"الثورة هي عِلم، ولهذا العلم قوانينه وتجاربه ودروسه،
ولا ريب أنه من دون استيعاب هذه القوانين والتجارب والدروس،
تُصبح "النيّات" وحدها هي البوصلة العاجزة التي تُعَرِّضُ المسيرة للخطأ والارتباك،
إن لم نقل للتعب والانحراف"
خمسون عامًا؛ نصف قرنٍ بالتمام والكمال، انقضت على العمليّة الغادرة التي نفَّذها جهازُ "الموساد" الصهيونيّ، وانتهت باستشهاد "غسّان كنفاني" وابنة أخته "لميس" عن طريق تفجير سيارته، بحي الحازميّة في بيروت، لكي تقضي ـ ظاهريًّا ـ على مَن وصفته "جولدا مائير" بأنه: "جيش بأكمله"، فإذا به يتحدّى الموت، ويواجه الزوال، بخلودٍ لا شُبهةَ فيه، عَلَمًا على النضال، ورمزًا لصمود شعبه وتحديه، وقدرته الأسطوريّة على البقاء والمقاومة.
كان "غسَّان" دولابَ عملٍ وإبداعٍ لا ينضب، تخطف موهبته الفذّة الأبصار، وتشدّ الانتباه منذ الوهلة الأولى، وقدرته هائلة على العمل والإبداع؛ ومهارته البادية وغزارته وتدفقه، وكأنه يغرف من معين ثَرٍّ لا نهائي، باديةً للعيان، وبصورةٍ طبيعيّةٍ لا اصطناع فيها أو تَكَلُّف، فهو يكتب المقال السياسي، ويُمارس النقد الأدبي، ويصوغ اللقطة الساخرة، ويُسجِّل التعليق اللمّاح، ويرأس الصحف والمجلّات، ويخوض غمار معارك السياسة والفن والأدب، ويُدلي بدلوه فيما يحدث من وقائع ويقع من تطورات، ويُشارك عن معرفة في غمار المُنازلات والمُناقشات، ويُحاضر ويُناقش، ويؤلّف الروايات والقصص القصيرة والمسرحيّات، ويُبدع اللوحات التشكيليّة الموحية، وفي كلّ ما تقدّم كانت بوصلته واضحة، واتجاه وجدانه ووعيه مُحددان تحديدًا لا خلط فيه، فلسطين: المهد واللحد؛ والمبدأ والمُنتهى.
ولعلّنا لا نتجاوز، كثيرًا أو قليلًا، حينما نؤكّد على أن "غسان" بما قدمه من مُساهمات بالغة الأهمية، وعلى كل الأصعدة التي أشرنا إليها، إنما كان أحد أهم وأبرز المُشاركين في تشكيل الهوية الفلسطينية المُعاصرة، ونقلها من مستوى التعبير عن "حالةٍ" إنسانيّةٍ حزينة، تستدعي الشفقة وتستحقّ الرثاء، كما كان يريد لها أعداؤها، إلى هُويّةٍ مُناضلةٍ تُوجبُ الاحترام، وتستجلب التقدير.
كذلك كان "غسّان" صاحب فضلٍ كبير، في "أنسنة" الفلسطيني المُستحدث، وَرَدَّهُ من هُلام الوهم و"الأسطورة"، إلى عَالم الواقع والملموس، أو كما يقول الباحث "أنطوان شلحت": "من فضاء التجريد إلى أرض التحديد"، هذا "التجريد" الذي صور "الفدائي" المُناضل صانعًا للأعاجيب ومُجترحًا للمُعجزات، وجسَّده في صورة البطل المُغوار الذي لا يُقهر ولا يُشق له غُبار، حيث جرى إعادته إلى أرضية الإنسان المُناضل، صاحب القضية العادلة، الذي يُعاني ويتعذب، ويدفع ثمن جريمة بشعة لم يرتكبها، ويموت وهو يواجه مصيره مكلومًا ومُختنقًا، لكنّه يصمد ويُقاوم، ويكبو وينتصب، ويدفع الثمن ولا يهرب من أداء واجبه، وهو لهذا يستحق التقدير، ويستأهل الدعم والمُساندة، حتى يسترد حقه المُغتصب، ويستعيد أرضه؛ "أرض البرتقال الحزين" التي سُلبت منه.
وإذا كانت موهبة "غسّان" الإبداعية الطاغية قد غطّت في كثيرٍ من الأحيان على دوره السياسي البعيد الأثر في الواقعين: الفلسطيني والعربي، فالمؤكّد أن دوره السياسيّ المشهود، ليس ككاتب كبير في هذا المجال وحسب، وإنما كقائد وكادر طليعي، ومُمارس رفيع المقام، لعلى درجة كبيرة من الأهمية والاعتبار، ورغم ما يتبدى من قراءة ودراسة كتاباته السياسة، وجانب مُهم منها موثق في المُجلَّد الخامس من أعماله التي نشرتها "دار الرمال"، (مؤسسة غسّان كنفاني الثقافية، الطبعة الأولى، بيروت، 2015)، ويعكس موقفه النقدي، وأحياناً المُعادي أو المُتحفظ تجاه المؤسسات والأحزاب وسياسات الدول الشيوعية، في الستينيات، بسبب الخلافات مع التيار القومي العربي، وحركة القوميين العرب، في قضايا الوحدة، ومفهوم القومية، وغيرها من القضايا التي شاعت في تلك المرحلة قبل التحولات الأيديولوجية والفكرية للحركة، إلّا أنه لم يستنكف من الاستناد إلى ما أبدعته قريحة المفكرين والقادة الماركسيين والشيوعيين: "كارل ماركس" و"فريدريك إنجلز"، و" لينين "، و"ماو تسي تونج" و"هوشي منه"، وغيرهم من القادة والمفكرين والأيديولوجيين الماركسيين الكبار.
"ثورة 36 ـ 39 في فلسطين: خلفيات، وتفاصيل، وتحليل"
ويبدو ذلك جليًّا، على سبيل المثال، في تناوله الطبقي للمجتمع الفلسطيني، في دراسته الطليعية: "ثورة 36 ـ 39 في فلسطين: خلفيات، وتفاصيل، وتحليل"، فهو يستند في هذه الدراسة إلى المنهج الماركسي في التحليل الاقتصادي ـ الاجتماعي لطبيعة ومواقف وانحيازات الطبقات في فلسطين، في تلك الآونة: "إن التحول في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين، والذي كان يحدث بسرعة مُذهلة، كان يصيب بالدرجة الأولى القطاع اليهودي على حساب البورجوازية الفلسطينية المُتوسطة والصغيرة وخصوصاً على حساب الطبقة العاملة العربية، إن تحول الاقتصاد من إقطاعي إلى رأسمالي كان يجري بتمركز مُتزايد في يد الحركة الصهيونية وبالتالي في يد المجتمع اليهودي في فلسطين. وقد نتج عن ذلك ظاهرة مُلفتة للنظر: فأصوات المُهادنة العربية التي أخذت تظهر منذ الثلاثينات وأوائل الأربعينات لم تكن أصوات أسياد الأرض والفلاحين المتوسطين بصورة عامة، ولكنها كانت أصوات كبار بورجوازيي المُدن العرب الذين كانوا مُجرد وسطاء للإمبريالية، والذين بدأت مصالحهم تتسلق المصالح المتسعة للبورجوازية اليهودية الآخذة في شق طُرق التصنيع، خالقة في الوقت ذاته وكلاءها".
ثم يعمد "غسان" إلى تقديم تشريح طبقي لأوضاع الطبقات الاجتماعية الفلسطينية: العُمّال، الفلاحون، المثقفون، بانياً على هذا التحليل الفهم الموضوعي لحدود نضالية وثورية هذه الطبقة أو تلك، وإمكانات الرهان على نضاليتها في سياق نهوض الكفاح الوطني والقومي ضد الصهيونية والإمبريالية في فلسطين والمنطقة، وفي الانتماء لقوى الثورة الفلسطينية والانخراط في المعركة أعوام (1936 ـ 1929).
وهو ـ تأسيساً على ما أشرنا إليه سابقاً من مواقف مُتحفظة تجاه الأحزاب والقوي الشيوعية، بسبب الصدام بين الحركتين: القومية والشيوعية، على خلفية الموقف من الوحدة المصرية السورية وقضايا أخرى ـ يجنح في هذه الدراسة، بموضوعية، إلي انتهاج موقف أرحب وأكثر تفهمُّاً لدور الشيوعيين الفلسطينيين الذين: "ألقوا بكل ثقلهم في معركة 1936، وأخذوا مواقف شجاعة وتعاونوا مع بعض القادة المحليين، وأيَّدوا المفتي، وخسروا كثيراً من الشهداء والمعتقلين"، على الرغم من كونهم: "لم يفلحوا في أن يكونوا قوة مؤثرة"، وأن حزبهم، "الحزب الشيوعي الفلسطيني": "لم يلعب في الحركة النضالية الفلسطينية في تلك الفترة الدور الذي رشَّحه له مؤتمره السابع"، مُرجعاً السبب الرئيس في هذا الضعف إلى شيوع "الانقسامية" داخل الحزب، التي أدت إلى : "انشطار الحزب من القاعدة خلال ثورة 1936، وتعرُّضه لانشطار آخر، قاعدي، في 1948، وفي 1965 انشق مرة أخرى، والسبب بالضبط يتعلق بمسألة "التعريب"، إذ أن المُنشقين كانوا من دعاة تبني سياسة "بنّاءة" إزاء الصهيونية"!
وهو يخلص، في النهاية، إلى تفسير طبقي ماركسي لتصدُّر القيادات المُحافِظة، التقليدية، الدينية والإقطاعية، حركة الثورة حين تفجّرت عام 1936: "وبالرغم من الدور الثقافي الذي لعبه الحزب، والعناصر المُناضلة في هذا الصعيد التي أنتجها، فإن غياب دور الحزب الشيوعي على هذه الصورة، وضعف البورجوازية العربية الصاعدة، وتشتُّت الحركة العمالية العربية، جعل دور القيادات الإقطاعية ـ الدينية مُرَشَّحاً للعب دور رئيسي عندما تصاعدت الأحداث إلى انفجار 1936".
التركيب التحتي للثورة: وثيقة عن السلاح التنظيمي
وتبدو دراسة "التركيب التحتي للثورة: وثيقة عن السلاح التنظيمي"، مُعبِّرةً تعبيراً دقيقاً عن نضج وتبلور فكر غسّان كنفاني، كقائد سياسي مُحنك، مؤمنٌ بأن: الثورة عِلم، والفوز في الكفاح ضد الصهيونية والإمبريالية رهنٌ بإتقان القوى المناضلة، في فلسطين والوطن العربي، بل وفي العالم أجمع، لخفايا وأسرار هذا العِلم، الذي كفل لكل القوى الثورية التي مارسته بفهم، تحقيق الانتصار، وهي رسالة مكتوبة بلغة سهلة وبسيطة وواضحة، بلا تعالمٍ أو ألغاز، هدفها واضح: الوصول لوعي وإدراك المُتلقي، والتأثير الإيجابي فيه، وهنا تبرز سمات "غسّان" كقائد سياسي أصقلته التجربة ومرارة الصراع، رغم صغر سنه النسبي، ومنحته القدرة على النفاذ لعمق الفكرة والإمساك بتلابيب الحقيقة.
يلمس "غسّان" في مُفتتح دراسته أهمية ومحورية المسألة التنظيمية في الثورة، فهي "عند – لينين - أحد الشروط الأساسية للثورة، وعند - ماو تسي تونج - الجسر أو القارب الذي يصل بين ضفة المعرفة النظرية وضفة المُمارسة، ويُقرر - ستالين - أنه: "من دون تنظيم (مُكافح ثوري، شُجاع، مُجَرِّب، مرن) لا يُمكن التفكير في القضاء على الإمبريالية"، ويُقر الأمريكيون بأن السلاح الأقوى الذي يواجههم وخصوصاً في فيتنام، وفي جنوب شرق آسيا عموماً، هو التنظيم الذي تبلغ مرونته وشجاعته حداً يُسقط المُعتدين في فخ وراء الآخر".
ويصل "غسّان" في ضربة قلم واحدة، إلى صُلب أزمة الحركة الثورية العربية، قاطبةً، والتي تفاقمت واستفحلت نتائجها، بعد خمسين عاماً من رحيله:
"وبالنسبة إلى ما يُسمّى - العالم الثالث -، فإن الحاجة إلى التنظيم تُصبح ذات قيمة مُضاعفة: فليس مُهمة هذه الآلة التنظيمية مواجهة العدو القومي والطبقي ودحره فحسب، بل أيضاً عليها أن تكون في الوقت نفسه حصينة ضد سيول من أمراض المجتمعات المُتخلفة ونقائصها، ومنيعة ضد تمكن هذه الأمراض، الضاربة جذورها عميقاً في المجتمع، من التسلل إلى تركيبها ونخر أُسسه وقواعد عمله وقنواته"!
"في المسيرة النضالية العربية، كانت المسألة التنظيمية على الدوام نقطة الضعف القاتلة"!
هكذا تكلم القائد "غسان كنفاني" بعد نصف قرن من رحيله، فما أشد حاجتنا إلى إعادة قراءة تراثه، والعمل بوصاياه.

