Menu

حول راهنية مبادئ ثورة ٢٣ يوليو

عليان عليان

جرت العادة في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيد، بقيادة خالد الذكر جمال عبد الناصر التعامل معها كمناسبة وطنية وقومية، والتغني بتاريخ انقضى، دونما الإجابة على أسئلة محددة متعلقة بمدى راهنية الثورة ومبادئها، ودورها في استنهاض الأمة العربية وفق مشروع تحرري قومي، وكذلك دورها على الصعيد الإقليمي والدولي.

ونحن نتحدث عن راهنية الثورة، لا بد أن نذكر مسألة "الدوائر الثلاث" التي حددها عبد الناصر كأولويات ل مصر الثورة، أن تتحرك فيها في أول كتاب له "فلسفة الثورة" وهي الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الأفريقية، تلك الدوائر التي طورها لاحقاً لتشمل "منظومة دول الحياد الإيجابي" في مؤتمر باندونغ بأندونيسيا، في إبريل عام 1955، الذي شارك فيه 26 دولة من بينهم رؤساء كبار، مثل سوكارنو ونهرو وتيتيو، وتبنى فيه المؤتمر مجموعة من القرارات لصالح القضايا العربية وضد قوى الاستعمار.

لنتوقف ابتداءً أمام المبادئ الستة التي طرحتها الثورة عام 1952 وطورتها عبر قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961 وطبقتها على أرض الواقع وهي: القضاء على الإقطاع/ القضاء على الاستعمار/ القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم/ إقامة حياة ديمقراطية سليمة/ إقامة جيش وطني قوي/ إقامة عدالة اجتماعية.

هذه المبادئ في التقدير الموضوعي ما زالت راهنة، بعد أن تم  الارتداد عليها من قبل نظام السادات وبقية حلقات كامب ديفيد الحاكمة في مصر، فالملكيات الكبيرة عادت للإقطاع بعد ارتداد السادات  ومن خلفه عن قوانين الإصلاح الزراعي، والاستعمار عاد إلى مصر من خلال نهج التبعية ،ورأس المال بات هو الحاكم من خلال قوى الكومبرادور وممثليها في السلطة، والديمقراطية القائمة في مصر اليوم هي ديمقراطية ليبرالية زائفة لا ترتكز على الديمقراطية الاجتماعية، والجيش الوطني وإن كنا لا يمكن أن نشك في وطنية، بات جهازاً مهنياً في يد القوى الطبقية الحاكمة، ناهيك أنه بات يشكل ثقلاً ذي مغزى في الاقتصاد المصري، والعدالة الاجتماعية تبخرت في ظل الانحسار الهائل لدور القطاع العام والتوزيع البائس للثورة بعد التخلص من النهج الاشتراكي الذي أرسته ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر.

ولم تضرب مبادئ يوليو الستة فحسب، بل صفيت أيضاً قوانين يوليو الاشتراكية وتطبيقاتها، وما نجم عنها من تنمية مستقلة وطبقة عاملة مصانة حقوقها، وتصنيع ثقيل لتصنيع آلات وماكينات المصانع الاستهلاكية، للتخلي عن استيرادها من الخارج، والتنمية المستقلة ضربت ببيع مصانع القطاع العام للقطاع الخاص وتصفية الإصلاح الزراعي وصفيت كذلك منجزات بيان (30) مارس بعد حرب 1967، والذي كان في محصلته "ثورة في الثورة".

والدوائر السابقة للثورة التي حددها عبد الناصر، ضربت في الصميم، فبعد أن لعبت الثورة دوراً ريادياً وقائداً على الصعيد القومي، وعلى الصعيدين الافريقي والإسلامي والأممي، أصبحت في مربعة التبعية للغرب الرأسمالي، ولدويلات النفط وصديقاً للكيان الصهيوني، بعد أن كانت العدو اللدود للكيان الصهيوني ورافعةً للواء القضية الفلسطينية.

ما تقدم ينبغي إعادة الاعتبار لمبادئ وثوابت ثورة 23 يوليو، دون الارتهان لمقولات من نوع أن هذه المبادئ والمتركزات لا تصمد في ظل تطورات العولمة، تلك المقولات التي أثبتت زيفها في ظل التطورات في أمريكا اللاتينية، وتمكن العديد من القوى الثورية والتقدمية من الوصول إلى سدة الحكم، وأمثلة فنزويلا وبوليفيا، والأوروغواي وغيرها ماثلة أمامنا.

صحيح قد يطرأ تغيير نسبي في التطبيق على مبادئ الثورة، في ظل المتغيرات الجديدة، دون الاخلال بجوهرها، ما يقتضي تطوير هذه المبادئ إلى نظرية ثورية قابلة للتطبيق   والاستفادة من المحاولات النظرية الجادة، من قبل منظرين قوميين وناصريين أمثال عصمت سيف الدولة "نظرية الثورة العربية" وعبد الله الريماوي "الحركة العربية الواحدة" التي رغم أهميتها لم تأخذ طريقها للتطبيق، وظلت حبيسة الكتب والمكتبات، فأي نظرية – مطلق نظرية – تثبت صحتها من خلال التطبيق العملي الذي قد يكشف ثغراتها ويغنيها.

ويبقى السؤال الأهم، يكمن في الأداة التي تحمل لواء المشروع النهضوي القومي الناصري وهنا لا بد من وقفة نقدية أمام مسار الأحزاب الناصرية، في مصر والدول العربية، فهذه الأحزاب فشلت في خلق حالة التفاف جماهيري حولها، وظلت أسيرة حالة نخبوية برجوازية صغيرة في المدن، ولم تغادر حتى اللحظة السياق المطلبي، ولا يمكن في ضوء برامجها وصفها بأنها أحزاب ثورية وطليعية، ناهيك أنها باتت تعيش حالة تنافس مرضي فيما بينها، وبعضها بات أقرب للنظام من قربه لبقية الأحزاب الناصرية في هذا البلد أو ذاك.

وختاماً: في الذكرى أل (70) لثورة يوليو الخالدة، لا بد من إعادة  الاعتبار للقضية التنظيمية ممثلة "بالحزب الطليعي" الذي عمل عبد الناصر على إنجازه، من خلال توحد الأحزاب الناصرية في حزب طليعي واحد، والانتقال من المنظور الاصلاحي إلى المنظور الثوري، وما يقتضيه هذا الانتقال من دفع أثمان كبيرة، والبناء على منجزات الثورة في السياقين القومي والاشتراكي، في ضوء المتغيرات الجديدة، ولا بد من تظهير شعار الحركة العربية الواحدة ووضعه في السياق النظري المطلوب، واشتقاق البرنامج المطلوب الخاص الذي يعالج سائر المهمات الوطنية والقومية والتحالفية، والتصدي لنهج الصهينة التطبيعي ولنهج التسوية التصفوي للقضية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها القضية المركزية للأمة العربية.