Menu

أهمية إحياء المناسبات بما نستخلصه من دروس وعبر

صلاح صلاح

نشر في مجلة الهدف العدد (72) (1546)

بمناسبة ذكرى النكبة التي يجري إحياؤها العام السابع والسبعين. وهي إحدى أهم أربع مناسبات كنا نحرص على إحيائها في بداية تكويننا السياسي في إطار حركة القوميين العرب (سايكس بيكو، وعد بلفور، قرار التقسيم، يوم النكبة) في تلك المرحلة نتذكر الاهتمام الذي كنا نعطيه لهذه المناسبات، والجهد الذي كنا نبذله لإحيائها مع التأكيد على أن الهدف الأساسي من ذلك هو لاستخلاص الدروس والعبر والمضي قدماً، لا نرضخ للأمر الواقع بكل ما يفضح من تواطؤ ومؤامرات، ولا نستسلم للهزيمة بكل ما تحمله من إحباط ويأس. واثقين من أن جيلاً جديداً يجب أن يتشكل يحمل الراية ويستمر.

واليوم بعد سبعة وسبعين عاماً ماذا أستخلص:

أولاً: في تلك المرحلة التي قلما يتطرق لها الباحثون والمحللون تشكل جيل ما بعد النكبة الذي حقق الكثير من الإنجازات ذات المضامين الإستراتيجية، أهمها:

أ- التصدي لكل الآثار السلبية للنكبة، خاصة النفسية والمعنوية؛ الشعب مهزوم ومحبط، يفقد كل شيء: الأرض، الوطن، الذكريات، التاريخ، قبور الآباء والأجداد، بحاجة لمن يحميه من الانهيار والاستسلام واليأس. جيل ما بعد النكبة الشاب في مطلع العمر قام بهذه المهمة، بإمكانيات وأساليب متواضعة، بإحياء المناسبات والمهرجانات الكشفية والرياضية، بالحفلات والعروض الفنية، بالبيانات والمنشورات..... إلخ

ب- بعد النكبة جرت محاولات جادة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية لاختصار قضية فلسطين باعتبارها قضية لاجئين يعانون البؤس والشقاء والحرمان، فبدأت تطرح المشاريع الواحد تلو الآخر تحت عناوين التوطين والتهجير والتجنيس.

وكل مشروع من هذه المشاريع كان يستوجب الصلح مع العدو الإسرائيلي، من أفشل هذه المشاريع التي كانت تُرصد لها ميزانيات هائلة، وتقدمها وتروّج لها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي في أوج قوتها؟ بالتأكيد ليس الأنظمة العربية، لا أبالغ القول بأن هذا الجيل جيل ما بعد النكبة يستند إلى بعض الأحزاب الناشطة في الوسط الفلسطيني في تلك الفترة، خاصة حركة القوميين العرب، هو الذي أفشل تلك المشاريع التي ما زالت تتكرر حتى اليوم، وتحاول بعض القوى توليد موجات لجوء جديدة كما يجري في غزة والضفة، للدخول بمرحلة مساومات جديدة.

ج- هذا الجيل، جيل ما بعد النكبة هو الذي أسس لإيجاد منظمة التحرير الفلسطينية ولاحقاً لانطلاق الثورة الفلسطينية. هذا الحراك الشعبي الفلسطيني خاصة في المخيمات كان له صدى وتأثير ونتائج، وكانت تتنافس الأحزاب على قيادته والتي ظهرت مؤشراته في اتحادين الطلاب والعمال.

فأتى تشكيل م. ت. ف. استجابة لمطلب شعبي يعززه الحراك الشعبي في المخيمات وأطر العمل النقابي والشعبي التي كانت تتشكل بمبادرات ذاتية.

في نفس السياق يمكن القول بأن الثورة الشعبية المسلحة لا يقررها مجموعة أشخاص في غرفة سرية، بل حصيلة تراكم لنضال جماهيري، وفعل سياسي وإعلامي يتقاطع فيه العامل الذاتي الذي يمثله الحراك المتواصل والنشاط المتراكم لجيل ما بعد النكبة مع تداعيات الظرف الموضوعي بدءاً بفشل مشاريع الصلح وصولاً إلى هزيمة الأنظمة العربية بنكسة ٦٧ لتفسح الطريق أمام انطلاق الثورة التي كانت كل قياداتها وكوادرها ومقاتليها من جيل ما بعد النكبة.

قد تبرز أسماء بعض القيادات، وتلعب بعض الأحزاب أو التنظيمات دوراً مميزاً لكن ليس من حق أحد فرداً أو جماعة، شخصاً أو تنظيماً الادعاء بأن هذه ثورته أو تلك انتفاضته. ما قام به جيل ما بعد النكبة هو استمرار لما قام به جيل ما قبل النكبة الذي عانى من قمع الانتداب البريطاني وثقل وجوده البغيض. هو الذي أفشل مهمة الانتداب البريطاني، لإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين" رغم كل الجرائم التي ارتكبها على مدار ٣٠ عاماً، فاضطر إلى سحب قواته واللجوء إلى الأمم المتحدة. ونفس هذا الجيل (جيل ما قبل النكبة) هو الذي فرض على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد النظر بقرار التقسيم الذي بذلت جهوداً لإقراره. وكاد هذا الجيل أن ينجح بالدفاع عن وطنه وإقامة دولته المستقلة لولا تواطؤ الأنظمة العربية، وتخاذل جيوشها المهزومة.

ثانياً:

الحركة الصهيونية لم تخف أهدافها منذ البداية؛ لا تقتصر على اغتصاب فلسطين فقط وإنما تتعداها لإقامة دولة تمتد من الفرات إلى النيل، ولم يترك القادة الصهاينة فرصة منذ ما قبل إعلان قيام دولة "إسرائيل" وما بعدها إلا وطرحوا رؤيتهم لدولتهم الموعودة، وكان آخرها الخارطة التي عرضها نتنياهو في الأمم المتحدة. لكن في المقابل لم ينجح القوميون العرب بمفكريهم وسياسييهم ومناضليهم وأحزابهم دحض هذا الادعاء الصهيوني وبلورة البعد القومي للقضية الفلسطينية، على صعيد شعبي، وعلى مستوى الرأي العام، ولم تف جهودهم البعد القومي للقضية الفلسطينية لتبيان حقيقة أن موقف الدعم والإسناد والمشاركة من أي إنسان عربي أو حزب عربي، أو نظام عربي مع أبناء فلسطين ليس فقط لأنهم جزء من الشعب العربي، وليس فقط لأن فلسطين جزء من الوطن العربي، أو لأنها إحدى دول الجامعة العربية، ويتحمل الجميع مسؤولية تحريرها، خاصة الأنظمة العربية لغسل عار التفريط بها والتواطؤ عليها. ليس هذا فقط بل لأن المشروع المعلن عنه جهاراً نهاراً على كل المستويات، والملتزم به في كل المواقع الصهيونية وقيادات دولة الكيان يشكل خطراً على الشعب العربي أفراداً وجماعات، أحزاباً سياسية ودولاً عربية. فكلهم مستهدفون في المشروع الاستعماري الصهيوني الإجلائي، من هنا تأتي أهمية الدعوة لتشكيل الجبهة القومية العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية ليس تعاطفاً مع الفلسطينيين وحرصاً على قضيتهم بل دفاعاً عن أنفسهم وحماية لوطنهم من أن يصبح جزءاً من دولة الكيان الصهيوني. لأن يحافظوا على كرامتهم ويبقوا أعزاء فوق أرضهم حتى لا يتحولوا إلى عبيد ومستضعفين في دولة الكيان الصهيوني.

محور المقاومة، خاصة في لبنان واليمن، يعطينا النموذج الأبرز لأهمية تفجير أكثر من جبهة قتال ضد العدو الإسرائيلي وحجم تأثير ذلك عليه بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، للحد الذي بدأت ترتفع أصوات داخل الكيان تحذر من خطر وجودي يهدد دولة العدو الإسرائيلي.

من هنا يصبح على المثقفين القوميين العرب أصحاب الفكر النير أن يتحملوا مسؤولياتهم بجدية وحماس لإعادة الاعتبار للبعد القومي للصراع مع الكيان الصهيوني وشركائه الإمبرياليين والرجعيين.

ثالثاً:

فشل الرهان على الحلول السلمية؛ لو التزمت القيادات الفلسطينية المتنفذة بما تضمنته كل برامج ومواثيق الحركة الوطنية الفلسطينية، واستوعبت جيداً ما كتبه المحللون والباحثون والمؤرخون حول طبيعة الحركة الصهيونية وأهدافها وديناميكية عملها، ولو استخلصت القيادات الدروس من تجربة مسيرة النضال الفلسطيني منذ أول انتفاضة عام ١٩١٩ مروراً بـ ١٩٢١ و١٩٢٥ وثورة البراق والقسام والثورة الكبرى ١٩٣٦-١٩٣٩ والحرب ١٩٤٧-١٩٤8، لما تجرأت على الدخول في خدعة الحل السياسي.

بكل بساطة وبالمباشر وبإيجاز كيف تجرؤ قيادة ثورة على التنازل عن حقوقها الوطنية والدخول بمساومات مع عدو يغتصب أرضها، عدو له أطماعه الخاصة التي تقوم على نفي وجود الشعب الفلسطيني أصلاً ويدعي بأنه صاحب هذه "الأرض الموعودة"، وأنه يمتلك فائض قوة ذاتية وبدعم من شركاء (النظام الرأسمالي العالمي) الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية بما يمكنه من الهيمنة على كامل المنطقة العربية.

من يدخل في مفاوضات من موقع ذليل ومهزوم مع عدو يشتهر بكل مواصفات الإجرام والوحشية والغدر، وكل مخططاته تقوم على الاستيلاء والسيطرة؟ من يفعل ذلك كالمفاوض الفلسطيني فما الذي يتوقع أن يحصل عليه من هذا العدو غير ما نراه الإذلال والخنوع لاتفاقيات أوسلو؟

أول من يجب أن يقوم بالمراجعة لما آلت إليه اتفاقيات أوسلو هم الإخوة في فتح لأنهم والمنظمة قد انتهى دورهم. لقد أخذ منهم ما يريد ولن يقبل بمرجعية فلسطينية بالنسبة للعدو الإسرائيلي والأمريكي والرجعي للتعامل معها بموجب أوسلو إلا السلطة وأجهزتها الأمنية.

المراجعة تعيد فتح إلى موقعها الفاعل في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية، وتجدد الالتزام بالثوابت الوطنية التي تضمنتها برامجها وميثاق م. ت. ف.، وبهذا تتشكل الأرضية الصالحة والعملية والمطلوبة للوحدة الوطنية والإجماع الوطني الفلسطيني.

نحن بحاجة إلى جيل جديد، جيل ما بعد أوسلو، نموذجه الأبرز ما ولدته مأثرة "طوفان الأقصى" وما أفرزته من بطولات تصل إلى مستوى المعجزات للمقاومين في غزة والضفة، والصمود الأسطوري لأبناء شعبنا في القطاع يتحدون الموت بأي لحظة بأطفالهم ونسائهم ورجالهم المسنين والعجزة. نالوا إعجاب العالم وولدوا حملات تضامنية عالمية غير مسبوقة مع قضيتنا العادلة، تستنكر هذه الإبادة الجماعية التي يقوم بها العدو المتوحش. رغم الآلام والمآسي سنبقى متأكدين واثقين بحتمية الانتصار بالتحرير والعودة إلى فلسطين من بحرها إلى نهرها.

رابعاً:

مررنا بما يكفي من التجارب لنصل إلى قناعة بأن ما تسمى المؤسسات الدولية ليست مكاناً موثوقاً للاحتكام إليها، فهي أوجدتها القوى الاستعمارية لاستخدامها في فرض هيمنتها على القوى المستضعفة في العالم. هي أطر تلجأ إليها الدول العظمى لاستصدار قرارات "دولية" تبرر لها استعمال سطوتها على الشعوب الفقيرة لمزيد من الاستغلال والهيمنة والتسلط.

يستطيع الباحث أن يجد كثيراً من الأمثلة والوقائع التي تثبت أن هذه المؤسسات أداة طيعة بيد القوى الاستعمارية الأكثر قدرة ونفوذاً، لتغطية جرائمها "بالشرعية الدولية."

يكفي في الذكرى السابعة والسبعين أن نستذكر نحن الفلسطينيين تجاربنا مع هذه المؤسسات الدولية، منها؛ بداية مع "عصبة الأمم" التي لم تتخذ قراراً لتنفيذ ما التزمت به حكومة المملكة البريطانية العظمى في مراسلات مكماهون - حسين عام ١٩١٦ بتمكين العرب من ممارسة حقهم في الاستقلال وإقامة دولتهم الواحدة، ولم تستثن منها فلسطين، بل أخذت قراراً "دولياً" عام ١٩٢٢ بتكليف بريطانيا العظمى لتكون دولة انتداب على فلسطين (لماذا؟) حتى تتمكن من تنفيذ ما التزم به وزير خارجيتها بلفور عام ١٩١٧ للحركة الصهيونية بإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين، ولم يكن عدد اليهود يكاد يذكر في فلسطين، ولم تكن نواياهم قد ظهرت لاغتصاب فلسطين.

حاولت قوات الانتداب البريطاني على مدى ثلاثين عاماً تنفيذ ما وعدت به؛ استعملت كل وسائل القمع والإرهاب، وقدمت للحركة الصهيونية كل إمكانيات الدعم والإسناد، لكنها فشلت بسبب المقاومة البطولية للشعب الفلسطيني دفاعاً عن وطنه وتمسكه بأرضه. مما أجبر دولة الانتداب البريطاني أن تقرر الانسحاب من فلسطين واللجوء إلى الهيئة الدولية المستحدثة بعد الحرب العالمية الثانية "الأمم المتحدة" كونها تمثل مرحلة النظام الرأسمالي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي نقل إليها استمرار ودعم ورعاية المشروع الصهيوني؛ فتدخلت بقوة وفرضت قراراً عام ١٩٤٧ لتقسيم فلسطين، ينحاز كلياً لمصلحة الحركة الصهيونية. لم يجد هذا القرار المجحف قبولاً بل مقاومة شديدة من الفلسطينيين والعرب مما اضطر الولايات المتحدة الأمريكية بعد بضعة أشهر أن تعيد النظر في قرار التقسيم رقم ١٨١، لعدم القدرة على تنفيذه، وأعدت مشروعاً بديلاً بوضع فلسطين تحت رعاية دولية، لكن الذي حصل بعد ذلك يستحق أن يفرز له عنوان آخر. يمكن اختصاره بكلمات وبمرارة هو التواطؤ العربي الرسمي الذي أخرج الفلسطينيين من دائرة الصراع ليسهل على الجيوش العربية التي دخلت للدفاع عن فلسطين بقيادة ضابط مخابرات بريطاني (لكونه قائداً للجيش الأردني) ليسهل عليهم تمكين القوات الصهيونية من احتلال مساحة ٧٨ ٪ من أرض فلسطين أي بزيادة ٢٢ ٪ عن قرار التقسيم.

وهنا نأتي مرة أخرى للهيئة الدولية وماذا فعلت لتنفيذ قرارها بالتقسيم، وهل فرضت، بل هل هي على الأقل حاولت لتفرض على الكيان الانسحاب إلى حدود قرار التقسيم؟

حصلت النكبة بعد كل ما سببتها ورافقتها من تآمر وجرائم وتطهير عرقي ومجازر ارتكبتها القوات الصهيونية، سببت تدمير مئات القرى ودفعت مئات الألوف للجوء إلى الدول العربية المجاورة. فتدخلت الأمم المتحدة واتخذت قرار ١٩٤ يقضي بضرورة عودة اللاجئين والتعويض عليهم. ها قد مر سبعة وسبعون عاماً على النكبة، هل تم تنفيذ القرار؟! بل على العكس كانت تجري كل المحاولات بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لإلغاء القرار أو طرح مشاريع بديلة. الأنكى أن قبول "إسرائيل" عضواً في الأمم المتحدة مشروط بموافقتها على الالتزام بالقرارين ١٨١ و١٩٤ والعمل على تنفيذهما. بعد ٧٧ سنة من يحاسب "إسرائيل" على عدم التنفيذ. يوجد العديد من القرارات التي لم تنفذ، وأخرى تعطلها الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تصدر.

هنا أنا لا أناقش مضمون القرارين بالهيئة الدولية التي أصدرتهما، ومدى الجدية في تنفيذهما وصولاً إلى ما نحن عليه اليوم من اتفاقات أوسلو وما الذي بقي منها؟ لا شيء غير التنسيق الأمني، وتحولت السلطة إلى مجلس إدارة للحكم الذاتي، وقضايا المرحلة النهائية يتصرف بها العدو الإسرائيلي من طرف واحد من دون أي اعتبار للطرف الآخر في السلطة.

ولو تجرأت مؤسسات متفرعة عن الأمم المتحدة على اتخاذ قرارات تمس الكيان الصهيوني وتوجه له النقد أو الإدانة لن تجد من ينفذها أو يأخذها على محمل الجد.

إن أحد الاستخلاصات الهامة التي يجب أن نأخذها في حسباننا هو أن الهيئات الدولية ليست مرجعية عادلة ومنصفة في دعمنا للحصول على حقوقنا، لا تجرؤ على مساعدتنا والوقوف بجانبنا بما هو حق لنا في حين لا تتردد في دعم الظلم والإجرام، والسيطرة والاستغلال، وتبرر قوى الاستعمار والاغتصاب في السيطرة على الشعوب لإفقارها ونهب خيراتها.

النموذج الذي نأخذ منه القدوة هو ثورات الشعوب الفقيرة المضطهدة، وكيف استطاعت بإمكانياتها المتواضعة أن تفجر ثورات بوجه قوى عاتية تمتلك كل الإمكانيات، وتنتصر عليها كالجزائر وكوبا وفيتنام رغم الخسائر الباهظة التي دفعتها.

"لا ثورة بلا ثمن ولا انتصار من دون تضحيات".