Menu

قراءة مقارنة بين نتائج جولة بايدن في المنطقة ونتائج زيارة بوتين لطهران

عليان عليان

في خضم الأزمة الأوكرانية، ونجاح القوات الروسية في تحقيق إنجازات تكتيكية إن على صعيد تحرير معظم إقليم الدونباس، وتدمير البنية التحتية العسكرية واللوجستية للقوات الأوكرانية، والتمدد التدريجي على ساحل البحر الأسود باتجاه الوصول إلى ميناء أوديسا وتمكنها من تدمير كميات هائلة من الأسلحة الأمريكية والأوروبية المقدمة لأوكرانيا، ناهيك عن اختراق روسيا  الهائل للمنظومة الأمنية الأوكرانية، وهذه الإنجازات التكتيكية تصب في خدمة أهدافها الاستراتيجية المعلنة ومن ضمنها إنهاء القطبية الأمريكية الواحدة  وهيمنة الدولار  وإلى الأبد وإقامة نظام عالم متعدد الأقطاب.

 وفي ضوء تداعيات الأزمة الأوكرانية وانعكاس العقوبات على روسيا بالسلب على الاقتصاد الأوربي، جراء انقطاع الغاز والنفط عن أوروبا بنسبة ملموسة، ووقف إمدادات السلع الغذائية لأوروبا من روسيا وأوكرانيا، ما أدى إلى أكبر نسبة هبوط في قيمة العملة الأوربية "اليورو" الذي أصبح مساوياً للدولار، إذ تراجعت العملة الأوروبية الموحدة إلى 0.9952 دولار، في 14 يوليو (تموز ) الجاري، وهو مستوى غير مسبوق، منذ أواخر العام 2002، عندما طُرح اليورو للتداول رسمياً، يضاف إلى ذلك رفع نسبة التضخم في كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، التي باتت تبحث عن وسائل متعددة لخفض منسوب التضخم ولحل أزمتها الاقتصادية المركبة.

 من ضمن هذه الوسائل ( أولاً) رفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ عام 2011، إذ رفع البنك المركزي الأوروبي، معدّل الفائدة الرئيسية بنصف نقطة، للمرّة الأولى منذ 2011 وأكثر مما كان متوقعاً، في وقت تواجه منطقة اليورو تضخماً متسارعا، حيث يخرج قرار رفع الفائدة البنك الأوروبي من منطقة الفائدة السلبية للمرّة الأولى منذ 8 سنوات لتصبح صفر بالمئة (كانت -0.5%). وترتفع الفائدة على عمليات إعادة التمويل الرئيسية إلى 0,50% وعلى كلفة الإقراض الهامشية إلى 0,75%.

 و(ثانياً) رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات عن العديد من البنوك الروسية، لضمان وصول الإمدادات الغذائية الروسية للدول الأوروبية، في حين تمكنت روسيا من تحويل العقوبات إلى فرصة للاعتماد على الذات في المجالات التقنية، ناهيك أنها في إدارتها للأزمة تمكنت باقتدار من رفع قيمة الروبل في مواجهة الدولار بشكل غي مسبوق، وباتت العملة الروسية الأفضل أداءً في العالم هذا العام، مدفوعة بعائدات روسيا المرتفعة من صادرات السلع والانخفاض الحاد في الواردات، إلى جانب فرض حظر على سحب المدخرات من العملات الأجنبية، وفقاً لما ذكرته "رويترز".

تقييم لجولة بايدن:

هذه التطورات دفعت كل من القيادتين الأمريكية والروسية لحشد الحلفاء خارج منطقة الصراع، التي بات فيها الغرب يقاتل روسيا حتى آخر جندي أوكراني، وباتت  المنطقة الرئيسية لحشد الحلفاء،  والتي يتقرر فيها مصير النظام العالمي الجديد، من حيث الأحادية القطبية الأمريكية أو التعددية القطبية، في ضوء النتائج المرتقبة للحرب  المستمرة في أوكرانيا، هي الشرق الأوسط، لما ينطوي عليه من موقع جيو سياسي واستراتيجي، ومن احتواء لمخزون هائل من النفط والغاز، حيث شهدت المنطقة جولتين متوازيتين لكل من الرئيس الأمريكي جو بايدن من (13-16) تموز (يوليو) الجاري، إلى كل من الكيان الصهيوني ومناطق السلطة الفلسطينية والسعودية، وللرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران في التاسع عشر من شهر يوليو (تموز) الجاري.

ومن يقرأ نتائج الجولتين بتفحص وإمعان، في ضوء أهدافهما المعلنة، يكتشف أن بوتين حقق ما يريد من زيارته لطهران، في حين لم يحصل بايدن سوى على الوعود التي تضمنها بيان العلاقات العامة الناجم عن قمة جدة.

لن نتوقف عند نتائج زيارة بايدن للكيان الصهيوني وتوقيعه اتفاق للتعاون الأمني الاستراتيجي، فهو تحصيل حاصل لعلاقة واشنطن بالكيان ،سواءً كانت الإدارة جمهورية أو ديمقراطية، ولن نتوقف أمام لقاء بيت لحم بين عباس وبايدن، فهو لم يعدو سوى لقاء ترضية وتطييب خاطر، بالحديث عن مساعدات إدارته للسلطة بنصف مليار دولار، لكن في السياق السياسي لم يجامل بايدن رئيس السلطة الفلسطينية، حين قال في المؤتمر الصحفي المشترك معه في مدينة بيت لحم "أن خيار الدولتين قد يبدو بعيد جداً الآن جراء وجود قيود على التحرك والسفر، أو القلق اليومي بشأن أمن أطفالكم"، حيث باتت إدارة بايدن تنحو منحى سابقتها في عهد ترامب، بطرح الحل الاقتصادي للصراع والالتزام ب القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني.

ما يهمنا هنا أن نحاكم الزيارة من واقع الأهداف الرئيسية التي حددها لزيارته إلى السعودية وأبرزها: دمج (إسرائيل) أكثر في المنطقة من البوابة السعودية/دفع دول مجلس التعاون الخليجي و مصر والأردن والعراق التي شاركت في مؤتمر جدة تحت شعار "الأمن والتنمية" لإجراء تغيير في موقفها حيال روسيا عبر التخلي عن موقف الحياد/إنشاء تحالف ناتوي شرق أوسطي تكون (إسرائيل) جزءاً منه/   زيادة إنتاج النفط لتخفيض سعره بهدف خفض التضخم في الدول الغربية.

في ما يتعلق بالهدف الأول المتعلق بدمج (إسرائيل) أكثر في المنطقة من خلال علاقات دبلوماسية كاملة بين الكيان والسعودية، فهذا الهدف لم يتحقق، واكتفى الحكم السعودي بالموافقة على هبوط الطائرات الإسرائيلية في مطار جدة، وعلى مرورها عبر الأجواء السعودية، رغم أن النظام السعودي هو عراب التطبيع في المنطقة وتربطه علاقات تطبيعيه اقتصادية وأمنية قديمة مع الكيان الصهيوني، ناهيك أنه صاحبة مبادرة "التطبيع مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة".

والنظام السعودي لن يفتح سفارة له فب تل أبيب، إلا بعد أن يضمن أن معظم دول الجامعة العربية ودول "منظمة المؤتمر الإسلامي" تقيم علاقات دبلوماسية مع (إسرائيل) وذلك لأسباب تكتيكية تتعلق بوجود الأماكن المقدسة في أراضيها (الحرم المكي والمسجد النبوي).

وبخصوص الهدف الثاني، ممثلاً بأن تحدد الدول المشاركة في لقاء جدة موقفاً حاداً ضد روسيا وإيران، فهو الآخر لم يتحقق، إذ لم يرد في بيان جدة الختامي ما يؤشر إلى ذلك بحكم أن معظم هذه الدول تربطها بعلاقات صداقة مميزة مع روسيا.

وبخصوص الهدف الثالث ممثلاً بتشكيل "تحالف ناتوي شرق أوسطي" ضد إيران، فقد فشل فشلاً ذريعا لعدة اعتبارات من ضمنها: أن السعودية المتورطة في عدوانها على اليمن الذي كلفها مئات المليارات من الدولارات، وخسائر بشرية هائلة في صفوف قواتها وقوات المرتزقة، لا يمكنها أن تنخرط في تحالف ناتوي شرق أوسطي يضم (إسرائيل) بحكم أنها باتت في أمس الحاجة لطهران، لحل الأزمة اليمنية بطريقة تحفظ لها كرامتها المزعومة، وتنقذ ماء وجهها المهدور، وفي سبيل ذلك أجرت خمس لقاءات مع وفد إيراني في بغداد من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين.

أما دولة الإمارات فرغم أنها قطعت شوطاً طويلاً في العلاقات التطبيعية الدبلوماسية الأمنية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني، فلم يصدر عنها أي تصريح بشأن موافقتها على هذا التحالف، لإدراكها لحقيقة، أن الكيان الذي  بيته من زجاج لا يمكنه أن يلقي الحجارة على منازل الآخرين، وفي الذاكرة كيف صمتت ولم تنبس ببنت كلمة ضد إيران  قبل سنوات، عندما جرى تلغيم العديد من السفن وناقلات النفط في ميناء الفجيرة، يضاف إلى ذلك الزيارات المتتالية لوزير خارجية الإمارات ولمسؤولين أمنيين إماراتيين لطهران لتأكيد حرص الإمارات على أمن إيران والمنطقة عموما.

أما دولتا عمان والكويت فلم ولن  تغادر موقفها التاريخي الحيادي حيال إيران، في حين أن قطر ترتبط بعلاقات اقتصادية متقدمة مع إيران، وكذلك حق غاز مشترك، ناهيك أنها تحتفظ بتقدير خاص لإيران، كونها وقفت إلى جانبها اقتصادياً في مواجهة الحصار الذي فرضته كل من السعودية ومصر والامارات والبحرين عليها، أما العراق في عهد الكاظمي فلا يجرؤ على مثل هذه الخطوة لاعتبارات عديدة، متعلقة بالتركيبة الديمغرافية ناهيك أن رئاسته للحكومة باتت على كف عفريت، بعد انسحاب التيار الصدري من مجلس النواب، وتسيد اللقاء التنسيقي الموقف في البرلمان بحكم أغلبيته.

أما مصر فرغم علاقاتها التقليدية مع واشنطن منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد 1978 إلا أن الرئيس "عبد الفتاح السيسي" بنى علاقات سياسية واقتصادية مع روسيا، ولم يصدر عنه أي تصريح يشي بقبوله إنجاز مثل هذا التحالف، في حين يجري تسريب أنباء عن لقاءات سرية بين الحكومة المصرية وإيران بشأن أمن المنطقة.

وبخصوص الهدف الرابع المتعلق بزيادة إنتاج النفط السعودي والخليجي عموماً لتخفيض سعره بهدف خفض التضخم في الدول الغربية، فرغم ما جاء في بيان جدة الختامي حول حرص دول الخليج على أمن الطاقة، إلا أنه لم يصدر عنها وتحديداً السعودية ما يشي بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تنكر لاتفاقه مع الرئيس الروسي بوتين بشأن كمية انتاج النفط في (أوبك بلس+).

خلاصة الأمر أن نتائج زيارة بايدن للمنطقة لم تحقق الأهداف المبتغاة منها، وعكست حالة من التمرد النسبي من قبل الدول الخليجية والعربية التابعة لها، في ضوء تراجع دور الولايات المتحدة، وانسحابها من أفغانستان وظهور علامات الشيخوخة عليها.

تقييم لزيارة الرئيس بوتين لطهران

زيارة الرئيس بوتين لطهران حققت نتائج إيجابية على غير صعيد تمثلت فيما يلي:

1-لقاء بوتين مع مرشد الجمهورية على خامنئي، الذي أعلن تأييده لأول للعملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، مشيراً أن الولايات المتحدة وحلف الناتو كان سيشن الحرب على روسيا بذريعة استعادة شبه جزيرة القرم، وأن العملية الروسية الاستباقية أفشلت الخطة الأمريكية.

2- توقيع اتفاق استراتيجي بين روسيا وإيران لمدة (20) عاماً على مختلف الصعد الاقتصادية والأمنية والعسكرية، يضمن تزويد روسيا لإيران بمنظومات الصواريخ المتطورة وطائرات سوخوي وغيرها، ويضمن تزويد إيران لموسكو بأسطول من الطائرات المسيرة التي أثبتت كفاءتها وأهميتها الاستراتيجية.

3- التهيئة لضم إيران لمنظومة دول البريكس التي تضم كل من روسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا، وكذلك ضمها لمنظمة شنغهاي بعد قبولها فيها كعضو مراقب.

4- التنسيق المتبادل بين كل من طهران وموسكو وبكين في مواجهة العقوبات الأمريكية والغربية، والتوافق على إنشاء نظام بديل لنظام "سويفت" للتحويلات المالية، والعمل المشترك لإنهاء هيمنة الدولار، وتفعيل التبادل التجاري بالعملة المحلية بين هذه الدول عبر تكوين سلة عملات جماعية موحدة من العملات المحلية.

5- التنسيق المشترك في مجال النفط والغاز، بحكم أن روسيا تحتل المرتبة الأولى في إنتاج الغاز وتصديره عالمياً، وأن الدولتين من الدول الغنية جداً في إنتاج  النفط والغاز، يضاف إلى ذلك توقيع اتقاف اقتصادي يتضمن مسألتين رئيستين هما: (أولاً) توسيع حجم التبادل التجاري  بين البلدين (وثانياً) توسيع حجم الاستثمارات الروسية في إيران، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم غر مسبوقة قيمتها (40) مليار دولار، من قبل شركة النفط الإيرانية مع نظيرتها الروسية العملاقة "غاز بروم" لتطوير العديد من حقول النفط والغاز الإيرانية.

6- في اللقاء المشترك الذي جمع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي مع كل من الرئيس بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في طهران، أكد الرئيسان الروسي والإيراني على خروج  القوات الأمريكية من شرق سورية بوصفها قوات احتلال، وذلك في رسالة للإدارة الأمريكية بأن محور المقاومة بوارد فتح جبهة جديدة ضد القوات الأمريكية، ناهيك أن مرشد الجمهورية الإسلامية ومعه رئيس السلطة التنفيذية "إبراهيم رئيسي" والرئيس بوتين حذرا الرئيس أردوغان من مغبة الاقدام على عملية عسكرية في شمال سورية.

خلاصةً: فقد حققت زيارة بوتين لطهران كافة الأهداف المحددة لها، في حين فشلت جولة بايدن في تحقيق أهدافها الرئيسية، ما يعني أن تداعيات الحرب في أوكرانيا في ضوء الانتصارات الروسية في أوكرانيا وفي مواجهة حلف الناتو، ستنعكس بالإيجاب لصالح التعددية القطبية التي حددها الرئيس بوتين، إلى جانب عدة أهداف منذ بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في 24 شباط (فبراير) الماضي.