى موقع للتآمر على الجزائر ودورها الوطني في منظومة العمل العربي الرسمي، وكذلك مجابهة الشروط المجحفة السياسية التَطبيعية والاقتصادية من أجل إقراض تونس من قبل المؤسسات المالية الغربية، يمكن أن يواجه بالعمل على تحويل شعار التكامل الاقتصادي والسياسي في الموارد الاقتصادية والبشرية المنتجة وتوزيعها بين دول شمال إفريقيا إلى واقع، ليوقف سلسلة الضغوط ومراكمة الديون على كاهل المواطن، فهذا هو المدخل الذي يعطي حلولًا وطنية محلية بدلًا من وساطات الرياح الغربية التي تسعى لإبقاء حالة الفوضى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سَتُبْقي الأبواب مشرعة للتغلغل الصهيوني في الشمال الإفريقي.