(حربُ حزيران: حربٌ أمريكيّةٌ قبل أن تكونَ حربًا صهيونيّة)
منذُ أن وضعت حربُ عام 1967 أوزراها، التي انتهت باحتلالِ قوّاتِ العدوِّ الصهيونيّ شبهَ جزيرةِ سيناء، ووصولها إلى الضفّةِ الشرقيّةِ لقناةِ السويس، واحتلال الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة وهضبةِ الجولان السوريّة؛ انبرت مختلِفُ التيّاراتِ السياسيّةِ ومن ضمنها القوى اليساريّة والقوميّة، ومراكز الدراسات في البحث عن أسبابِ الهزيمةِ وتداعياتِها، كونها الأخطرَ في تاريخِ الصّراعِ العربيّ الإسرائيليّ بعدَ نكبةِ فلسطين عام 1948، وكون الوطن العربي ما يزال يعاني بشكلٍ خطيرٍ من نتائجَ هذهِ الهزيمة، لا سيّما بعد انقلاب السادات في 15 مايو على نهجِ عبد الناصر، وما جرّ هذا الانقلابُ من ويلاتٍ ليس على مصر وحدها، بل على مجملِ القضايا العربيّة، إثرَ توقيعِهِ اتّفاقاتِ كامب ديفيد التي أخرجت مصر بثقلها الجيوسياسيّ والديمغرافيّ من معادلةِ الصراعِ مع العدوّ الصهيونيّ.
أسبابُ الهزيمة:
لقد تباينت المواقفُ بشأنِ تشخيصِ أسبابِ الهزيمة، وبهذا الصدد نتوقّفُ أمامَ أبرزِ الأسباب من وجهة نظر أطرافٍ عديدة:
أوّلًا: المؤامرةُ الصهيوأميركيّة الغربيّة الرجعيّة على مصر
لقد أعاد بعضُ الباحثين هزيمةَ 1967، لأسبابٍ تتعلّقُ بالخطّةِ الصهيوأمريكية المسبقة لإجهاضِ ثورة 23 يوليو، التي جرت ترجمتها عبرَ دعمِ الولايات المتّحدة الأمريكيّة والدول الأوروبيّة للكيان الصهيونيّ عسكريًّا واقتصاديًّا وتوظيف القواعد العسكريّة الأمريكيّة والغربيّة في خدمة العدوان الصهيونيّ على مصر عام 1967، مثل دور القوّات الجويّة الأمريكيّة المتمركزة "بقاعدة هويلز" وكذلك القوّات البريطانيّة المتمركزة "بقاعدة العدم" في ليبيا ، وذلك قبل الانقلاب على الحكم الملكيّ في ليبيا الذي قاده العقيد معمر القذافي.
يضافُ إلى ما تقدّم ما كشفته الوثائقُ المتعدّدةُ عن دور الحكم السعوديّ في حرب حزيران إلى جانب الكيان الصهيوني، بعد التدخّل السعوديّ في اليمن في مواجهة دور عبد الناصر في دعم الثورة اليمنيّة، التي قادها المشير عبد الله السلال ضدَّ حكم الإمام الرجعيّ المتخلّف وسعي الولايات المتّحدة في تلك المرحلة، إلى خنق مصر اقتصاديًّا عبرَ مخطّطٍ أميركيٍّ – سعوديّ، وسعي واشنطن قبل ذلك لإنهاك مصر وسورية، بخلافاتٍ وصراعاتٍ بين القوى الإسلاميّة والسلطة – وَفْقَ ما أشار الدكتور رفعت سيد أحمد - في مقال له بعنوان "هل كان للسعوديّة دورٌ في هزيمة عبد الناصر عام 1967؟"
ثانيًا: الخطّةُ الإسرائيليّةُ المبيّتةُ للعدوان على مصر
أدنى مراجعةٍ للتاريخ منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952، تؤكّدُ أنّ خطّةَ العدوان مبيّتةٌ منذ انطلاق الثورة، وبهذا الصدد نشيرُ إلى ما يلي:
1- خطّةُ الحرب الصهيونيّة ضدّ مصر مبيّتةٌ منذ 8 آذار 1957، عندما انتهت أزمةٌ السويس، بانسحابِ القوّاتِ الإسرائيليّةِ من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، عبرَ الاتّفاقِ على دخول قوّاتٍ دوليّةٍ تابعةٍ للأمم المتّحدة، إلى المناطق التي انسحبت منها قوّاتُ الاحتلال الإسرائيليّ لحماية وقف إطلاق النار. فالعدوُّ الصهيونيّ، بدأ بوضع خطّة، لضرب مصر، منذ ذلك التاريخ؛ بسبب فشل الأهداف الإسرائيليّة، المتوخّاة من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، المتمثّلة بشكلٍ رئيسيٍّ في تطويع المشروع القومي، لثورة 23 يوليو/تموز 1952.
لقد كشفت الوثائقُ الإسرائيليّة أنّ العناوين الرئيسيّة لخطّة الهجوم الإسرائيلي على مصر، وضعت منذ عام 1957، وأنّ رئيس الكيان الصهيوني الأسبق، عزرا وايزمن، هو الذي وضع خطّةَ ضربِ المطاراتِ المصريّة، وأجرى تدريباتٍ مسبقةً منذ ذلك التاريخ لتطبيقها. إذ إنّه بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيليّة من سيناء وقطاع غزة عام 1956، بناءً على أوامرَ أمريكيّةٍ بعد مشاركتها في العدوان على مصر مع كلٍّ من: فرنسا وبريطانيا. وإثرَ طرح الرئيس الأمريكي أيزنهاور مبدأ "ملء الفراغ"، لم يكن بوسع "ديفيد بن غوريون" رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك أن يرفض الأوامر الأمريكيّة، وأعلن أن حرب 1956، على مصر قد أُجهضت، وأنّ إسرائيل لم تحقّق شيئًا سوى فتح خليج العقبة، وهذا أدنى مطالبها، وأنّه لا بدّ من حربٍ أخرى "محتومة" لا يجهضها أحد. وبدأ العدوّ الصهيونيّ الاستعداد على الفور منذ ذلك الحين، وقد صرّح قائد الطيران الإسرائيلي عام 1967 "مردخاي هود" بأنّهم ظلّوا اثني عشر عامًا طويلةً يعيشون الخطّة ويتدرّبون ويحلمون بالخطّة... ومن أجل (80) دقيقة، هي التي دمروا بها سلاح الطيران المصري في 5 يونيو (حزيران) 1967.
ثالثًا: الدورُ الأمريكيُّ في الحرب
يعودُ دورُ أمريكا في الحرب إلى فشلِها سياسيًّا في تطويع نظام عبد الناصر جرّاء رفضه لنظرية الرئيس الأمريكي أيزنهاور "ملء الفراغ" عام 1957، ولجوئه قبل ذلك إلى عقد صفقة الأسلحة التشيكيّة، وتأسيس منظومة الحياد الإيجابيّ مع أبرز قادة العالم الثالث (نهرو، تيتو، سوكارنو، نكروما).
لقد ضاقت الإمبرياليّة الأمريكيّة ذرعًا بعبد الناصر، وإنجازات نهجه القومي، وقرّرت تصفيته ورأت أنّ الوقت قد حان للإطاحة به، حيث لم يستطع الانقلاب الذي دبّرته المخابرات المركزيّة الأمريكيّة عن طريق الحلف الإسلامي عام 1965، أن يُسقط عبد الناصر، كما أسقطت موجة الانقلابات نكروما وسوكارنو، ولهذا تقرّرت الحرب على عبد الناصر عام 1967، وَفْقَ تنسيقٍ وتحالفٍ أمريكيٍّ إسرائيلي.
لقد زعمت الولاياتُ المتّحدةُ في حينه، بأنّه لم يكن لها دخلٌ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ بحرب 1967، وطالبت بالاعتذار، حينما أعلن عبد الناصر ذلك. واقتضى الأمرُ سنواتٍ عدّة ليخرجَ مديرُ المخابرات الأمريكيّة المركزيّة في المنطقة بكتابٍ يعلنُ فيه أنّ الرئيسَ الأمريكيّ "ليندون جونسون" والبنتاجون والمخابرات المركزيّة الأمريكيّة كانوا " أبطال" تلك الحرب الحقيقيّين. وقد جاء في وثيقةٍ كشف عنها (وهي من ضمن الوثائق الأمريكيّة التي أفرج عنها عام 2001م)، أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة دفعت إسرائيل إلى الحرب المبّكرة، وبدعمٍ مباشرٍ وفوريّ: "لقد التقى مديرُ الموسادِ الإسرائيليّ حينها "أميت" مع الرئيس الأمريكيّ جونسون، وبعد التداول سأل جونسون رئيس الموساد: لو هاجمتم العرب الآن فكم ستتحملُ هزيمتهم معكم؟ فكان جواب أميت: عشرة أيّام تقريبًا. فقال جونسون:" إذًا ماذا تنتظرون؟".
رابعًا: البرجوازيّةُ العسكريّةُ المصريّة
ردّت العديدُ من الأحزاب الشيوعيّة واليساريّة العربيّة على عجلٍ هزيمةَ حزيران إلى طبيعة النظام البرجوازيّ الصغير في مصر وسورية – على حدّ ما جاء في أدبياتها - دون أن تقدّم قراءةً موضوعيّةً لطبيعة التحوّلات الطبقيّة في مصر، التي جاءت على أرضيّة المبادئ الستة التي أرستها ثورة 23 يوليو عام 1952، التي تمَّ تجذيرُها في قوانين يوليو الاشتراكيّة عامَ 1961، عبرَ قراراتِ التأميمِ والإصلاحِ الزراعيّ وانحيازِ عبد الناصر للعمّالِ والفلاحين.
وذهب بعضُ المؤرّخين، إلى تفسيرِ الهزيمةِ بوجودِ البرجوازيّةِ العسكريّةِ البيروقراطيّةِ وهو تفسيرٌ أقربُ إلى الواقع، من التفسيرات النظريّة العامّة حولَ البرجوازيّةِ الصغيرة، فالبرجوازيةُ العسكريّةُ تشكّلت في سياقٍ تراكميّ، منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحتّى نكسة حزيران 1967.
ومن المعلومِ أنّ المشيرَ عبد الحكيم عامر، من موقعه قائدًا عامًّا للقوّات المسلّحة لم يُبدِ أيَّ كفاءةٍ تذكر في مواجهة العدوان، ناهيك عن دوره السلبيّ في مواجهة مؤامرة الانفصال السوريّة عن مصر عام 1962.
لقد حاولَ مجلسُ الرئاسةِ المصريّةِ أن يدخل التوازن بين سلطات المشير عامر وبين السلطة الرئاسيّة المتمثّلة في القيادة السياسيّة، بعد فشل المشير أيام العدوان الثلاثي وأيام الوحدة مع سورية، وقد أعدَّ قرار تحديد اختصاصات المشير، بما يجعل سلطة تعيين قادة الوحدات في القوات المسلّحة من مسؤوليّة مجلس الرئاسة، ولم يحضر عبد الناصر جلسة مجلس الرئاسة التي نوقش فيها هذا الموضوع، فطلب المشير تأجيل بحثه، وانضمّ إليه كمال الدين حسين الذي كان يقترب من دائرة الظلّ ويبتعد عن المناصب التسع التي كان يستحوذ عليها، ولكن الأغلبيّة وافقت على القرار وأصدرته، لكن المشير عامر لم يمتثل إليه وخرج غاضبًا، وغضب لغضبه قادة القوّات البريّة والجويّة والبحريّة، وقدم بعض كبار القادة استقالاتهم، وحدثت حالةُ هياجٍ بين قادة القوّات المسلّحة المقرّبين من المشير، واجتمعوا في القيادة وأصروا على عودة المشير إلى موقعه.
لقد أدرك المشير عامر أنّه يستمدُّ سلطته من القوّات المسلّحة وليس من الشعب والدولة، فوثّق صلته بقادتها وظلَّ يواصل العطاء والمنح لكلّ من يطلب، وأصبح للمشير أظافر وأنياب، وقد كان من الواجب حسم مثل هذه الأمور عند بدايتها، ولكن إهمال ذلك أدّى بالقيادةِ العسكريّةِ لكي تشكّلَ بروزًا ورميًّا خطيرًا، أصبح من الصعب استئصاله، وأصبحت القيادةُ السياسيّةُ ينقصُها القدرةَ وليس الرغبة، لإزالة هذا الورم، وهنا اهتزّت كلُّ الأمورِ فتغيّرت طبيعةُ العلاقات بين القيادة السياسيّة والقيادة العسكريّة، ثم اهتزّت طبيعةُ العلاقات داخلَ القيادة العسكريّة، فهبط ميزان الكفاءة ليحلَّ محلّه ميزان الولاء، وأصبح التأمين الذاتي وليس الأمن القوميّ هو محلُّ الرعاية والاهتمام، ومن ثَمَّ فإنَّ حرب حزيران خاضتها مصر في ظلّ علاقةٍ مضطربةٍ بين القيادة السياسيّة والقيادةِ العسكريّةِ غير الكفؤة وغير المؤهّلة والمسؤولة.
لقد تساءل الكثيرون: لماذا لم تعالج القيادةُ السياسيّةُ الموقف؟ ربّما يكون ذلك لعجزٍ في القدرة في ضوء اختلاف موازين القوى بين القيادتين، وربّما تكون القيادةُ السياسيّةُ قدّرت أنّه لتصحيح الأوضاع لا بدَّ من صِدام، لكنّها لم تكن مستعدّةً لهذا الصّدام إلا على الأرض الملائمة وفي الوقت المناسب.
لقد ذهبَ بعضُ الناصرّيين إلى القول: إنّ حرب 1967، لم تكن حربًا، ولم تحارب مصر، ولم تهزم ولكن سقطت القوّاتُ المسلّحة بسقوطِ القيادة العسكريّة، وإنّه ربّما تكشف كلّ الحقائق ذات يوم، ويعرف مثلًا دور "الحزب الأمريكيّ" في مصر، وكان عبد الناصر يسمّيه أقوى حزبٍ سياسيٍّ في البلاد، وسوف يعرف دور "البرجوازيّة العسكريّة" التي هيمنت على السلطة في الجيش والحكومة، التي كانت لا تقلّ عداءً لعبد الناصر عن الولايات المتّحدة و(إسرائيل)، وقد حدث في حرب 1967، ما يندر، وربّما لا يمكنُ أن يحدثَ في أيّ حربٍ أخرى، وقد عرف عبد الناصر بطريقةٍ ما الخطّة الإسرائيليّة بتفاصيلها وموعدها، وجمع كلّ القادة العسكريّين الكبار وأحاطهم علمًا بما لديه من معلومات، ولكنّهم احتفظوا بها لأنفسهم، ولم يبلغوا القادة الميدانيّين... وكانت الكارثة.
مراجع:
1- محمد عودة: كتاب حوار حول عبد الناصر، بحث بعنوان: "عبد الناصر- الثورة مستمرة، دار الموقف العربي- القاهرة، 1981.
2-رفعت سيد أحمد: مقال بعنوان: "هل كان للسعودية دور في هزيمة عبد الناصر عام 1967؟"، الميادين نت، 8 حزيران (يونيو).
3- انظر أمين هويدي: مع عبد الناصر، فصل بعنوان "مفاتيح شخصية عبد الناصر"، دار الوحدة، ط 1، 1980.
4- عليان عليان – مقال بعنوان: هزيمة 1967 من الجذور إلى الأسباب إلى الرد عليها بمواصلة النضال ضد العدو الصهيوني، بوابة الهدف، السبت 12 يونيو 2021.
5- مركز المعلومات الفلسطيني- وفا، فلسطين عبر التاريخ، حرب حزيران 1967.

