بعد مرور ثلاثة أيام على العدوان الصهيوني على قطاع غزة، باتت مخرجات الحرب تسير باتجاه تحقيق نصر تكتيكي بنكهة استراتيجية على العدو الصهيوني، بعد أن أفشلت فصائل المقاومة في غرفة العمليات المشتركة، استهدافات العدو من اغتيال قادة عسكريين كبار من سرايا القدس "تيسير الجعبري وخالد منصور"، من خلال إدارتها للحرب بهدوء وفي سياق متدرج.
لقد اعتقد العدو بأن اغتيال قادة عسكريين كبار سيفت فبي عضد المقاومة، ويدفعها للقبول بوساطة دول في الإقليم لوقف إطلاق النار والقبول بالتهدئة، بحيث يخرج من الحرب منتصراً بعد أن يكون قد حقق نصراً باغتيال تيسير الجعبري – القائد العسكري لمنطقة شمال غزة - وخالد منصور – قائد المنطقة الجنوبية لقطاع غزة إضافة لبعض كوادر سرايا القدس، وبعد أن يكون قد انتقم لنفسه من مخرجات معركة سيف القدس التاريخية التي هزم فيها باعتراف العديد من قادته العسكريين.
لكن هذا العدو كعادته أخطأ التقدير، في قراءته لسيكولوجيا المقاومة الفلسطينية، وفاته مجدداً إدراك حقيقة أن اغتيال أي قائد من قادة المقاومة، يزيد من صلابتها ورباطة جأشها ومن إصرارها على المضي قدما في معركة التحرير والعودة، وكان عليه أن يتذكر أن اغتيال القائد الوطني والقومي " أبو علي مصطفى "، زاد الجبهة الشعبية إصراراً على المقاومة ورفض نهج التسوية ، حين ردت على اغتياله باغتيال الوزير الصهيوني "رحبعام زئيفي"، وكان عليه أن يتذكر أن اغتيال القائد فتحي الشقاقي، دفع بحركة الجهاد الإسلامي للتمسك أكثر بنهجها المقاوم بعيداً عن أية مساومات، وفاته أن يتذكر أن اغتيال القائدين أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي دفع كتائب القسام لأن تأخذ دوراً مركزياً في المقاومة، وفاته أن يتذكر أن اغتيال القائد الوطني أبو جهاد ( خليل الوزير ) زاد من وتيرة انتفاضة الحجارة اشتعالاً.
بعد ساعات على بدء المعركة تواصل العدو سراً مع الوسطاء، لوقف القتال لبضع ساعات، وكان رد المقاومة على لسان مسؤول الاعلام في حركة الجهاد الإسلامي "داوود شهاب": "أولويتنا الأساسية الآن هي مقاومة الاحتلال والتصدي للعدوان والرد على هذا الإرهاب، وهذه الاعتداءات التي تمارس على شعبنا"، مؤكداً استعداد الحركة والمقاومة على الاستمرار في المعركة لخلق حالة استنزاف حقيقية داخل صفوف العدو".
لقد أدارت فصائل المقاومة في غرفة العمليات المشتركة المعركة، بعقل عسكري ناضج وبقوة واقتدار، وفق خطة محددة يمكن استنتاج تفاصيلها من واقع سير المعارك على النحو التالي:
1- توزيع المهمات العسكرية على مختلف الفصائل بحيث توكل لكل فصيل المناطق التي سيتولى قصفها في ضوء إمكاناته العسكرية والتسليحية.
2- التدرج في العمليات بحيث تبدأ في قصف مستوطنات غلاف غزة ودفع المستوطنين إلى إخلائها والهرب منها باتجاه مناطق الوسط والمركز والشمال حاملين معهم روحهم المعنوية المنهارة.
3- إفشال منظومة صواريخ القبة الحديدية ومسخرتها من خلال ( أولا) إطلاق صواريخ قديمة من طراز كاتيوشا ورصاص مضاد للطائرات، ودفع مشغلي هذه المنظومة لإطلاق عدة صواريخ مكلفة ماديا لإسقاطها ( وثانياً) وعند القصف لمدايات بعيدة في عمق الكيان تقوم الفصائل وخاصةً حركة الجهاد الاسلامي بإطلاق عشرات الصواريخ دفعةً واحدة لإرباك صواريخ القبة وتعميتها، حيث تصل النسبة الأعلى من الصواريخ إلى أهدافها المحددة.
4- الانتقال إلى قصف عمق الكيان الصهيوني في تل أبيب، ومطار اللد "بن غوريون" والقدس وبئر السبع والنقب الغربي، ثم المزاوجة بين قصف المستوطنات في محيط القطاع وقصف عمق الكيان.
لقد تمكنت فصائل المقاومة من تنفيذ خطتها باقتدار، وبات مناطق الوسط والمركز والجنوب بما فيه النقب تحت مرمى نيران صواريخ المقاومة، ولا تمر ساعة إلا وتتلقى فيها مستوطنات الغلاف بوجبات مكثفة من الصواريخ، في حين باتت تل أبيب وضوحيها والقدس وبئر السبع ومطار اللد ملعباً فسيحاً تصول وتجول فيه صواريخ المقاومة المتطورة.
ووصلت الأمور "بسرايا القدس" الذراع العسكرية لحركة الجهاد الاسلامي أن تقصف منطقة الوسط والمركز بما يزيد عن 120 صاروخاً متطوراً، خلال بضع ساعات في اليوم الثالث من الحرب، في حين تمكنت فصائل المقاومة في عملية مشتركة من قصف كافة مستوطنات غلاف غزة (58) مستوطنة دفعة واحدة، ما خلق حالة هلع وإرباك في صفوف المستوطنين وقوات الاحتلال.
لقد أرادها العدو معركة محدودة، يخرج منها بانتصار يتغنى فيه باغتيال بعض قادة المقاومة، ليرمم صورته المأساوية في معركة سيف القدس في مايو ( أيار) 2021، وليتجاوز قواعد الردع التي أنجزتها غرفة العمليات المشتركة، لكنه وقع في فخ المقاومة التي أرادتها حرب استنزاف للعدو، فالعدو الصهيوني الذي اعتاد على حسم حروبه مع في ساعات أو أيام محدودة، بات عاجزاً عن الاستمرار في الحرب أمام فصائل المقاومة في قطاع غزة، وبات عاجزاً أمام عنوان وحدة الساحات(الضفة والقطاع والمناطق المحتالة عام 1948)، فمعركة سيف القدس انتصرت فيها غزة للقدس والشيخ جراح وسلوان بمشاركة هائلة من أبناء شعبنا في مناطق 1948، والمعركة الراهنة جاءت على خلفية اقتحام قوات العدو لمدينة جنين الثورة واعتقال القائد بسام السعدي وانتصاراً للأسرى في معتقلات الاحتلال، لتأكيد وحدة ساحات المقاومة لأبناء شعبنا بدعم من الشتات الفلسطيني ومن محور المقاومة ومن أبناء الأمة العربية.
ها هي حكومة العدو تعلن، أنها لا تريد أن تتجاوز الحرب أسبوعاً واحداً، وها هو مجلس وزرائه المصغر "الكابينيت" يواصل اجتماعاته لبحث عن وسيلة لإنهاء الحرب لعدة اعتبارات أبرزها:
1-لأنه يدرك جيدا أن استمرار الحرب، سيوقع في صفوفه خسائر هائلة على الصعيدين البشري والاقتصادي، وأن ملايين المستوطنين لا يستطيعون المكوث في الملاجئ لفترة طويلة، وأنها قد تعزل الكيان الصهيوني عن العالم بعد قصف كافة المطارات.
2- جهوزية المقاومة للحرب، إذ أنها أطلقت منذ مساء الجمعة (اليوم الأول للمعركة) وحتى مساء اليوم الثالث ما يزيد عن 500 صاروخ، ناهيك أن العدو بات يدرك أن في جعبة المقاومة أسلحة وصواريخ كاسرة للتوازن.
3- لأن الجبهة الداخلية في الكيان غير مستقرة، ومنقسمة عمودياً وأفقيا، والانقسام لم يعد بين يمين ويسار مزعوم، بل بين أطراف اليمين نفسه، وهذه الجبهة غير مهيأة لتحمل حرب طويلة الأمد نسبيا ولتقديم التضحيات.
4- لأن فصائل المقاومة باتت أكثر توحداً في إطار غرفة العمليات المشتركة، ناهيك أنها أفشلت بجدارة مخطط العدو الصهيوني للاستفراد بحركة الجهاد الاسلامي وذراعها العسكرية "سرايا القدس".
5- لأن العدو الصهيوني يخشى في حال استمرار الحرب، أن تتطور الأمور عبر اندلاع انتفاضة شاملة في الضفة الغربية تضع حداً لاتفاقات أوسلو التصفوية، وعبر مشاركة أبناء الشعب الفلسطيني في مناطق 1948 في المواجهات بشكل نوعي ضد قوات الاحتلال على النحو الذي جرى في أيار ( مايو) 2021.
6- ولأنه يخشى في حال استمرار الحرب، أن تتطور الأمور بتجاه اندلاع حرب إقليمية تشارك فيها أطراف محور المقاومة وحزب الله على وجه التحديد، الذي بات يتشارك مع المقاومة في غزة في غرفة عمليات مشتركة.
7- ولأنه أدرك أن أنظمة التطبيع في معظمها الموالية له والمتحالفة معه، باتت معزولة أمام شعوبها، وليس بوسعها أن تصنع فارقاً لصالحه.
8- ولأن الإدارة الأمريكية الداعم الرئيسي له في الحرب، لا تريد أن تستمر الحرب حتى تتفرغ للصراع الرئيسي مع كل من روسيا في أوكرانيا ومع الصين في تايوان.
لقد بدأت بشائر الخير تطل برأسها لصالح الانتصار المؤكد للمقاومة، ولخلق قواعد ردع واشتباك جديدة، تبني على مخرجات معركة سيف القدس، وأولى هذه البشائر ترحيل سكان مستوطنة اسديروت، كخطوة أولى لتفريغ بقية مستوطنات غلاف غزة، ونزول أكثر من نصف المستوطنين إلى الملاجئ، وشل الحياة الاقتصادية في الكيان، واعتراف العدو بوقوع إصابات عديدة في صفوف الجيش والمستوطنين، وإخفائه المتعمد لعدد قتلاه بعد أن تم استهداف مواقعه العسكرية في محيط المستوطنات، وتوقف حركة القطارات وحركة الطيران في مطار بن غوريون ، وتكثيف اتصالات حكومة العدو مع الجانب المصري، للضغط على المقاومة للقبول بالتهدئة قبل أن تحقق المقاومة أهدافها وشروطها.
إن رضوخ العدو لاشتراطات حركة الجهاد الاسلامي، ممثلةً بالإفراج عن الشيخ بسام السعدي والأسير محمود العواودة - الذي تجاوز في إضرابه عن الطعام 140 يوما- بضمانات مصرية لوقف إطلاق النار، تكون المقاومة خرجت منتصرة وأفشلت بالكامل أهداف العدوان.
وأخيراً: يسجل لحركة الجهاد الاسلامي وذراعها العسكري دورها المركزي في ضرب مواقع العدو وتحصيناته في مختلف أرجاء الكيان الصهيوني، وكلمة وفاء للجبهتين الشعبية والديمقراطية اللتان أعلنتا من اللحظة الأولى وقوفهما إلى جانب حركة الجهاد الاسلامي في مواجهة العدو، ورفضهما الاستفراد بها، ومشاركتهما الميدانية الفاعلة في قصف مستوطنات العدو في محيط قطاع غزة.

