طالما عُدّت انتخاباتُ 1977، بمثابةِ عتبةِ دخولِ الكيانِ الصهيونيّ إلى مرحلةٍ جديدةٍ بعد 80 عامًا، من إدارة العماليين للمشروع الصهيونيّ، والكثير من الباحثين يعدّون أنّ عامَ 1977، كان بدايةَ كشف الوجه الفاشيّ لإسرائيل، ولكنّ آخرين، يعدّون أنّ هذهِ الفاشيّة تمأسست عميقًا في بِنية المشروع الصهيونيّ منذ بداياته، وهو ما تمَّ شرحُهُ في العديد من الأعمال لكاتب المقال وغيره، وفي الوجه الاقتصاديّ، كانت التطوّراتُ الدراماتيكيّةُ على الوضع الاقتصاديّ الإسرائيليّ المرتبطة جذريًّا، وبالعمق، بالسياسة والأيدلودجيا والمجتمع ما بعد 1967، هي تأكيدٌ لذلك الاتّجاه، وليست شذوذًا عنه.
مأسسةُ المشروع الصهيونيّ "فاشيًّا" - إن صحّ التعبير - تعود في شقّها الاقتصاديّ إلى 1933، وقيام نموذج البناء من فوق على خطّةٍ مركزيّةٍ استُهدف عبرَها إطلاق أقصى دينامياتٍ اجتماعيّةٍ ممكنةٍ، تقوم على شقّين الأوّل: النظام الديمقراطي بشكله الانتخابي البرلماني، الذي استدعته صعود المشاركة الشعبيّة وتعدّد السياقات والتيارات داخل النظام الناشئ. والثاني: حفظ دور مكانة القطاع الخاصّ اليهوديّ في إنتاج واستهلاك الثروة ربطًا بخطّةٍ مركزيّة.
رغمَ هذينِ البندينِ إلا أن كون حركة العمل (بعد 1948) كانت هي المسيّطر المباشر والوحيد على الدولة والهستدروت، خلق سلطةً شبهَ استبداديّة، وفتح المجال لظاهرة الفساد المرافقة لكلّ جسمٍ بيروقراطي. حيث بتأسيس الكيان منحت الهستدروت مكانةً مركزيّةً، وكانت العامود الفقريّ لحزب ماباي الحاكم ونظام الحكم العسكري الذي فرضته "إسرائيل" استمرارًا لحربها على العرب؛ ما تجسّد في رفض التعامل معهم أصحابَ حقٍّ في العمل، وكم بالحري الانضمام للهستدروت.
ولكن مع الحاجة لليد العاملة لتعبئة النقص ظهرت بوادر "استيعاب السيادة"، وكان هناك شرطٌ غيرُ مكتوبٍ لمن يرغبُ في الحصول على العمل، هو الانضمام إلى الهستدروت وحمل الدفتر الأحمر، ومن ثَمَّ التصويت لحزب مباي نفس الحزب الذي فرض نظام الحكم العسكري.
خلالَ هذه الفترة، وباعتبارها دولةَ رعايةٍ اجتماعيّة ضمنت "إسرائيل" لمواطنيها حاجاتهم الاجتماعيّة من تعليمٍ ومرافقَ تربويّةٍ رخيصةٍ وصحّةٍ وأماكنِ عملٍ في منشآتها الحكوميّة، وتأمين البطالة والتأمين الوطنيّ والشيخوخة والتعليم الجامعي شبه المجاني.
ولم تكن فكرةُ الرعاية الاجتماعيّة في سياقٍ طبيعيٍّ للدولة القوميّة بل جاءت جزءًا من معالجة التناقضات، لجذب واستيعاب الهجرة لإسرائيل من جهةٍ، ولضمان استقرارٍ اجتماعيٍّ ضروريٍّ على خلفيّةِ النّزاعِ المستمرِّ مع العالم العربيّ من جهةٍ أخرى. وقد استمرّ هذا التوازنُ الداخليّ حتّى 1967، حيثُ بدأَ في التآكلِ الشديد.
ومع انتصارها عامَ 1967، اكتشفت "إسرائيل" (محاسن الكولونياليّة) عبرَ احتلالِ اقتصادِ الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة مع ما يعنيه هذا من يدٍ عاملةٍ رخيصةٍ وأسواقٍ واسعةٍ لتصريفِ المنتجات، والنموّ الهائل الذي تحقّق ما بين 1967- 1972 في فترة الانتصار المريح التي عاشتها "إسرائيل" قبلَ حرب 1973.
بعدَ حرب 1973، تراجع النمو الذي سبّب النشوة بسببِ النفقاتِ الحربيّة الضخمة من جهةٍ، واستمرار سياسةِ الرفاءِ الواسعةِ التي نتجت عن حرب 1967، من جهةٍ أخرى، ما أدّى إلى عجزٍ كبيرٍ في الميزانيّةِ رافقه اتّساعٌ كبيرٌ في الفجوة بين نسبة التصدير والاستيراد، ما قاد إلى التضخّم الماليّ الذي بلغ منتصف الثمانينات 400% في العام الواحد، ما أدّى إلى وقف النموّ الاقتصاديّ وخفض قيمة الليرة.
ونستطيعُ الاستنتاجَ بسهولةٍ أنّ مرحلة 1967- 1977 هي مرحلةُ تفكّكِ التوازنِ التاريخيّ الذي أنشأته حركةُ العمل على مدى الثمانين عامًا، ولعلَّ المؤشّر الأبرز على ذلك صعود أرستقراطيّةٍ عمّاليّةٍ بعد انضمام عشرات الآلاف من عمّال المناطق المحتلّة إلى سوق العمل "الإسرائيليّ" ما أخلى قاع العمليّة الإنتاجيّة في مختلِف فروع الاقتصاد إلى عمالةٍ عربيّةٍ من المناطق المحتلّة. ما أصاب في الصميم ضميرَ الحركة الصهيونيّة وفكرتها حولَ محدّداتها الاقتصاديّة وبالذات عبرنة العمل، وكانت هذهِ أبرز مؤشّرات أنّ الاحتلال لن يكون بلا ثمنٍ بعد تذوّق أرباحه عام 1967.
ومع اكتشافها لحقيقتها دولةً إمبرياليّةً أعطت إسرائيل، كما غيرها من دولٍ إمبرياليّةٍ مثلًا جديدًا على دور العمّال الأجانب والسيطرة الإمبرياليّة في إعادة إنتاج الخريطة الطبقيّة على نحوٍ أفضى تدريجيًّا إلى تآكل القاعدة الاجتماعيّة لليسار الحاكم الذي لم ينجُ بدورِهِ من العدوى، فاستمتع بالعائد الإمبرياليّ وأنتج لنفسه خطابًا هجينًا قاد إلى سقوطه بعد أن خانت الحركةُ العماليّةُ واليسارُ الإسرائيليّ "شعبها" وخاصّة الأغلبيّة اليهوديّة الشرقيّة. وعبر تسريع وتائر الانتقال من دولة الرعاية الاجتماعية ودولة الرفاء، إلى الانفتاح العولمي، لم تستطع الجماهير الشعبيّة وطبيعة العلاقات في المجتمع اللحاق بالعجلة ووجدت نفسها على الرصيف عاريةً بانتظار حافلة الليكود.
ويرتبط هذا بما واجهته الدولة في طريقها من الاشتراكيّة الديمقراطيّة المركزيّة إلى الجمهورية الإثنية الإمبريالية من مشاكل غير متوقعة. فعندما بدأ قادة الصهيونية بترجمة الأفكار القومية والمثالية الخيالية لآباء الصهيونية إلى أرض الواقع فهموا أنها مأخوذة عن الأنماط القومية في مركز أوروبا وشرقها، وأنّها لا تصلح تمامًا لجماعات المهاجرين فوجدوا أنفسهم أمام مجموعة إثنيةٍ مصطنعةٍ ومفككة، كان الحراك السياسي الشرقي أبرز تجلياتها من هنا نتجت الحاجة إلى بناء اجتماعي (من فوق) كما الاقتصاد، لبناء بيئةٍ سياسيّةٍ لهذه الطائفة المفكّكة، ولتحقيق ذلك تم تبني وتطوير منظومة "بوتقة الصهر" التي بحكم فشلها لقيامها على آليات العنصرية والتمييز وإلغاء الآخر، أدت إلى مساقات تفكيك المجتمع وتحطيم بناه (1).
وبالعودة لليسار، لم تتآكل القاعدة الاجتماعيّة لليسار فقط، المصحوبة بصعود مشاعر الغبن والهامشية عند اليهود الشرقيين الذين شكلوا آنذاك 60% من مجموع السكان بل تضاءلت قدرة اليسار على إدارة المتناقضات والتوفيق بين ممارسةٍ علمانيّةٍ غربيّةٍ وبين غطاءٍ توراتيٍّ غارقٍ في الرجعيّة، بين السياسة والأيدلوجيا التي عادت لتقدم نفسها موضوعيًّا وبقوّة، استحقاقًا واجبًا من الممكن ممارسته عمليًّا بعد أن كانت مجرّد غطاء دينيّ وتاريخيّ للمشروع الصهيونيّ.
وبموجبات الانتقال للإمبرياليّة الكولونيالية وتداعيت احتلال الأراضي الفلسطينية فإنّ النظام الاقتصادي اتّخذ بعد 1967 نموذجًا بديلًا للسابق سمته الأساس انفلات الأيدلوجيا من عقالها بالارتكاز على محفزي القوة المنتشية بالانتصار الساحق والأمن المتصاعد ضرورةً موضوعيّةً للدولة الكولونياليّة.
اجتماع القوّة مع أيدلوجيا رجعيّة سينتج كارثة بالتأكيد كما يعلمنا درس ألمانيا النازية، والأيدلوجيا في صعودها الصاخب تنزع في زعمها القائل بالتفسيرات الكلية ليس إلى شرح ما هو موجود فعلا بل إلى ما هو صائر، وتفسير الماضي تفسيرا كليًّا، ومعرفة الحاضر معرفة شاملة والتنبؤ بالمستقبل تنبؤًا يعول عليه، وهكذا فالاستيلاء على الضفة الغربية و غزة هو تحقيق للوعد الإلهي وهو مكتوب سلفا في التوراة، والهزيمة عام 1973 هي عقاب الرب للعماليين، يصبح التفكير الأيديولوجي مستقلًا عن كل تجربة متحرّرًا من الواقع، وتحرير الفكر من التجربة والواقع يتطلب صياغة الواقع بما يتناسب مع المزاعم الأيدلوجية (2).
وبالتالي فإن توظيف الأيدلوجيا للقوة في انكشاف فاشي صريح، مع تداعياته الاقتصادية، خلق مأزق إسرائيل المتغيرة بتعبير حسين أبو النمل الذي يستنتج أن دينامية شاملة عاصفة أصابت إسرائيل بعد 1967 أدت إلى اتساع المتحولات لم يتمكن النموذج البديل من السيطرة عليها.
هذا التعولم السريع والتحول الإمبريالي وضع إسرائيل في مأزق نموذج ليبست (3)، مأزق استيعاب تحولات غير طبيعية في زمن طبيعي، ما يطلق عليه د. حسين أبو النمل(4) ببراعة قانون (فوات التاريخ) و (تسريع الزمن) وبما أن الزمن الطبيعي غير متاح ولا يمكن اللحاق بالتاريخ الموضوعي كان لابد من الأزمة التي كانت بدايتها وقوع إسرائيل بشكل متزايد بين فكي كماشة أولهما: علاقة إسرائيلية مع المناطق المحتلة التي كانت إسرائيل تزيد من تهميشها وإلحاقها بدوره الاقتصادي ولكن أيضا تصبح أسيرة علاقتها بها. وثانيهما: علاقات إسرائيل الدولية ودور الآليات الخارجية المتمادي في حفز الآليات الداخلية.
لم يعد الاحتلال مجرد مسألة سياسية أو أمنية أو أيدلوجية بل صار في صلب النظام ضرورة نمو واستقرار ورفاه معيشي، أما أمبرلة الاقتصاد والتحول نحو مزيد من العولمة واقتصاد السوق فصار مصلحة مباشرة للأطر اجتماعية تتزايد باطراد. ولكن عجز "إسرائيل" عن اللحاق بتاريخ التطور الطبيعي والسعي الدؤوب لتسريع الزمن أوقعها في المأزق الخطير اجتماعيا، مكتشفة إنه لا يمكن تعطيل القانون الطبيعي للتنمية الاجتماعية دون كلفة باهظة جداً.
كلفة أحد عناصرها التطرف الذي أدى موضوعيا إلى نمط متجدد من الفاشية المطلقة تتحدد أيقونتها بـ (القوة – الأيدلوجيا) مزيدا من أدلجة السياسة وعسكرتها مترافقا مع نمو وتبلور الطبقة البرجوازية الجديدة المتعولمين المستفيدين من الأمبرلة من أصحاب الشركات الكبرى والمدراء والموظفين الكبار في القطاعين العام والخاص ما أدى إلى اتساع متسارع في الفجوة بين الشرائح البرجوازية والعمالية من ناحية حصتها من الدخل.
صعود ثنائية (القوة – الأيدلوجيا) عكس نفسه أيضا على كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية في "إسرائيل". عبر تقلص المسافة بين الأيدلوجيا وبين الواقع المتحول جذريا نحو الإمبريالية في هذه الأثناء لم تجر إعادة نظر بالوازن الداخلي بين اليسار واليمين لصالح اليمين فحسب بل أيضا داخل اليسار نفسه الذي اكتسب تدريجيا ملامح يمينية نتيجة أزمته الأيدلوجية بعد احتلال "الأرض الموعودة" عام 1967 مع تقلص المساحة بين الأيدلوجيا والواقع الموضوعي وتضاءل قدرة اليسار على إدارة المتناقضات والتلفيق بنجاح بين ممارسة علمانية وبين فكر توراتي.
كانت هذه العودة الصاخبة للأيدلوجية الدينية تعبيراً عن تطور حتمي كما حللت حركة ماتسبين المعادية للصهيونية حيث «جميع الرموز المدنية بل الهوية الجماعية برمتها، خضعت للدين وأصبحت الصهيونية نفسها ضربا من اليهودية المغطاة برموز مدنية» كان ذلك بداية تأسيس الكيان بفرض تسويغ مطالبها ب فلسطين كوطن لـ «الشعب»اليهودي، وكذلك لحاجة الصهيونية لدعم واعتراف أغلبية الجماعات اليهودية الأرثوذكسية في العالم، وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة صارت هذه العودة جزءا من الحملة المغطاة بشعار استعادة أرض إسرائيل في "يهودا والسامرة".
وقد لاحظ باروخ كيمرلنغ المؤرخ الإسرائيلي البارز علو شأن الدين بعد حرب 1967 لتبرير احتلال باقي الأرض الفلسطينية، ويتابع في ملاحظة أساسية عن تغير الكيان «ليس من الصحيح القول بأن المستوطنين حرفوا الصهيونية، بل الأصح القول أنهم نتاجها المنطقي الذي يعبر عنها بحدة تصل حد العبث»(5).
من جانبه وفي تحليله للسياق الاقتصادي للفاشية اعتبر تروتسكي أن صعود الفاشية هو التعبير عن الأزمة الاجتماعية الخطيرة التي تعاني منها الرأسمالية في مرحلة نضجها وهي أزمة بنيوية تتطابق مع أزمة فيض إنتاج كلاسيكية كما في أعوام 1929-1933 والأمر يتعلق قبل كل شيء بأزمة إعادة إنتاج لرأس المال أي باستحالة مواصلة مراكمة طبيعية لرأس المال لأسباب عديدة، ويرى تروتسكي أن الوظيفة التاريخية لاستيلاء الفاشيين على السلطة هي في تعديل شروط إعادة إنتاج رأس المال بالقوة والعنف لصالح مجموعة حاسمة في الرأسمالية.
والفاشية كما حلل تروتسكي هي من الناحية التاريخية تحقيق الاتجاهات الملازمة لرأس المال الاحتكاري ونفيها في آن معاً والتي تعمل على تنظيم حياة المجتمع بأكمله بشكل شمولي (كلياني) لصالح رأس المال المشار إليه: تحقيق: لأن الفاشية اضطلعت بهذه الوظيفة ونفي لأنها كانت عاجزة عن الاضطلاع بها بغير مصادرة سياسية عميقة للبرجوازية.
إن التأييد الذي تحصل عليه سلطة فاشية ينبثق من حركة جماهيرية تتبع الطبقة الثالثة في المجتمع، البرجوازية الصغيرة التي تتأثر عميقا بالأزمة البنيوية الخاصة بالرأسمالية في طور نضجها بحيث تقع في مهاوي اليأس (التضخم، إفلاس المقاولين الصغار، البطالة الكثيفة) وهكذا من مهاوي اليأس تنبثق طبقة نموذجية هي خليط من تذكرات أيدلوجية مبهمة وحقد نفسي وشعور دوني أقصى، وديماغوجية ليست فقط معادية للرأسمالية بعنف لفظيا على الأقل بل معادية أساسا للحركة العمالية المنظمة، وبسبب طبيعة الكيان الصهيوني الذي يحكم قبضته على المجتمع مسلحا بأيدلوجية مركزية الدولة ووحدة الشعب المختار وعقلية الحصار توجه الحقد الأعمى لدى هذه الفئات إلى العدو المخترع الذي هو سبب كل المصائب وهنا يتم استحضار الفلسطينيين كبديل جاهز تصب عليه الفاشية وجماهيرها حقدها الأعمى، النموذج التاريخي لهذه القاعدة يكمن في تحولات مواقف اليهود الشرقيين بدءا من 1967-1977 وخصوصا منذ 1956 فهم يشكلون في النهاية نوعا من طبقة تمت صياغتها على يد حكومات العمال الأشكنازية وتضررت باعتبارها كانت تحتل قاع عملية الإنتاج من دخول 100 ألف عامل فلسطيني أثر الاحتلال (6).
إضافة لتدهور الوضع الاقتصادي تزايدت المعارضة الشرقية للهيكلية الثقافية والسياسية والاقتصادية لحزب العمل ودولته اثر حرب عام 1967 نتيجة لاكتشاف التناقض بين شعار المساواة الذي رفعه حزب العمل وسياساته العملية، هناك بالتأكيد عدة عوامل أدت بالشرقيين إلى الانحياز إلى المعسكر القومي الديني بقيادة الليكود أساسها رجعية قيادتهم (المتحوسلة) والتمييز بمختلف المجالات ونجاح اليمين الليكودي بقيادة الفاشي بيجن من التقاط سخطهم واحتجاجهم(7).
في ظروف الشعب الكلي الموحد العضوي، يتم الالتفاف على الأزمة الداخلية للمجتمع الفاشي عبر توجيه العداء للخارج وهكذا تسيطر الفاشية على حيزها الديمغرافي وتطرد أزماتها للخارج.
نجد دعما أساسيا في سياق الاقتصاد الإسرائيلي نفسه في أزماته، وميزانياته وكيفية توزيعها وكيفية معالجة إسرائيل لأزمتها الاقتصادية كدولة إمبريالية وكولونيالية. ولعل تجربة اليهود الشرقيين تمثل موضوعا درسيا أساسيا في الحديث عن العنف الرمزي، الذي ارتكز منذ قيام الصهيونية إلى فك الارتباط بين اليهود العرب الشرقيين وبيئتهم الطبيعية، وفي السياق ضمن أشياء أخرى وقع اليهود الشرقيون ضحية الشعار القائل بكراهية العرب لليهود. ونتيجة لوقوعهم ضحية تصديق هذه الكذبة ولد لديهم الإحساس بأن خيارهم هو إما الاندماج بالمجتمع الإسرائيلي وقبول قيمه والتماهي معها كما هي، بما يقتضي هذا من تحولات عنيفة في الهوية والثقافة وتعريف الذات وإما الذبح على يد العرب كما دأبت الصهيونية على القول.
وقد دأبت المؤسسة الصهيونية الرسمية وغير الرسمية على توليد الخيار الجبري في ذهنية هؤلاء اليهود الذين صار عليهم لكي يصبحوا مقبولين أن يندمجوا ويذوبوا في بوتقة الصهر ويتحولوا إلى غربيين أشكناز مصطنعين. ولكنهم يبقون دائما في موضع الشك تجاه ولائهم ويبقون يعيشون في وضعية الحافة بين عالمين متصارعين(8).
لقد نجح نتنياهو بتمرير كذبة أن الانسحاق لهذه الطبقات مرده إلى سلوك الفلسطينيين بدلا من الإشارة إلى السبب الصحيح وهو السياسات الاقتصادية الرأسمالية، ودليل ذلك تصميم هذه الطبقات المسحوقة بصولجان شارون ونتنياهو على التصويت لـ (الليكود) فقد بلعوا الطعم بأن المسؤول عن فقرهم هو عرفات بالذات وليس هذين الاثنين ومعهما الرأسمالية الهوجاء(9).
رغم وضع الهستدروت كجهاز مؤسسي صهيوني أصلا ذا جوهر أيدلوجي، إلا أن السياسة المالية الملبرلة المتصاعدة عن حكومة نتنياهو ووزير المالية يعقوب نئمان وبسبب الضغوطات الاجتماعية ومطالب الرفاه الاجتماعي، أدت إلى مواجهات ديسمبر عام 1997 بين الهستدروت والمالية هي الأولى من نوعها في تاريخ علاقات العمل قي إسرائيل، والتي خرجت هذه المرة عن سيطرة البيروقراطية في الهستدروت ووزارة المالية معا (10).
تنكشف مواقف الأحوسالية (11) المتطرفة في حكومة نتنياهو الأولى بوضوح في اقتراحات وزير المالية يعقوب نئمان لقوانين الميزانية والتنظيم في الاقتصاد الذي يهدف إلى تنظيم العمليات الاقتصادية المختلفة مثل خصخصة النظام الصحي، الذين صدق عليهما في الكنيست في أوائل كانون 1998. ولم تكن سياسة الخصخصة لنتنياهو وسابقيه، وحكومة الليكود سوى استمرار متواصل متسارع لسياسة حكومة العمل والتجسيد للرأسمال في مكافحة العمال وخاصة التنظيمات العمالية، ومن الطبيعي أن التنظيمات المهنية النقابية تعارض الخصخصة كجزء لا يتجزأ من عملية المس بالعمال.
انعدام المساواة لا ينعكس فقط طبقيا بل وفقا للطائفة والقومية والجندر أيضا، وهو عميق ضارب بالجذور حيث مدخولات العرب هي الأدنى على الإطلاق، بل هي آخذة بالتدني مقارنة مع المعدل منذ 1995، أما مدفوعات اليهود الشرقيين فرغم ابتعادها صعودا عن العرب ولكنها بقيت بعيدة جدا عن الغربيين.
تكشف هذه السياسات عن الوجه الحقيقي لليمين الذي كان يمينيا وسياسيا وشعبيا أو محافظا اجتماعيا، حيث أنه أوجد في تقاليده علاقة نظرية بين سياسته القومية المتمثلة في شعار «أرض إسرائيل بكاملها لنا» وبين نوع من الاهتمام بالأوضاع المعيشية، أما الآن فقد أصبح واضحا وعلنيا الاسم المتعارف عليه لهذا النظام وجة هو "الفاشية".
- يوسي شفارتس: بيلين والمسألة اليهودية، مركز المعلومات البديلة.
- حنة آرندت: أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، ط1 (لندن: دار الساقي 1993) ص 262-263.
- نموذج ليبست: نموذج ليبست (1960) يعتبر مرجعا هاما لدراسة ظاهرة التطرف الأوربي فهو يؤكد بأن من الأمور المعقولة وجود ترابط بين القاعدة الاجتماعية والفكر التنظيري (الأيدلوجية) فالحركات السياسية تنقسم فيما يصفه إلى «يسار يدعو إلى المساواة، إلى التغيير والتجديد، تسانده الطبقات الدنيا، والى يمين معتدل ومحافظ تدعمه طبقة الملاك والأرستقراطيين، ثم الوسط الذي تمثله الطبقات الوسطى، فعندما يكون هناك هدوء اجتماعي تعبر كل طبقة عن نفسها وأفكارها بالطرق الديمقراطية سواء كانت اشتراكية نهضوية أو معتدلة محافظة ليبرالية، لكن ما إن تظهر الأزمات والخلل الاجتماعي والاقتصادي حتى يطفو على السطح الجزء المتطرف لكل منها، فالشيوعية إلى اليسار والديكتاتورية المحافظة إلى اليمين أما الفاشية فهي التطرف الوسط».
- حسين أبو النمل: الاقتصاد الاسرائيلي من الاستيطان الزراعي إلى اقتصاد المعرفة. ط2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 2004) ص46
- ايلي مينوف: الخطاب الصهيوني الراهن: في الأيدولوجيا والاقتصاد في إسرائيل: الصهيونية: الخصخصة والليبرالية الجديدة، مركز المعلومات البديلة، القدس بيت لحم 1998، تحرير الياس جرايسة وهداية أمين، ص:15
- تحييد الصراع الطبقي هو احدى وظائف صناعة العدو، بتمكين المضطهد بالتماثل مع سيده دون أن يتحمل هذا الأخير تكاليف باهظة، وفي حالة كون الآخر العدو يعيش في نفس المجتمع فانه يوفر فرصة للبروليتاري في العثور على بروليتاري (رث) أدنى منه مرتبة فيرتقي الأول في سلم المراتب الاجتماعية دون أن يكلفه ذلك كثيرا، متحولا إلى نوع من مضطهِد بديل.
- أحمد جابر: اليهود الشرقيون في اسرائيل: جدل الضحية والجلاد، دراسات استراتيجية 92ط1 (أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوق الاستراتيجية، 2004)، ص71-72.
- المرجع نفسه، ص32.
- تقلص الشريحة الوسطى في إسرائيل. المشهد الإسرائيلي 14/7/2004
- المرجع نفسه.
- الأحوسالية (أحوسال): اصطلاح تجميعي ابتكره المؤرخ الإسرائيلي باروخ كمرلنغ، لم يصغ رديفا عربيا له بعد، وهي كلمة تعني الأشكناز في بعدهم الطبقي السياسي الثقافي المسيطر، وهي حسب ما يفيد كمرلنغ كلمة تجميعية للحروف الأولى من المفردات العبرية المرادفة لـ «أشكناز وعلمانيون وقدامى واشتراكيون وقوميون» أو صهيونيون، وهي ترادف في وظيفتها المعرفية المصطلح الأمريكي wasp (صفوة المجتمع البيضاء الأنجلو-سكسونية المتنفذة) في الولايات المتحدة الأمريكية، وترجمها محمد حمزة غنايم إلى (الزنابير) (من يحكم إسرائيل الآن، بعد أفول طبقة الزنابير 11/12/2002 المشهد الاسرائيلي) وإن كان التعبير العربي لا يفي بالغرض.

