ثورة 23 يوليو المجيدة رغم تراجع سياساتها المعروفة عن الأهداف التي انطلقت من أجل تحقيقها، ستبقي ماثلة بقوة في الذاكرة القومية، لما جعلت من مصر الدولة العربية المركزية الأولى في المنطقة لقيادة النضال القومي التحرري، في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي ضد الاستعمار والكيان الصهيوني والقوى الرجعية العربية. دور سياسي كفاحي مشهود بفاعلية لم تشهده مصر منذ تولي محمد علي المملوكي حكم مصر وإعلانه، عدم طاعة فرمانات الباب العالي العثماني في الأستانة في محاوله مسعاه لتأسيس دولة عربية تضم مصر والحجاز وبلاد الشام، غير أن مشروعه السياسي اصطدم بحركة الاستعمار الأوروبي الطامع في وراثة الهيمنة على ولايات دولة الخلافة العثمانية التي سميت آنذاك بالرجل المريض.
الدور السياسي والكفاحي الذي اخطته مصر بقيام ثورة 23 المجيدة، لم يعد للأسف قائما الآن، فقد أصبح تجربة سياسية في ذمة التاريخ في وقت الأمة كلها بحاجة إليه في مواجهة التحديات والأخطار التي تهدد وجودها وأمنها ومستقبل أجيالها.. كانت معاهدة كامب ديفيد التي أبرمها الرئيس الأسبق أنور السادات 1978 بواسطة الرعاية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي كارتر ووزير خارجيته اليهودي كيسنجر، بداية مرحلة جديدة من الصراع، تخلت فيها مصر عن دورها النضالي القومي العربي الذي أكسبها موقعًا إقليميًا ودوليًا بين الدول، خاصة في بلدان العالم الثالث، وبين حركات التحرر العالمية، يتناسب مع تاريخها الحضاري وامكاناتها البشرية، لدرجة أصبح تأثيرها السياسي الآن لا يتناسب مطلقا وبكل المقاييس مع هذه المميزات الفريدة التي تتمتع بها الدولة الوطنية المصرية، وهو الأمر الذي أتاح الفرصة لجيش العدو الإسرائيلي بعد ذلك، محاصرة بيروت أول عاصمة عربية يصل إليها جيش الكيان الصهيوني في إطار عملية أطلق عليها اسم (سلام الجليل)، بقصد القضاء على الثورة الفلسطينية وقد تبع هذا الغزو الصهيوني للبنان قيام سلام الجو الإسرائيلي بقصف المفاعل النووي العراقي الذي كان يشكل وجوده بغرض امتلاك القوة النووية، خطرًا على عملية الخلل الحادث في التوازن العسكري القائم لصالح الكيان ثم احتلال الأمريكيين للعراق، وهذا التغول الإسرائيلي الأمريكي قاد بدوره إلى تنامي أدوار دول الخليج العربية النفطية كقطر والسعودية والإمارات والبحرين، على حساب الدور السياسي للمناطق الحضارية التاريخية في الوطن العربي مصر والعراق وبلاد الشام، لتصبح المنطقة العربية مهيأة لتحقيق المشروع الصهيوني الأمريكي، عبر خلق شرق أوسط جديد، تذوب فيه الرابطة القومية العربية لتحل بدلا عنها دول ذات انتماءات دينية وطائفية وعرقية، وقد قطع هذا المشروع خطوات على طريق تصفية القضية الفلسطينية، من خلال الاعتراف الأمريكي ب القدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إليها؛ هكذا بارتداد مصر عن سياسة ثورة 23 يوليو المجيدة واتخاذها وجهة إقليمية بصلحها المنفرد مع الكيان الصهيوني وخروجها من المواجهة، جعلت شعبنا الفلسطيني وحيدًا في مواجهة أمريكا وإسرائيل وبينما الدور الذي تقوم به الآن وهو دور الوساطة مع الكيان الصهيوني في ما يتعلق بالحالة الأمنية في القطاع، والتي تقوم على التصعيد العسكري بين الحين والآخر بين جيش الاحتلال وفصائل المقاومة، وعلى الرغم من أن البعض يعتبر أن لذلك "أهمية" وإنسانية، لكبح جماح القوة الإسرائيلية الطاغية في حرب عدوانية مدمرة قادمة، إلا أن هذا الدور للمخابرات الحربية المصرية من المنظور النضالي لمكانة مصر في الخارطة الجيوسياسية العربية والإقليمية، ليس هو الطريق الصحيح لاستعادة زمام المبادرة لإعادة الدور السياسي القومي المفقود.

