Menu

استعادةُ الاجتماعيّ الفلسطينيّ في الثقافيّ والسياسيّ

وحدة النظريّة والممارسة عند غسان كنفاني

خالد فارس

نشر في العدد 40 من مجلة الهدف الرقمية

الثقافةُ بمفهومها الذي يرتبطُ بمصير البشر وحياتهم في الدنيا، وتسعى إلى تَحَرُّرِهِم، تواجه سؤالًا يتعلّق بكيفية اكتشاف العام الاجتماعي، أي ديناميكية حاضر المجتمع في فك قُيودِ أغلالِه، وكيف يمكن الخوض في التجريد التاريخي، بمعنى تعيين نُمُوّ المفاهيم الثقافيّة وتطوّرها، ضمن أزمنةٍ تاريخيّة حقيقيّة.

يعاين الثَّقافي، السياسي الذي يتخفى في أقنعةٍ يصعب على العام الاجتماعي إداركه.  سؤال طرحه أنطونيو غرامشي المفكر الشيوعي الإيطالي، مفاده أنّ السؤال السياسيّ لأيّ قضيّةٍ يصبح غير قابلٍ للحلّ عندما يتنكّر أو يتقنع في سؤال أيديولوجي أو ثقافي "مؤدلج". فالقوّة الماديّة التحرريّة للثقافي، تكمن في تحريره من الهيمنة الأيديولوجيّة الوهميّة، واستنباط السياسيّ منه، أو المعنى السياسيّ الذي يحمله. هكذا يتكاثف ويتحالف التحرّر السياسي والثقافي في زمانٍ واحد، وليس كلّ في زمانه المنفصل، عن الآخر، في رواياتٍ وهميّةٍ من رجال دين، أو أنظمةٍ رجعيّة، أو عالَمٍ ظالِمٍ يُحَوّل الوَهْم الى سلع، للتسويق والبيع السياسي.

نقرأ في كتابات مهدي عامل، عن هذا التلاحم الضروري عند القِوى الثوريّة بين السياسي والأيديولوجي، ليحقق التحرر الحقيقي، حيث تأتي فكرة الزمان البنيوي عند مهدي، لتعبر عن مراحل تطور البنية الاجتماعيّة، وهي في الحالة الفلسطينيّة، بِنْيَة تعيش زمان الشتات، مُقَسَّمَة بين احتلال عام 1948، وشتات في الوطن العربي، واحتلال 1967، وشتات عالمي أوروبي وأمريكي. إذن ما هذا الزمان البنيوي الفلسطيني؟

انشغل غسان كنفاني في أسئلة الثقافة، وهو يعرف أنه يواجه أيديولوجيا مُتَمَكِّنَة، ومُؤَسّسٌ لها عالميا في الإمبرياليّات الاستعماريّة، ولها سلطةٌ ميتافيزيقيّةٌ متزاوجةٌ مع بنية المشروع الثقافي الغربي الاستعماري، الذي سطوته الإعلامية والمالية والعسكرية، تتفوق على أي قوة في العالم. أرادت هذه الأيديولوجيا أن تكتب تاريخ الآلهة، وتقدمه للناس، على أن الله قد اختار شعبًا، وميّزه على سائر شعوب الأرض.

بزغ المشروع الثقافي التحرري الفلسطيني، وغسان كنفاني أحد رموزه، من موقع النقيض. فالمشروع لا يقدم تاريخ آلهة، أو نسق أسطوري بثقافة تدخل على الدنيا من خارجها. فكان لا بدّ أن يكون المشروع الثقافي المُقاوِم، من داخل حياة البشر، من الحيّز الدنيوي، من صناعة البشر، ولا بدّ أن يكتسبَ قوّةً عينيّةً حقيقيّة، وليس خيالًا.

 في سيرورات اكتشاف العالم الإنسانيّ لشعبٍ أُصيب بنكبةٍ ونكسة، تُشَرعنها الأوهامُ الأيديولوجيّةُ الغربيّة، ومعه جزءٌ كبيرٌ من النظام العربيّ، وفي الوقت الذي فقد الشعب الفلسطينيّ مجتمعه، كيف إذًا ستتشكّلُ في هذا الشعب الذي لا مجتمع له، بِنْيَة ثقافيّة تعبّر عن العام الاجتماعيّ، تستطيع مقاومة كلّ هذا الوهمّ الأيديولوجيّ؟ هل سيسعى المشروع إلى البحث عن مجتمعٍ أوّلًا في صيغة دولة؟ أم ينطلقُ من الواقع الزماني، ويُعَوّض عن غياب المجتمع، باستحضار قضايا الزمان الفلسطيني في الشتات، ليُكَوّن مجتمع في بنيةٍ ثقافيّةٍ لها سطوةُ الاجتماع البشريّ في ممارسة السياسي والثقافي، وإلى حد ما الاقتصادي؟

تَشَتَّتَ المشروع الثقافي الفلسطيني، بين ثقافة مُؤَّجَلَة أو مؤقتة أو براغماتية انتهازية لغايات أو إلى ما بعد ولادة مجتمع (فكرة الدولة أو السلطة أوّلًا)، وفي الطرف الآخر، كانت الثقافة الآن وفي كلّ مكانٍ وزمان، والمجتمع هو العام الاجتماعيّ الحاضر في اللحظة، في تعدّد أزمنته الثقافيّة، مع الاختلاف الشديد في درجات التعقيد بين المشروع الأوّل والثاني. انتمى غسّان، فاعلًا قائدًا، إلى المشروع الذي يحدّد الزمان الفلسطيني وتحدياته في زمانها، كونها نقطة انطلاق غير مؤجل، لبناء العام الاجتماعي.   

ذهب غسان كنفاني أبعد مما ذهب له غرامشي، الذي كان حاضرًا في البنية الثقافية عند كنفاني (لا يعني ذلك، تأكيد أو نفي، بأن غسان قد قرأ أو تبنى أفكار غرامشي، إلا أن هناك تقاطع ولو من باب الانتماء الى إستراتيجيات التحرر، وبالمقاربة المنطقية)، حيث تناول غسان ظاهرة الهيمنة الأيديولوجية من واقع لم تتاح إلى غرامشي التطرق له، وهو واقع النكبة والنكسة. ففي رواية رجال في الشمس، على سبيل المثال، تُمَثّلُ شخصية أبو الخيزران بعدًا في الزمان التاريخي، نشأ من ظروف الاحتلال والشتات، ينتفع من هيمنة أوهام الخلاص الفردي على شخصيّات الرواية، في رواية رجال في الشمس. هذه الأحلام لم تكن سوى أيديولوجيا مهيمنة على وعي شريحةٍ اجتماعيّة، كان لا بدّ من ملامستها ثقافيًّا لتحريك التناقضات السياسيّة - الثقافيّة التي توالدت فيها.

نحن أمام مشروعٍ حدّد لنا راهنيّة المسألة الثقافيّة الفلسطينيّة، في كلّ وقتٍ وزمان، حمل مهمّة شعبٍ أراده وعد بلفور أن يكون مجموعات سكانيّة، وطرحها في سؤال ما قبل وما بعد المجتمع، بمعنى أن المسألة متصلةٌ مترابطةٌ بين ما قبل الكيان السياسي وما بعده، وليست قبله شيء وبعده شيء آخر، وهو ما يشكل الثابت العام الاجتماعي الفلسطيني، في المشروع الثقافي. كانت المهمة، ترتيب عناصر المشروع في بِنْيَة، ووضع سياقات لها وتسلسلات السابق واللاحق، ولا يقفز عن المراحل، ثم يضع لها تصنيفات واقعية لتوضيح التمايز في هوية عناصر المشروع، لكي ترسم معالم الوعي الجمعي الفلسطيني، وتؤسس للسياسي لممارسة هذا الوعي التحرري.

أسهم هذا الجهد في توضيح مهمة السياسي، وهو الانشغال في تشكيل الكتلة التاريخية الفلسطينية، على أن ترتبط بِأُسُسٍ ثقافيّةٍ تحرّريّة، تمارس نضالاتها بأدوات الحركة السياسيّة الثورّيّة.  دون الثقافي لا يمكن أن تتحقّق مقولة ماركس "كلّ صراع ...هو صراعٌ سياسيّ"، لأنّ دور الثقافي أن يزيل الغلاف الوهمي عن الوعي السياسي الزائف.  

نموذج غسان كنفاني فريدٌ من نوعه؛ لأنّه مارس من موقع القيادي في الصفّ الأوّل، جدليّة السياسيّ والثقافيّ. لم ينخرط ناجي العلي ، وهو الذي يعملُ في الحيّز الثقافيّ بأدواتٍ ثوريّة، في حزبٍ سياسيّ، فكانت الممارسةُ ثقافيّةً ذات طابعٍ معرفيٍّ كاشف، دون الممارسة السياسية، وهذا ليس حكمًا قيميًّا، أو أخلقةً للواقع، إنّه تشخيصٌ لتمييز حالةٍ قلَّ نظيرُها في الواقع العربيّ. وكذلك انفصل محمود درويش عن الممارسة السياسيّة الحزبيّة، وانتقل إلى نموذج السياسة الرسميّة التمثيليّة، وكأنّها برلمانيّةٌ رمزيّةٌ سجاليّة، فقد فيها الثقافيّ، السياسيّ التحرّريّ، وتحوّل العمل النضاليّ الى ابيستيمولوجيي - معرفي، بالمفهوم الفلسفي.  جسّد غسان كنفاني مبدأ وحدة النظريّة والممارسة، وهي أساس مفهوم الثورات ذات الطابع الاشتراكي التحرّري الأمميّ.

عدّ ماركس (1845) في مقولات عن فيوبرباخ الأوّل والثاني والثامن[1]، أن الممارسة السياسية ضرورية، وأنها "ثورية"، نشاط "لممارسة نقدية". الممارسة هي ممارسة سياسية، تهدف إلى خلق مجتمعٍ متحرّرٍ- حرّ، والأهم أن تخلق العام الاجتماعي، وهو ما تبناه غرامشي، وجسده غسان كنفاني في ممارسته الثقافي والسياسي. فالممارسة تعني أن هناك عملية إنتاج مفاهيم سياسيّة ثقافيّة، في زمانها، ليس وفق مفاهيم مُعدّة مُسبقًا، حاول العالَم الظالِم أو سياسات الهُوية والوصاية أو الميراث السرديّ غير القابل للتدقيق والقياس، فَرْضَها علينا، بل إنتاجها (صِناعَتها) من تعيين لحظات التماس مع التناقض مع العدو، ولحظات بناء بِنْيَةٍ سياسيّةٍ ثقافيّة، من تفاصيل وعناصر الواقع التحرري.

أدرك العدو الإسرائيلي خطر مشروع سياسي ثقافي يعمل على إعادة تنظيم وترتيب للفوضى التي يصنعها المشروع الصهيوني وحلفائه في المنطقة، وأن ما يجري هو نفي كلي وتاريخي للمشروع الصهيوني، يتبلور في بنية ثقافية مُنَظَّمَة في السياسي، حيث وجد أن هذا المشروع ينشغل في عملية تمييز أو تحديد الفلسطيني في قضية من حَرْبَتَيْن (أو حَرْبَة لها رَأْسان) سياسية وثقافية. فإذا استطاع المشروع تعريف الفلسطيني في سياق النكبة والنكسة والعودة والثورة والتحرير، ثم تمييزه في قضية تحرر وطني وقومي وأممي، هذا يعني أنه جاء جللًا على المشروع الصهيوني. فالتاريخُ هو تاريخُ الكتل السياسيّة الثقافيّة، والصراع فيما بينها، لهذا فإنّ ولادة كتلة في التاريخ، يعني تغيير حقيقي.

فالواقعُ العربيُّ تهيمنُ عليه الإمبرياليّةُ والصهيونيّةُ التي تعملُ على التحكّم بالتعريفات، وتعملُ على تمييع البنية الثقافيّة الفلسطينيّة، وعزلها عن السياسي، بحيث لا يطرق الثقافي خزّان السياسي، فكان لا بدّ من منع تحرير الثقافي، من الأنظمة الحاكمة، لكيلا ينتقل إلى الشعوب، ليخلق العام المشترك التحرري في كتلة.  

تستدعي الثورات تجاوز الانقسامات الجزئيّة ببناء العام الكلي، من تلاحم الثقافي بالسياسي، وممارسة هذا التلاحم. أما أن يكون السياسي معاصر والثقافي من الماضي الأنثروبولوجي، تتحوّل عمليّة التحرّر إلى ممارسة سياسية تنبع من الضرورة والثقافة إلى ممارسةٍ ظرفيّة، تفقد فيها سيرورة التحرّر تكامل أركانها التاريخيّة؛ لأنّ عناصرها من أزمنةٍ مختلفة، فينتهي العام الفلسطيني في شظايا.

لقد صنع لنا نموذج غسان كنفاني ومعه آخرون في الحركات السياسيّة الفلسطينيّة، وصفة السياسي والثقافي من واقع النكبة والنكسة، العام المشترك الفلسطيني من السياسي والثقافي، من الزمان الفلسطيني التحرّري، من ضرورات الحاضر، من حتميّة كسر القيود والأغلال في الجبهة الثقافيّة والسياسيّة.  

 

 


[1] Fuchs, Christian. Marxist Humanism and Communication Theory (pp. 181-182). Taylor and Francis. Kindle Edition.