"الاستبدادُ أصلُ كلِّ فساد". قولٌ قديمٌ ما تزالُ فاعليّتُهُ تشتغلُ على أرضِ الواقع، وهو قولٌ مرادفٌ لآخر: "السلطةُ المطلقةُ مفسدةٌ مطلقة"، حيثُ تفعلُ السّلطةُ فعلتَها التي تنتجُ الفقرَ والمرضَ والبطالةَ والتخلّف.
عربيًّا، تشيرُ كلُّ التقاريرِ الدوليّةِ إلى أنّ أغلبَ الدولِ العربيّةِ تواجهُ أزماتٍ كبرى تستعصي على الحلّ، وتصل حدًّا يسمّى "الدولة الفاشلة"، غير القادرة على إطعام مواطنيها؛ بسببِ تمركز السلطة في أيدي فئةٍ محدودةٍ تطبق على مفاصلِ النظامِ السياسيّ وتشعّباته.
استحضر الكاتبُ عمر أوكان، مؤلّف كتاب "النصّ والسّلطة" حوارًا غير متكافئ بين حمل وذئب، يعبّرُ عن حالةِ الغرورِ التي تتأصّلُ لدى من يتأثّر بالسلطة:
"الحمل: من يضرب الباب؟
الذئب: أنا
الحمل: من أنا هذا؟
الذئب: أنا طبعًا! من تريدُ أن يكون غيري!".
هكذا كان الذئبُ مزهوًّا بقوّتِهِ ويقينِهِ من الإطباق على الحمل الذي لا حول له ولا قوّة سوى أن يغلقَ الباب، وينتظر مصيره المحتوم بين أنياب الذئب.
لكن عبد الرحمن الكواكبي يقدّم تعريفاتٍ عدّة للاستبداد، الواحد منها يرفدُ الآخر؛ فهو، أي الاستبداد في "لغة غرورِ المرءِ برأيهِ والأنفةِ عن قَبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي، وفي الحقوق المشتركة"، وهو أيضًا "صفة للحكومة المطلقة العنان فعلًا أو حكمًا التي تتصرّف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقّقين". ويمضي الكواكبي في توصيفاتِهِ للسلطةِ الأمنيّةِ المطلقةِ بالقول في كتابه "طبائع الاستبداد" أنّه "أعظمُ بلاءٍ؛ لأنّه وباءٌ دائمٌ بالفتن، وجدب مستمر بتعطيل الأعمال (يعني طارد للاستثمارات)، وحريق متواصل بالسلب والغصب (يعني بالفساد عنوة)، وسيل جارف للعمران، وخوف يقطع القلوب (إثارة الرعب والخوف بالقبضة الأمنية حتى التبول اللارادي)، وظلام يعمي الأبصار، وألم لا يفترّ، وصائل لا يرحم، وقصّة سوء لا تنتهي".
هذا الاستبداد يُعبَّر عنه في جوهر الدولة الأمنيّة التي تقود، بطبيعة الحال، إلى الدولة الفاشلة التي نتابع تساقطها واحدةً تلو الأخرى في مشهدٍ مأساويٍّ قلّ نظيره. الاستبدادُ هو أيضًا سمّةٌ عامّةٌ للدولة الأمنيّة الباطشة غير الواثقة من مواطنيها والمتوجّسة منهم، التي تبثُّ الخوفَ والرعبَ في صفوفهم وتنذرهم بالويل والثبور، إن هم تحرّكوا لتغيير الواقع القائم أو قالوا غير القول السائد. ويرى الطيب تزيني أنّ مبدأ الدولة الأمنيّة يقوم على أنّه "على الجميع أن يُفسد الجميع حتّى لا تبقى فئةٌ تكوّن الحاملَ الاجتماعيَّ لعمليّةِ التغيير». وإذا كانت الحكومةُ في الدولة الأمنيّة تمارس إجراءاتٍ قمعيّةٍ صارمةٍ ضدّ المجتمع تتحكّم من خلالها في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة للشعب، فإنّ هذا الفعل تتحمّلُ مسؤوليّتَهُ الجهاتُ التي قامت به.
تشيرُ الاحصائيّاتُ إلى تراجع المنطقة العربيّة في مؤشّر مدركات الفساد إلى مستويات لا يمكن استمرارها دون تداعياتٍ خطيرةٍ على الاقتصاديّات الوطنيّة، ومن ثَمَّ على الاستقرار الاجتماعيّ والسلم الأهلي والوصول إلى انهياراتٍ شاملة؛ تتحوّلُ فيه الدولة الأمنيّة التي تسيّطر على السياسة والاقتصاد والاجتماع وكلّ شيء.. تتحوّل إلى دولةٍ فاشلةٍ غيرِ قادرةٍ على مواجهة التحدّيات المجتمعيّة الجدّيّة، بل تنزع إلى الانقلاب على القوانين والتشريعات التي سنّتها هي دون رأي المواطن حتّى تصل إلى الانقلاب على أبو القوانين، الدستور الذي وضعته هي أيضًا بإرادات منفردة أو باستفتاءات باهتة لا تعبّر عن حقيقة الموقف الشعبي.
أغلبُ الدول العربيّة انزلقت إلى ذيل قائمة مدركات الفساد العالميّة، ونظرة سريعة على التقارير الدولية خلال السنوات العشر الماضية؛ نجد أن منحنى الفساد في تصاعدٍ يقابلُهُ انهيارات اقتصاديّة وماليّة غير مسبوقة. ففي لبنان، مثلًا، تفاجأ المواطنُ أنّه أصبحَ يملكُ عُشرَ ما كان يودعه من مالٍ في البنوك بعد أن انهار سعر صرف الليرة من 1500 ليرة للدولار الأمريكي الواحد إلى 32 ألف ليرة للدولار، وتردّت المرافقُ العامةُ أكثرَ ممّا هي عليه من تردٍّ بسبب الفساد والمحاصصات التي أدّت إلى هذه النتائج الوخيمة؛ دون أن يتمّ تقديم المتسبّبين في هذا الانهيار إلى العدالة، ودون تمكّن الدولة من إيقاف مسلسل الانهيارات الاقتصاديّة والماليّة.
يقفُ مع لبنان في ذيلِ القائمةِ الدوليّة لمؤشّرات مدركات الفساد عشر دول عربيّة على الأقل، وهي الدول غير النفطيّة، التي لا تتمتّعُ بموارد طبيعيّة، هذا لا يعني أن الدول النفطيّة والغنيّة بمواردها مستثناة من قائمة الفساد وتردي الواقع الاقتصادي والمعيشي، بل على العكس؛ فكثير من هذه الدول يعاني مواطنوها من البطالة والفقر والعوز والمرض.
وفي مجال البطالة، يحتاج الوطن العربي إلى 5 ملايين فرصةِ عملٍ جديدة سنويًّا؛ لتتمكّن دولُهُ من الحفاظ على ما هو قائمٌ وعدم الانزلاق إلى مواقعَ أكثرَ سوءًا، حيث تبلغ نسبة البطالة نحو 20 بالمئة في بلدان الوطن العربي مقابل 6 بالمئة على المستوى العالمي، ما يعدّ من أخطر الأزمات، ومع ذلك لا توليها الدول العربيّة، بما فيها تلك التي تعتمد على العمالة الوافدة، الاهتمام المطلوب، كما تغيب الاتفاقيّات وعمليّات التنسيق بين البلدان العربيّة في مجال العمالة حتى أصبح 50 مليون عربيّ يقف في طوابير البطالة في العام الماضي، بينما تعقد صفقات التسلّح بقلبٍ جامدٍ على حساب فرص العمل الجديدة لتصل البطالة بين الشباب العربي نسبة تتجداوز 26 بالمئة، أي أضعاف المعدّل العالميّ، وهذا يعني مزيدًا من الفقر والإفقار وانزياح فئات جديدة إلى خط الفقر والعوز؛ ما يضيفُ عواملَ جديدةً على التوتّر الاجتماعيّ، الموجود أصلًا، حيثُ تفعلُ غيرُ المساواة، وغياب التوزيع العادل للثروة فعلتهما، وعندما اجتاحت كورونا العالم واندلعت الحرب الروسيّة – الأوكرانية؛ زاد الطين بلّةً، وتراجعت المداخيلُ الفرديّةُ والعامّة، واستثمرت مافيات الفساد المتغلغلة في مفاصل الدول العربيّة، وزادت من الاستدانة الداخليّة والخارجيّة؛ لتصلَ إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقة، حيث بلغت 1.3 تريليون دولار لأعلى عشر دولٍ عربيّة، وهي كالآتي حسب صندوق النقد الدولي:
بلغت الديون الحكوميّة على مصر 409.5 مليارات دولار، ثمّ السعوديّة 250.7 مليار دولار، فالإمارات 158.9 مليار دولار، تليها الجزائر بـ 109.6 مليارات دولار، بعدها العراق خامسًا بـ 104.1 مليارات دولار، ثمّ المغرب بديونٍ تتجاوز 102.6 مليار دولار، فلبنان في المرتبةِ السابعةِ بقرابة 99.8 مليار دولار، والسودان ثامنًا بـ 89.4 مليار دولار، ثمّ البحرين بدينٍ قدره 51.5 مليار دولار، وحلّت سلطنة عمان في المركز العاشر 48.5 مليار دولار. وفوق الديون الحكوميّة تأتي فوائد هذه الديون لتلتهم نسبة كبيرة من الموازنات العامة، وأصبحت تشكّل عائقًا أمام عمليّة التنمية المستدامة الغائبة أصلًا من قواميس البرامج الاقتصاديّة العربيّة. ربّما يفسّر هذا التدهور في مستوى المعيشة واستشراء الفقر، وإقدام الشباب العربيّ على ركوب البحر في قوارب الموت للهروب من جحيم بلدانهم الطاردة للحياة. هذهِ المعطياتُ تنذرُ باستحضار الانهيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة في العديد من البلدان العربيّة، ومنها لبنان، كما تستحضر حالة سيريلانكا التي أعلن رئيس وزرائها قبل أسبوعٍ عن الانهيار الاقتصاديّ لاقتصاد بلاده.
إنّ أغلبَ الشواهدِ والمعطياتِ تؤكّدُ على أنّ دولًا عربيّةً كبرى تسيرُ على طريق الانهيار؛ نظرًا لغياب الاستراتيجيّات وتركّز الثروة في أيدي فئةٍ قليلةٍ متنفّذة؛ تمسك بالثروة والسلطة وتواجه المجتمع بسياسات الليبرالية المتوحشة التي لا تقرأ انعكاسات البرامج الاقتصادية الأحادية الجانب إلا على الورق؛ دون النزول للشارع لمعرفة هول الكوارث التي سببتها تلك السياسات. هنا يكمنُ سرّ الفجوة بين الفقراء المنتشرين على مساحة الوطن العربي وبين المترفين ومحدثي النعمة الذين يملكون أغلب الثروات والسلطات، وأمام كل ذلك لم يعد للدولة الأمنية سوى المزيد من مصادرة ما تبقى من هوامش في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وتحويل كلّ السلطات إلى خدمٍ لها بما فيها السلطة التشريعيّة.
إذن، تتحمّل الدولة الأمنيّة مآلات الأوضاع التي بلغتها البلدان العربيّة خلال العقود الماضية، بما فيها مستويات الفقر المتفاقمة وتهديد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعيّ؛ فالدولة الأمنيّة في البلدان العربيّة مصابةٌ بالعمى السياسي، وترى الأمن من زاويةٍ ضيّقةٍ جدًّا وليس أمنا للجميع ويشمل الأمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والمعيشي واطمئنان المواطن على مستقبل أبنائه، بعد أن يؤمّن لهم حاضرًا يليقُ بالبشر ويحترم حقوق الإنسان المهدورة بهراوات الدولة الأمنيّة وعسسها؛ فضلًا عن تحمّلها حالات التشويه الكبيرة، ومصادرة صلاحيّات السلطات التشريعيّة والقضائيّة وتركيزها في السلطة التنفيذيّة، تديرها وتوجّهها وَفْقَ الرّغبات، ما ينذر بأوضاعٍ كارثيّةٍ أكثرَ بؤسًا يستشري في كلّ المفاصل إن لم تتغير المعطيات القائمة إلى ما يحقّق الحدّ الأدنى على الأقلّ من احترام حقوق الإنسان وإعادة الاعتبار للناس والتعامل معهم على أنّهم بشرٌ يستحقّون الحياةَ في بلدان هذهِ الأمّةِ المنكوبة.

