الزلازلُ تترعرعُ في عيونِ الزمنِ العربيّ! ولأنَّ أقدامنا العارية قد وصلت إلى آخر الدنيا، ها هي الأسئلة، وأيضًا الأجوبة، التي أنفقنا عليها ماء عيوننا قد وُضِعَت في صالونات التجميل؛ لأنّ الحكام العرب، يحلقون ذقونهم، بأحدث الصواريخ الأمريكيّة العابرة لأجسادنا... إنّه الهذيان العربي الكبير الذي يقرع الطبول ليهزّ جثثنا القاحلة، وشئنا أم أبينا، يهزّ أيضًا ذلك الوعي القديم الذي لا يحتاج إلى أيّ شيءٍ يصبح ناطقًا، وكأنّ ذلك يكفينا، أنّنا أصبحنا على مفترقِ الطرق، بين الفجيعةِ والفجيعة، وبين الهزيمةِ والهزيمة.
الشعراءُ العربُ تهتزُّ عظام قصائدهم باتجاه آخر! المفكّرون العرب تهتزّ نظرياتهم لإطلاق سراح الذي يلوّح بيديه للريح، وللأفق، وللحلم، والخطايا. المبدعون أيضًا تهتزّ أياديهم من أجل النهوض بالمعرفة النهضويّة وتحرير أنفسهم من التأويل والدلالات الإبداعيّة لتأسيس فهمٍ جوهريٍّ لإبداعهم وكينونتهم باتجاه آخر، كي لا يصرخ أحدنا في وجه زبائنه، وتسقط الهياكل العظمية القديمة الساقطة.
أوّل هديّة أقدمها للزمن العربي، مجموعة من الألبسة الداخلية النسائية الهائلة لجسده، وأعرف أنّه لا يريد أكثر من نصف امرأة.. وغالبًا لا يخرج من رفاته بين الحين والآخر، ليظل محتفظًا ببعض أصابعه في الفِراش.
هل يحتاج الماضي العربيّ لسلّة من العيون كي يقف على قدميه؟ أو يختبئ بين المرايا؟!
نظريًّا الماضي هو قبيلة من الزجاج، وتفاح الخلاص.. وما وراء الأكمة.. هناك من يغتسل بالحجارة أو يقطع الجمر، لنكتب كلّ ما نكتب بالسيف، أو بظلال السيف، ولا ينفع أن نمزج الصدأ بالدهشة، والوحل بالفلسفة، وتبادل القبلات القاتلة عبر الثقوب.
العربيّ لا يعترف إلّا نادرًا أنه يتكلّم عن ذاته، وأن أفكاره تخصّه وحده ثم يرفع وجهه للسماء ويدعو ربّ السماوات والأرض بحديث مبهم عن كائنات استبدلت أجسامها بأجسام أخرى، وأخذت بعد أشكالها الأولى، أشكالًا جديدة.. تمامًا تشبه الأحصنة الشائخة.
إن شبابيك المجد التي كانت مشرعة لنا، كانت مشرعة حين كانت أيادينا ممتلئة بالطحين، لأنّنا جميعًا "نعم جميعًا" نجترّ روائح جثث مكدّسة تذرف الدموع من أجلنا. وكي لا تظل أصواتنا إلى الأبد في مكان ما من قلوبنا، علينا أن نسأل الإشكالية التي حدثت في حياتنا، وأصواتنا، وما يحتاجه الزمن ليصبح إلهًا ناطقًا، وتكريس جلودنا، وأفواهنا، وأيدينا للصراخ!
الزمن العربي، وكل ما يملك هو صفقةٌ هائلةٌ ورخيصةٌ مع اللغز، ممّا جعل الضحك الذي نتداوله، يتدلّى من الثريات، حيث الموت العظيم الذي بلغنا من سيدنا الزمن، لا يحتاج إلى تصفيق، بل يحتاج إلى اعتذار من رائحة الخطيئة التي ارتكبناها بحق هذا السيد الذي نعتزّ به الذي أسميّه - الخلاص - أي الخلاص من سيادته ومن أصابعنا التي ترشح بالقبضات، واختفاء الأقدام التي تتعثّر بالجثث.
في كتاب - صدام الحضارات - يكتب هنتغنتون - صراحة، وعيانًا بيانًا، أنّ الله لا يحبّ العرب، ولا زمن العرب، لأن العربيّ لم يضع حدًّا لانهياره، ولم يضع حدًّا لذلك الزمن الذي مرّ وغرزَ أظافره في هذا الفراغ السحيق، حتى اعتاد على التضحية الكبرى - بالفراغ - الذي التهم كل شيء، لأن الهزائم التي في وجهه أكثر من أي شيء فينا، وهزيمته التي أعنيّها، هزيمتنا التي على قيد الحياة أتساءل هنا: كم هو الوقت الذي يفصلنا عن يوم القيامة؟! بل كيف نبرّر وجودنا الحياتيّ/الإبداعيّ/الحيويّ أمامَ إلحاح السؤال الباسكاليّ: "من أين؟ وإلى أين؟ ومن نحن؟"، وذلك لمواجهة ومجابهة السؤال الآخر الذي هناك حول عبثية -وجودنا وعدمنا -.
نحن كائنات خشبية ماتت من دون أمل، أو كما يقول: -تودوروف- عن الإبداع والزمن "ليس هناك أسباب موضوعية لاختيار التخلّي عن ممارسة الحرية". إن حياة العربيّ، في هذا الزمن العربيّ، على هذا التراب العربيّ.. لا أفضلية له على حياته التي يعيشها، لأنه ليس لديه أي فائض دلاليّ يشير إلى تميّز بنيويّ حتى عن كلام، أو نصٍّ، أو حديث له علاقة إنسانية مع نفسه لإزالة النبوءات التي افترضها وألصقها بأشياء يتداولها بينه وبين رأسه، لينفجر الخيال!
يقول أحدهم: إن حياتنا خالية من البدائل وجدران منازلنا هي هي، ولأنها كذلك، فهي بديهية بكل تأكيد ونتلقّاها بطريقة ما، لنلتصق بها كما هي، أو كما ألزمنا بها ولاة أمورنا.
الزمن العربيّ، تنازل عن أحبّته للجحيم، ولنأخذ علماً أن لغتنا العربية ساهمت وفتحت ثغرات في هذا الجحيم الذي نعيشه، وأيضا السكاكين التي تكتب مذكراتها وهي ت قطر بالدم. لكن السؤال الذي جاء متأخراً.. ماذا تعني كلمة - زمن عربي-؟ الجواب يبدو صاعقاً: وهو قراءة الفاتحة على روحه وتجريده من وظيفة الجاهلية المضبوطة مع وضع مشبوه مع الموت!
الزمن العربيّ صحراء، الشاعر العربيّ صحراء، والهواء العربيّ أيضاً صحراء.
نعم صحراء عملاقة تمتدّ من أوّل القماش، إلى آخر القماش، لأن العربي يجد نفسه في الهزائم، أكثر ممّا يجد نفسه في الهواء، أو في التراب، أو حتى في المرايا.. وما دام العربي يقرأ روايته بنفسه ولنفسه، فهو يشارك الآخر بالملح فقط، لأنه لا يملك سوى الملح ليقدمه إلى "ضيفنا" العزيز الزمن.
الزمن العربي ينزف.. نعم ينزف، ويعرف كيف ينزف، وينام وهو ينزف للوصول إلى رصيف الكتابة لتدوين متلازمة الموت المخمليّ الفاخر!
يا أيها السيد الزمن.. الزمن العربي بالطبع، الذي يذرف الدموع دون سابق إنذار، ولا مجال الرهان على أبعد من ذلك: متى يا ترى تقف على قدميك أمام الذين "لا يحبوّن الشعر"؟!
يقول أحدهم: إننا أولاد الأزمنة الميّتة، لأن المدن السحيقة، لن تفتح أبوابها للشعراء وأهل الفكر والفن، وعلى الزمن العربيّ، أن يتعرّف على حياتنا عن قرب، لأنه لن يتخلّص من هذه الحالة إلا إذا خاطب الهواء بيديه حيال أي موضوع أو قضية ما أرادها أن لتكون: هل يفترض بالزمن العربي أن يكون بربريّا، ليكون عربياً؟ أم تنظيفه من التراب المرقّط، والأكاليل المرقّطة،
والأحذية المرقّطة لنعترف أنه في يوم ما مرَّ من هنا؟ ماذا يفعل الزمن العربي بكل ما يمتلكه العرب حتى تعود أجوبتنا من السماء؟ كم أشعر أنني ميّت وأنا أشاهد عودة اللاوعي وهو يزغرد لجلالة المعجزة وإن صلاة الغائب والحاضر تتسلّل إلى عيون أطفالنا الخائفة من الاحتمال؟!
نحن أبناء الكهوف يقول الغرب: ولا حاجة أبداً لأصواتنا بل بحاجة إلى أظافرنا كي نعرف: من أين جاء اسم هذا الزمن؟!
الزمن العربي عقد قرانه على البلاهة، وعلينا الإجهاش بالبكاء ليظل الشعر العربي الذي غسلناه بالمطارق، لتأكله القطط.. محرّكاً قلِقاً لهذه البلاهة التي لم نعثر على مكانها إلى الآن.
حروب كثيرة مرّت ولم نكلّف أنفسنا النظر في أحاسيسنا.. ثم لدينا أرصفة، وغيبوبة، وضجيج، وقصائد.. كلّها تضحك لأننا كنّا نلعب بالأيديولوجيا التي فعلت بنا ما فعله المستحيل بالأبعاد!
الآن نستخدم موتنا بإيقاع ساذج، لنستذكر الخرافة واتجاهاتها، ليأخذ هذا الإيقاع حبوراً على شكل ناطحة سحاب.
حبيبي أيها الزمن العربيّ، ليس لدينا أي أخبار في كيفية صناعة الصهيل، لأن عبقرية الكائن العربيّ صارت تشبه إلى حدّ ما، الأشياء التي داخل الصدأ، ولأنك يا حبيبنا من الذين يبدعون بالملاحة في عيون الغرباء، ها أنت تبدع في الملاحة في عيوننا علّك تصل إلى ما تريد.
يا سيدي: لا بدّ الحذر كلّ الحذر من الاعتراض على هذا الالتباس الخلّاق في وجوهنا.. أنت قلت لنا: جئتكم من بوابة الآلهة إلى بوابة الجحيم، ومن الذين لهم موقف من اشتعال الأجساد، للمكوث طويلاً أمام الحرية.
أنت استعملت فمك كما تشاء، ونحن اليوم نستعمل أفواهنا مخابئ للذباب، والكلام الضائع.
أنت استعملت الأسلحة لتذهب طواعية إلى الله ونحن استعملنا هذه الأسلحة لنتدحرج أمامها ككومة القشّ.. إننا ذاهبون مع الأنهار.. كي نكتب الشعر ونجاور الله لئلّا نشاهد الدم الآخر.. إنها خطيئتنا يا سيدي.. التي أحاطت بمنطق الخلاص، وها هي الأحصنة التي ولدتها تئنّ خوفا على ولاداتها الخديج!
سيدي الزمن العربي.. أنت دمنا ونحن خطيئة في العراء!

