المركزية الديمقراطية أو الديمقراطية المركزية؛ هما شكل من أشكال وحدة الأضداد، يعكس مفهومين متناقضين متلازمين لا يمكن فك أحدهما عن الآخر ولهما تعبيرات وأشكال مختلفة ويحكمها التداخل والتبادل في الأدوار، وهي آلية تحكم التوازن لحل الصراعات والتعارضات الداخلية في الظاهرة على قاعدة وحدتها.
الكثير من الحوارات لم تعطِ هذا المفهوم حقه من ناحية التدقيق في العلاقة المتداخلة والتبادلية بين مفهومي الديمقراطية والمركزية، وسيطرت الرؤية الميكانيكية على مناقشة العلاقة بين المركزية والديمقراطية؛ الأهم أن كل التجارب الحزبية والاجتماعية أتقنت وأبدعت في التنفيذ الحرفي للمركزية، في حين أخفقت بشكل سافر في اتقان ممارسة الديمقراطية، وخاصة التجارب التي كانت من الممكن أن تقدم نموذجًا لتجسيد العدالة الإنسانية التي مدخلها الحرية ومعيارها المشاركة العلمية الواعية في التجربة الإنسانية وظواهرها؛ إن كانت اقتصادية أو سياسية أو حزبية أو مدنية.
إن الشرط الأهم لممارسة الديمقراطية المركزية يتعلق في إدراك مستوى التطور الثقافي والاجتماعي في البيئة التي سيعمل فيها القانون، حيث أن هذا القانون يعمل بشكل عام في الظواهر السياسية والاجتماعية ومؤسساتها الحزبية والمدنية والدولية وله آليات للعمل يحكمها توازن القوى داخلها، هذه القوى التي تعبر عن مصالح دولية أو إقليمية أو اجتماعية أو فكرية، تعكس التناقض في المجتمعات الإنسانية.
إن مفهوم المركزية الديمقراطية أو الديمقراطية المركزية؛ يحكم نظام الدولة الاجتماعي الاقتصادي بغض النظر عن شكله إن كان رأسماليًا أو اشتراكيًا،
ومن حيث المظهر العام، فإن الشكل المركزي هو الذي يطغى على النظام الاقتصادي وشرط نجاحه واستمراره واستقراره وتطوره؛ مرهون بمدى وعي أهمية ممارسة الديمقراطية الاجتماعية والسياسية التي تطلق الطاقات الإنسانية الواعية التي تساهم في بناء وتطوير أدوات ووسائل العمل الديمقراطي، لتعزيز بنية المجتمع الديمقراطي كشرط لنجاح حل التعارضات من أجل تطور واستقرار الدولة.
يعتبر المجتمع ديمقراطيًا إذا ما حكمت العلاقات الديمقراطية مؤسساته التعليمية والثقافية والمدنية، والعلاقات الديمقراطية بين مكونات الدولة يجب أن تكون محمية ومجسدة بشكل قانوني لا لبس فيه، بحيث يخضع الجميع للمساءلة القانونية؛ بغض النظر عن موقعه أو منصبه في المؤسسات العامة والخاصة والمدنية. فإذا ما أخذنا على سبيل المثال الظاهرة الحزبية على وجه الخصوص وتجاربها الناجحة والفاشلة، فإن هذا القانون ومدى الإبداع والإخفاق في تطبيقه هو الذي كان سببًا للنجاح أو الفشل.
بالرغم من أن المركزية الديمقراطية مقرة في جميع الأحزاب والقوى إلا أن عدم وعي العلاقة المتبادلة فيما بينها، كان سببًا في العديد من الأزمات التي حكمت الظواهر الحزبية. فالفصل الميكانيكي التعسفي بين المركزية والديمقراطية وعدم إعطاء أهمية لمفهوم تبادلية الثابت والمتغير في الترابط بين وحدة المركزية والديمقراطية وأهمية علاقاتها بعامل الزمان والمكان؛ أدى إلى سيادة المركزية وتغييب الديمقراطية، وفي بعض التجارب تحولت المركزية الديمقراطية إلى مركزية بيروقراطية؛ أدت إلى فشل التجارب لأحزاب عريقة كانت تقود دولًا.
إن التطبيق الواعي الخلاق لجدلية العلاقة له أهمية استثنائية، لإدراك ارتباطهما بعامل الثابت والمتغير وأهمية استيعاب ارتباطهما في المكان والزمان الدائم، من حيث أهمية وعي جدلية العلاقة بين الديمقراطية كمظهر ثابت أما المركزية هي العامل المتغير في العلاقة.
بشكل أوضح يعني أن العملية الديمقراطية يجب تكون هي المظهر العام في العلاقة، من حيث الحوار ومناقشة التطورات التي تتغير بشكل يومي ولحظي، الشيء الذي يتطلب أحيانًا تغيير في المواقف لكي تتلاءم مع المعطيات والمستجدات.
في أكثرية التجارب التي فشلت تم التمسك بالمركزية كعامل ثابت في حين الديمقراطية عامل متغير، بحيث تحولت المركزية الديمقراطية إلى مركزية بيروقراطية وأصبح الجهاز البيروقراطي هو المتحكم في التجربة، مما أدى الى فشلها.
الحزب أداة للتغيير السياسي تحكمه فكرة يسعى إلى تطبيقها، وفي هذا السياق الفكرة بالضرورة يجب أن تتحول إلى مجموعة من الأفكار والآليات اليومية أطلق عليها برامج تتضمن شعارات استراتيجية وآنية. الشعارات الاستراتيجية هي العامل الثابت، أما المتحرك فهي الشعارات الآنية التي يجب أن تخضع بشكل دائم للتقييم الديمقراطي ومدى إمكانية وإبداعية تنفيذها.
إن تنفيذ البرامج يرتبط بالعامل البشري الذي يجب أن يخضع بشكل مرحلي ودائم لتقييم ديمقراطي، لاستخلاص مدى ملائمته لتنفيذ المهام وبقدر سرعة التقييم؛ بقدر ما تكون هنالك إبداعية في تنفيذ المهام وتطويرها الدائم وهنا يلعب عامل الزمان والمكان أهمية قصوى، حيث يعني الزمان أن يكون هناك استجابة فورية لِتقييم تنفيذ المهام الخاصة والعامة؛ ارتباطًا بظروف المكان، من حيث مستوى الوعي الاجتماعي والسياسي، أما عامل المكان فيكتسب أهمية قصوى في الخصوصية الفلسطينية؛ بسبب الشتات الفلسطيني وتنوع المجتمعات الحاضنة له وانعكاساته على ظروف حياته كافة.
وبهذا الصدد أود أن أشير إلى رأي أحد المسؤولين الحزبيين الذي تفاخر أن هناك نسبة عالية جدًا في عملية تجديد عضوية الحزب، لكنه لم يوضح: هل يقصد ازدياد العضوية العامة؟ أم ازدياد الأعضاء الجدد ونقصًا في العضوية العامة للحزب؟ وتناسى أن التجديد الذي يطرحه جاء على حساب مغادرة ملحوظة لكادر الحزب المجرب، وبذات الوقت الصمود الأسطوري المتكرر للسقف القيادي الذي لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر وهو كشخص جزء منه.
باختصار كان القائد ومن معه هو العامل الثابت والقاعدة هي المتغير وهذا عكس الطبيعة الديمقراطية، بمعنى العامل الثابت الفاعل هو سيادة الميكانيزم الديمقراطي والمتغير هو السقف القيادي.
بهذا المثال تجسد ثبات المركزية وتغييب الديمقراطية التي أدت إلى ضمور تأثير الحزب وافتقاره للقراءة الواعية المجربة في المكان عبر الزمان؛ بسبب غياب أحد أهم عناصرها الذين حملوا التجربة ومن خاضها وتم الاستهتار بعامل الزمان وضياع القراءة الصحيحة للتجربة، وتجلت أعتى أشكال المركزية المرتبطة بالفرد الذي ربط تطور الحزب بمدى تطور وعيه ومن معه.
إن معظم التجارب في الدول ارتبط نجاحها وفشلها بالشخصية الفردية؛ فالنجاح كان عندما يمتلك السقف القيادي المعرفة الواعية والفشل عندما يكون السقف القيادي غير مؤهل، مما يؤدي إلى إطلاق العنان للفردية وعبادتها التي أدت إلى الاستبداد والديكتاتورية؛ إن كان على مستوى الدولة أو الأحزاب.
وفي هذا الصدد، فإن أي قراءة دقيقة لإدراك الأساس المعرفي لِلفردية والديكتاتورية وعبادة الفرد يكمن في الثقافة الموروثة، وخاصة الدينية منها. أما عن أن الديمقراطية هي مفهوم رأسمالي، فهذا غير صحيح، حيث ظهرت ما قبل ظهور الرأسمالية، وتجلت في الثقافة اليونانية القديمة، حيث حملت ثقافة تعدد الآلهة اليونانية ديموقراطية الآلهة؛ فكانوا يتصارعون ويتفقون، وظهر تفسير يوضح أن الصراع بين البشر هو انعكاس لصراع الآلهة، وعندما توحدت الآلهة كانت الأساس المعرفي لظهور النزعة الفردية الاستبدادية والديكتاتورية، باعتبار أن الحكام والمسؤولين ينفذون حكم الإله على الأرض.
إن الديمقراطية المركزية وبقية الأسس التنظيمية الأخرى، من حيث النصوص القانونية هي صحيحة، ولكن الخلل دائمًا كان وسيبقى طالما غاب الوعي لضرورة ممارستها الواعية وإدراك عمق جَدَلِيَتَها وأهمية احترامها كَقانون داخلي في الدولة والحزب والمؤسسات والاقتناع بأن العملية الديمقراطية هي العامل الدائم الثابت والمركزية هي العامل المتغير الذي يجب أن يخضع لمساءلة ديمقراطية دائمة وثابتة وواعية.

