يقول الكاتب المصري الشهير "نجيب محفوظ": السجن كالجامعة مفتوح للجميع، وأحيانا يدخله إنسان لنبل في أخلاقه لا لاعوجاج"، تلك الكلمات كأن محفوظ يخاطب فيها الفلسطيني أولاً، الفلسطيني أبداً، وأكثر من ذلك كأن محفوظ كان يدرك ما ستقوله والدة الأسير "نضال أبو عكر" عندما سٌألت عن الاعتقالات المكررة بحق ابنها "نضال"، حيث قالت: "غداً سنموت جميعاً، ما هو الأفضل أن يقولوا هذه المرأة قاتلت، وأبنائها منهم من أستشهد، ومن هو في المعتقل؟ أم يقولوا أن أبنائها كانوا متخاذلين "عصافير" للاحتلال؟ أنا أفتخر أن أبنائي في السجن، لأنهم قاتلوا في سبيل فلسطين، يمارسون أخلاقهم، وقناعاتهم، أن الأرض لنا، وعكا، وحيفا، وصفد، نعم صفد بالذات هي لنا، وعلينا أن ندفع أبنائنا للقتال".
ليست المرة الأخيرة ربما الي يُعتقل فيها "نضال أبو عكر"، قطعاً طالما هناك احتلال، سيكون هناك اعتقال أخر ينساب بين تفاصيل الحياة اليومية لعائلة نضال، كأن الاحتلال هنا يحاول اقناع نضال أنك خلقت للسجن، ولكن الأخير في كل مرة يقتحم فيها الجنود البيت يقتنع أكثر أن المشكلة ليست مع الرصاص، ولا مع الاستيطان، ولا الحواجز، ولا الاعتقال... بل المشكلة مع وجودكم كفكرة، ولذلك سنحارب هذه الفكرة، نفتتها، حيث الفكرة هنا جعلت من وجودنا لاجئين داخل وطننا، ولأجل ذلك حتماً سوف نستعيد فكرتنا الأولى، وهي الوطن.
يتحدثون دائماً عن "نضال"، القائد، الأسير، الصحفي، ولكن هذه المرة نتحدث عن "نضال أبو عكر" الطفل، والقصد هنا "طفل الحجارة"، الذي جاء الجنود من شتى بقاع العالم ليعتقلوا طفلاً حتماً كان سلاحه الوحيد حجر صغير اختطفه وخبأه في جيبه كقطعة حلوى، ليقذفه في وجههم، معلناً منذ عام 1984شعاراً كانت والدته تقوله دائماً: "أن الصغار يأتون أقوى من الكبار"، وكان في هذا العام لم يبلغ 14 عاما.
توالت الاعتقالات بعد ذلك، حتى أصبح قانون الاعتقال "الاداري" يلتصق في حياة هذا الطفل، حيث في لحظات الاعتقال كان يتمنى "نضال أبو عكر" لو كان قطعة خشب، ولكنه يدرك حتماً أنه سوف يحترق في مدفأة بيت رجل سياسي يحترق شعبه من أجل تلميع حذاءه، أو ربما يحترق بسبب قنبلة فسفورية كان القصد منها إحراق طفل يلعب تحت هذه القطعة، وربما أكثر يحترق بسبب شخص مجنون يٌشعل فيه النار داخل مقبرة محاولاً تدفئة الموت، ليس ذلك فقط بل ربما يحترق بسبب أعقاب السجائر الممزوجة باحتراق داخلي، ولكنه كان يفهم جيداً، ومؤمناً أن الاحتراق واحد حتى لو تعددت الأسباب، وكل ما علينا فعله أن لا نحترق بالمجان، خصوصاً في السجون، وأكثر أن لا نحترق بهدوء، بل بضجيج.
لم يكن السجن في حياة هذا الطفل مجرد أبواب مغلقة، وقضبان من الحديد، وسجان يمارس كل أنواع الإرهاب النفسي باسم التوراة، ولم يكن السجن أيضاً مجرد زنزانة، وبرش، وفوره، وبوسطة، ومحكمة عسكرية، بل كان السجن هو حرمان هذا الطفل من الحصول على دراجة هوائية، وأن يلعب بين أزقة الحي لعبته المفضلة، مثل أن يلعب لعبة " طاق طاق طاقية" ويغني مع أصدقاءه الأطفال "طاق طاق طاقية.. رن رن يا جرس.. حول واركب ع الفرس..".
وبالإضافة إلى ذلك كان السجن هو فقدان تلك اللحظة التي يعود فيها إلى البيت وملابسه متسخة، وتقوم والدته بضربه، إلى جانب ذلك كان السجن هو غياب لحظة الحب الطفولية لأبنه الجيران ربما، أو تلك الطفلة في رياض الأطفال، حيث جاء الجنود واعتقلوا السرير، والوسادة، التي كان يحلم معهم بوردة صغيرة يقطفها كهدية لتلك الطفلة، لقد كان السجن هنا اعتقال الحلم.
وكان السجن أيضاً هو التعبير المكثف لغياب اسم الطفل "نضال" من دفتر تسجيل الحضور والغياب على طاولة مدير المدرسة، حيث هنا "نضال" لا يأتي حاملاً حقيبته المدرسية التي تحتوي على كتاب التاريخ، والجغرافيا، والعلوم...، بل وتحتوي على دفتر الحساب الذي قام بتجليده كما قال لهم المدرس، وأكثر تلك الحقيبة التي تحتوي على المسطرة، وعلبة الهندسة، ودفتر الرسم، وعلبة الألوان، وقلم الرصاص.
وفي العمق كان السجن هو الحرمان من أن يقف "نضال" على سطح منزله ممسكاً خيط الطيارة الورقية، والتي قام بوضع صورة شقيقه الشهيد "محمد أبو عكر" عليها، ويغني أغنية "الطفل والطيارة" لمارسيل خليفة:
كان في مرة طفل صغير…
عم يلعب بالحارة… عم بيفتش على خيطان تيطير طيارة
إتطلع بالجو وقال… مدري شو عم يلمع
شوفوا شوفوا الطيارة…
جاي لعندي طيارة.
هاي طيارة كبيرة ما بدى خيطان…
وجوانحها أكبر من بيت الجيران…
فرفح قلبو وطار… على جناح الطيارة
والسما كلها أسرار… حكيتله أسراره
وقف بالساحة ينده رفقاته…
كان هدير الطيارة أقوى من كل الأصوات
تجمعوا الولاد… وفاتوا باللعبي…
وهزت البلاد… قصة متل الكذبة.
والهدير تحول لدخان كبير… ومدري شو صار…
دق النفير.
الطيارة الحاملي قصص وأشعار…
شعلت الأرض وهدمت الدار…
وهدمت الدار… وهدمت الدار
طارت الحدود…
حدود الولدني… برق ورعود تقصف على الدني
طارت اللعبي… وطارت معها القصة…
وصاروا الولاد شقفة من القصة.
القصة مكتوبي على سطيحات الضيعة…
والضيعة الهيوبي ولعت مثل الشمعة
والشمعة بتضوي… والصرخة بتدوي.
يعتقد "نضال" أن هذه الطيارة، هي طيارة الحرية فوق بيوت مخيم "الدهيشة"، ولأجل هذه اللحظة، ومع كل اعتقال يغني "نضال أبو عكر" محاولاً نسيان الجنود، ونسيان الحرمان من لحظة رؤية الطيارة تلامس سطح السماء، مستعيد الطفولة، ومستعيد فرحة طفل لن يقتلها السجان أبداً.

