لم تُذكر كلمة "المركزية"، أمامي، إلا وسارعت إلى القول: "تنذكر ما تنعاد!" وها هو الصديق العزيز الرفيق غازي الصوراني يحاول إعادتها، من جديد، بينما داخل الصديق العزيز الرفيق أحمد بهاء الدين شعبان، الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، على هذه الإعادة. وخيرًا فعل الاثنان.
قبل حوالي ثلاثة أرباع القرن، حدَّد رفاقنا الصينيون خمسة شروط للنصر: القضية العادلة، والحزب القوي، والقيادة الثورية الحكيمة، القادرة على صياغة برنامج سياسي سليم، ونسج تحالفات صحيحة، محلية، وإقليمية، ودولية. ولا أدري لماذا تغافل هؤلاء الرفاق عن "الديمقراطية أبدًا"؟!
ما دام للحزب السياسي كل هذه الأهمية، فإن حياته الداخلية هي مربط الفرس. وثمة من رأى في "المركزية الديمقراطية" صيغة مُثلى، في هذا الصدد، إلى مَن أقنعته التجارب الحزبية المتوالية، بمدى عُقم هذه المركزية الديمقراطية، في التطبيق.
ما يحدث أن صراعًا يقوم في كل حزب، يكاد يوازي الصراع الطبقي في المجتمع، على ما أكده المفكر الشيوعي الصيني، ليوتشاوتشي؛ فكل عضو يأتي إلى الحزب، متبنيًا مصالح الطبقة العاملة، لكن ليس ثمة ما يمنع العضو المعني من أن يحمل معه- دون أن يرغب أو يدري- بعض أفكار الطبقة التي وفد منها. وليس أمامنا إلا إتاحة، ديمقراطية داخلية رحبة، حتى توظف ذاك الصراع الحزبي لمصلحة الطبقة، وحزبها.
الذي حدث، تاريخيًا، أن قيادات أحزاب عدة أخذت بالمركزية، وتغافلت عن الديمقراطية؛ ساعدها في ذلك قمع السلطة الحاكمة في قطر ها، ما وفَّر ذريعة قوية لتلك المركزية، فتغيب الانتخابات، وتسود التعيينات، التي لا تخلو من محابات القيادة لمهاوديها في الحزب، بهذه الدرجة أو تلك! بينما تقمع الأغلبية الأقلية داخل الحزب، فتتوالد التكتلات، وتتخصَب الأرض للانشقاقات.
الحل، في رأيي، يقيمه في "الديمقراطية الداخلية"؛ وهي تمتلك مركزيتها؛ إذا أنها ليست "هايد بارك"، المفتوحة أبدًا للمناقشات، والخُطب! بل تقتضي الديمقراطية الداخلية طرح الموضوع للمناقشة، وحين تُستوفى هذه المناقشة، ويدلي الجميع بآرائهم في هذا الموضوع، نأتي إلى التوصيت، ونضع حدًا للموضوع.
المركزية ديكتاتورية، لا تليق بحزب أتى لمصلحة الإنسان، وقد علمتنا التجربة بأن المؤتمر الحزبي يسلِّم أمور الحزب إلى لجنة مركزية ينتخبها، التي تُسلِّم، بدورها، هذه الأمور لمكتب سياسي، وتنتهي هذه الأمور إلى يد الأمين العام للحزب. الأمر الذي توالى، خاصة في الأحزاب الشيوعية، التي وصلت إلى سدة السلطة في بلادها.
باعتقادي أن الأمر يتطلب الاستغناء عن المكتب السياسي، والاكتفاء بسكرتارية مركزية تضم مسؤولي المكاتب الأهم في اللجنة المركزية (التنظيم، الدعاية، العمال الجماهيري، والعسكري)، ويترأسها الأمين العام للحزب، وتنحصر مهمتها في: تسيير عمل الحزب (وفق قرارات اللجنة المركزية)، التنسيق بين شتى أنشطة الحزب، ومتابعة التكليفات، والتحضير لاجتماعات اللجنة المركزية للحزب.
أما التنفير من الديمقراطية، بأنها منتَج رأسمالي، فأمر مضحك، كما أن الادعاء بأن تلك الديمقراطية هي ديكتاتورية البرجوازية، نواجه بها نحن بديكتاتورية البروليتاريا!
أعتذر لهذه العجالة، وأشكر مجلة "الهدف"، والجبهة الشعبية، والرفيقين العزيزين: غازي وأحمد، والإخوة القراء، اتساع صدورهم.

