هذهِ المقالةُ لا تزعمُ تقديمَ دراسةٍ نقديّةٍ عن غسّان كنفاني، بل هي مقاربةٌ أوليّةٌ لبعض النواظم الرئيسيّة التي تتشكّل منها القصّة الكنفانيّة. إنّ الكتابةَ عن غسّان مغامرةٌ محفوفةٌ بمخاطرِ إطلاقِ الأحكام، والاطمئنانِ إلى النتائج، فقصّةُ غسّان مرجعُها الرئيسيُّ تجربتُه. وتجربةُ غسّان الكتابيّة جماع الهواية والاحتراف، الهواية بكلّ نزواتها التجريبيّة، وغواية المغامرة في البحث الذي يشرع تساؤلاته أبدًا، والاحتراف بكلّ ما فيه من التوكيد على إتّقان الصنعة وامتلاك الوسائل والمهارات.
الكتابةُ عند غسّان مسكونةٌ بالتمرّد على المقاييس، ولذا فالكتابةُ عن غسّان محكومةٌ دائمًا باهتزاز المقاييس وضلال الأحكام النهائيّة.
غسّان مثقّفًا وكاتبًا ومناضلًا، ارتفع بقامته ليكونَ بحجم المأساة الفلسطينيّة، ولذا فقد كانت الكتابةُ ممارسةً يوميّةً يعيشها، فلا وقت للتأمّل، ولا وقت للندب والتشكّي، ولا وقت للمساومات، لا وقت للأهواء الفرديّة النتنة، الكبرى، عصرنا عصر الأهواء الكبرى، عصر التراجيديا الاجتماعيّة، فعلى المأساة أن تخرج من مأساتها، لتتحقّق ملحمةً، لتحقّق الكتابة الفلسطينية فعلًا بحجم المأساة، وممارسةً لا ترتهن لرماديّة المقولات الأدبيّة أو السياسيّة أو المأساة عندما تعاش فعلَ تعالٍ عن الجراح، تتحرّر من الرعش والبوح والألم الوجوديّ وعسف الكوابيس وصدمة لا معقوليّة العالم، لتصبح ملحمة الكفاح الإنساني للتسيّد على كلّ الضرورات التي تعيق تحقيق الكائن لكينونته الاجتماعيّة والإنسانيّة.
بذلك نستطيعُ القول إنّ مع أدب غسان كنفاني ، ولد جنس أدبي فلسطيني، يختصر كل الأجناس في جنسيته، ولد تعبير فلسطيني، ولدت لغة فلسطينيّة وأسلوب فلسطيني، عماد هذا الجنس أو الأسلوب الفلسطيني هو تحول الفضاء القصصيّ أو الشعريّ من خلفيّة تتحرّك عليها الشخصيّات الفنيّة، إلى عامل فني، إلى شخصية فنية، لها دورها الرئيسي في تحديد بنيان العمل الفني، وهذا الفضاء، هو فلسطين بمدنها، بقراها، بحقولها بأشجارها، بخضارها وفواكهها، بترابها، برائحة الأرض، بأشيائها الصغيرة وتفاصيل جغرافيتها الدقيقة، وفي هذا العامل الفني، انتقل الفضاء من مجرد خلفية ايمائية أو تزيينية، إلى عامل يتكثف فيه الدال والمدلول معاً.
يكفي إلقاءُ نظرةٍ على مجموعته القصصيّة (أرض البرتقال الحزين)، لنجد أن معظم عناوين القصص استمدت من عناصر المكان القصصي لأبعد من الحدود – الأفق وراء البوابة- ثلاث أوراق من فلسطين- ورقة من الرملة- ورقة من الطيرة، ورقة من غزة ... إلخ، بل إنّ قصّة "أرض البرتقال الحزين" تبني عناصرها القصصيّة على البرتقال، ليس مجازًا تعبيريًّا يدلُّ على فلسطين فحسب، بل مجازٌ بنائيٌّ يشكّل عنصرًا أساسيًّا لا غنى عنه لتحقّق القصّة كمالها، إيقاعها، ووحدة التأثير والانطباع فيها والبرتقال عنصرًا قصصيًّا، يتنامى عبر التطوّر الدراميّ للقصّة، فتتنامى الدلالة عبر النسيج السردي ذاته، وعبر تفاعل الشخصية مع الحدث المركزي وهو النزوح عن الأرض "حيث حقول البرتقال تتوالى على الطريق"، أمام أعين العائلة النازحة، وعبر النسيج السردي يتأتى عنصر البرتقال جزءًا من تفاصيل الحيّز المكاني الذي تتوالى فيه الوحدات السرديّة، ويتحقّق عنصرًا موضوعيًّا حياديًّا كما هو عليه في الواقع الخارجي، غير أنّه - جزءًا مفردًا - يتصاعدُ قيمةً تعميميّة، حيث يغدو رمزًا لمأساة النزوح، وبذلك ينتقل من حيادية الوجود كما هو عليه، إلى انفعالية التعبير كقيمة يتواشج فيها المجرد بالمحدد، مجرد الدال ومحدد المدلول، ومع التجريد التعميمي يبدأ تشكل الكيان الخاص عبر إسقاط المخيلة الأسطورية على العناصر مانحة إياها الحياة، فالبرتقال يصاب باليباس عندما تتغير اليد الساقية.
في المرحلة التعبيرية لم يعد البرتقال مجرد حقول تتوالى على الطريق، لقد غدا شيئاً جبياً "كانت النساء قد اشترين برتقالات حملنها معهن إلى السيارة، ونزل أبوك من جانب السائق، ومد كفه فحمل برتقاله منها.. أخذ ينظر إليها بصمت.. ثم انفجر يبكي كطفل بائس..".
والتعبيرية هنا، ليست محصلة للحضور العاطفي الانفعالي للكاتب، بل هي نتاج تعانق اللحظة السردية بالوصفية في تحققهما النثري الصلب، فالبرتقال يغادر فضاءه كمكان وموضوعات، حقول، أشجار فاكهة ليصبح مجاله القلب الإنساني، فيشتعل الوجدان بالحنين، وتنتفض الذاكرة مختلجة بالألم.
ويتسامق التعبير في تعميميته ليتاخم حدود الأسطورة، حيث يذبل البرتقال عندما تتغير اليد التي تتعهده بالماء.
"البرتقال الذي قال لنا فلاح كان يزرعه ثم خرج، أنه يذبل إذا ما تغيرت اليد التي تتعهده بالماء..".
العنصر الأسطوري هنا لا يتولد من المحال وكأنه واقع متحقق، بل يولد من المحال، وهو يتحول إلى توق، إلى حلم شعري، لا تصيغه علاقات اللغة، بمفرداتها وتراكيبها ومجازاتها، بل يتفتق عن شاعريته، باكتشافه للشعر في علاقات الناس، في ذاكرتهم وأحلامهم، في همومهم وشؤونهم، في علاقات الواقع ومدركاته.
وأسطورة البرتقال تستمد مغزاها من الوجدان الشعبي، وهي ليست مجرد وسيلة تكنيكية بل هي تنبثق من ذلك اللقاء الحميمي الأليف والعميق بين الإنسان والطبيعة، بين الإنسان والعمل، بين الفلسطيني وأرضه فلسطين، وبذلك تتفتح الأسطورة هنا عن طاقة جديدة لإحياء الآمال والأحلام المشروعة، وليست رفرفات الميتافيزك في فراغ الخرافة.
ويتحقق المعادل الفني لعنصر البرتقال، من خلال التصاقه بالسياق البنائي للقصة، كتحقيق لنمو المعادل التراجيدي في الواقع، حيث تنتهي القصة "لقد دخلت الغرفة متسللاً كأنني المنبوذ.. وحين لامست نظراتي وجه أبيك يرتجف بغضب ذبيح.. رأيت في الوقت ذاته المسدس الأسود على الطاولة الواطئة.. وإلى جواره برتقالة.. وكانت البرتقالة جافة يابسة..".
فمع تطور الحدث الدرامي في القصة، كانت تتطور الدلالة المجازية لعنصر البرتقال، من الواقع إلى التعبير، ومن التعبير إلى الأسطورة، ومن الأسطورة إلى الواقع، وبذلك يتحقق المعادل الفني في المعادل الواقعي، ويتنامى الواقع مكتسباً أبعاداً جديدة ضمن تطور منطوقه الخاص، ودون اسقاطات خارجية، أو مواقف خطابية، تستبدل موضوعية علاقات الواقع، بذاتية، انفعالات الكاتب.
ونهاية القصة بداية لتعددية الدلالة، ففي السياق السردي الحكائي، كان يبحث الأب عن المسدس في ذروة غضبه مهدداً: "أريد أن أقتلهم وأريد أن أقتل نفسي.. أريد أن أنتهي.. أريد أن..". أي يريد قتل نفسه وأولاده، بعد بلوغه حالة اليأس، وعجزه حتى عن إطعام هؤلاء الأولاد، وبعد أن خدعته البلاغات وخدعته الحقيقة بكل مرارتها، وبعد أن تلاشى الأمل في العودة إلى البيارات، والصعوبة الهائلة في التحدث عن فلسطين والتكلم عن الماضي السعيد.
فالمسدس الأسود على الطاولة الواطئة، كان في إطار السياق السردي، نتاج لحظة التأزم للأب الذي أراد أن يستخدمه لقتل نفسه وقتل أبنائه، فتلك هي الخاتمة التي تكتمل الحكاية في مادتها الأولى بها.
لكن البرتقالة التي جفت بجانب المسدس، تفضي إلى احتمال دلالي يتأسس على موضوعية التنامي الموضوعي لسياق السرد في مادته الحكائية الأولى، وهذا الاحتمال الدلالي، ينشأ عن علاقات جديدة، بين المسدس والبرتقالة، والمسدس والبرتقالة هما عنصران حقيقيان، لكن السياق الدلالي للبرتقالة يوقظ شكلاً مختلفاً في علاقته بالمسدس، وهنا تتعدد القراءات، هل يعني أن الخاتمة هي انتحار الأب، بعد أن نضبت الأحلام في العودة؟ وهل جفاف البرتقالة كان موازياً لجفاف الحياة في داخله؟ أم أن جفاف البرتقالة استدعى المسدس كوسيلة لإعادة الحياة لها، للأرض، للآمال، للأحلام؟ هل المسدس كان نهاية حلم أم بدايته، بعد أن فقد البرتقال اليد التي تعهدته بالرعاية والإرواء؟
القصة تكتب الواقع في تحققه، فاتحة نهايتها على الممكن فيه أبداً، هي لا تجبره على التطوع للاستجابة للرغبات، ولكنها لا توصده دون الفعل والحلم الإنساني، أليست الأحلام والأماني جزءاً من واقعنا كبشر، ولولا الأحلام والطموح البشري لما كانت الأفعال، ولولا الإنسان بانفعالاته وأحلامه وأخيلته، لغدا الواقع شيئاً غريباً عنا، لاختزل هذا الواقع إلى حدوده الطبيعية الأولى. إن غسان كنفاني يكتب بأمانة عميقة للواقع والواقعية، لكنه يكتب هذا الواقع لا كواقع جبري بل كواقع إنساني.
لا نستطيع في مقالة أن نقوم بدراسة تحليلية مستفيضة لقصص غسان، لكننا قمنا بهذه الوقفة التحليلية لأحد جوانب قصة أرض البرتقال الحزين، وهي من أكثر قصص غسان ذات المضمون الفلسطيني المباشر، لندلل على ارتجال الحكم النقدي القائل بأن "أسلوب غسان جيد عندما لا يكون المضمون فلسطينياً بشكل مباشر"[1].
إن آراء من هذا النوع مدعاة للمساءلة والسؤال بحق، ترى لو حذف المضمون الفلسطيني من قصص غسان، فماذا يبقى من التراث الإبداعي لهذا الكاتب؟ إننا إذ نطرح هذا التساؤل، ليس منطلقنا أبداً الحرص المجرد على أي تراث، وليس هدفنا الانسياق وراء ما اصطلح عليه الجميع بأنه تراث إبداعي، فمن حق الباحث أو الناقد أن لا يخضع للمتداول والمتفق عليه، ولكن هذا الحق يبقى مشروطاً بمدى قيمة الاجتهاد، ومدى تسلحه بالوسائل العلمية الكفيلة بأن يبرز مصداقيته، أو يثبت جدواه.
إن مجابهة القصة ذات المضمون الفلسطيني، بقصة (القط) التي لا تتضمن مضموناً فلسطينياً، واتخاذها معياراً جمالياً، لا يخضع إلا لمقاييس ذاتية، واختزال العمل الفني إلى موضوعه، حتى ولو نالت هذه القصة إعجاب الأستاذة الأميركية.
إن الخلط الاصطلاحي بين الموضوع والمضمون، مسألة متداولة ومنتشرة في الدراسات النقدية العربية، إلى الحد الذي يصبح من العبث العودة إلى التأكيد على التمايز الجوهري بين مدلول المصطلحين.
ليس في قصص غسان مضمون فلسطيني، بل هناك موضوع فلسطيني وليس هناك موضوع فني وآخر غير فني، فالموضوع هو مادة خام، شركة بين الناس ومشاع للجميع، والمضمون هو اتحاد موضوع العمل بمنظوره، هو الخاصية الداخلية التي تتسرب في شاريين الموضوع، فتمنحه خصوصية تجسده وتشكله، هو الموضوع متحقق في شكله الخاص، أو الشكل الخاص متحقق في موضوعه. من هنا تبرز مأثرة غسان كنفاني ككاتب، هذه المأثرة تتمثل في وحدة موضوعه وتعدد مضامينه. إن فلسطين كموضوع في أدب غسان تتحول إلى مجرة مضامين تشع بدلالات لا متناهية، فلا تناسخ ولا تكرار في مضامين قصص غسان، على الرغم من وحدة موضوعها، ومن هذا المنطلق كان اجتهادنا في أن غسان قد ابتدع أدباً فلسطينياً، حتى يمكن تعداده ضمن الأجناس، فغسان ينهل من كل المدارس، لإغناء عناصر التشكل الحي لموضوعه، لقد غدا موضوعه، فلسطين، هاجس استقطاب، مركز الكثافة في تجربته الحياتية والإبداعية، فمنح موضوعه هذا حياته وملكاته ومواهبه، مستخلصاً من كل الأساليب الفنية عصارتها، فيما يخدم عشقه وتبتله أمام تمثاله الذي يشغل فسحة وجوده الكي.
لقد ذكرنا أن تجربة غسان الإبداعية هي جماع الهواية والاحتراف، وما قصة "القط" إلا نتاج هذا الجماع. ففي هذه القصة، يجنح غسان جنوحاً تجريدياً لمواجهة إشكالات إنسانية ذات صفة وجودية. فزمن القصة هو زمن الحدث القصصي ذاته، والحدث يتجرد من ربحيته الزمنية والشخصية، تواجهها فجأة ودفعة واحدة، قد غادرت رفاق الورق إلى سميرة التي هي "كل شيء في الدنيا.. سميرة هي الحقيقة.. وإن كل شيء ليس إلا غلافاً يغلف غلافاً آخر، وأنه ليس ثمة حقيقة على الإطلاق.. سواها، وهو يكتشف فجأة أنه يتفوق على كل هؤلاء البشر النمل..".
وفي طريقه إليها، يشاهد قطاً، وحينما حاذاه "شاهد ساقيه الخلفيتين مهروستين، وتكادان تستويان مع الأرض.. كان الدم جامداً ومخلوطاً بشعر القط، وكانت الساقان ملقاتين وكأنهما ليستا لهذا القط".
هذا المشهد يحيل بينه وبين تحقيق اللقاء الجسدي المزمع بينه وبين سميرة، حيث يضع نقوده على الطاولة، ويخرج إلى الزقاق الكئيب، بعد حوار لا تواصل فيه عن القط بينه وبين سميرة، حيث يتساءل كيف استطاع القط المحطم الخلفيتين أن يزحف إلى حيث صنبور المياه في وسط الزقاق، هل زحف إلى هناك كي يموت هناك!
وهو عندما يسألها عن اختيار بيتها البعيد عن الشارع العام، تجيبه لكي لا يأتيها إلا الزبون الذي يرغبها فعلاً، فالذين يحبونها.. مثله.. يمشون ساعين إليها. فالقصة تقوم على التناظر في الحالات، غير أن التناظر في هذه القصة لا يتأسس على عناصر بنائية، بل على عناصر ايحائية بمقدار ما تسمح بتعدد القراءات، بمقدار ما يلفها غموض الدلالة، حتى أنها تتوشى بظلال ميتافيزيكية لا ترصد الكائن في سيرورته التاريخية، بل تصفه كوضع إنساني ذي طبيعة أنطولوجية.
إن غياب الزمان، كصفة تاريخية للحدث القصصي، وحضوره كلحظة تطمح لتعميم وضع إنساني، أدى أيضاً إلى تلاشي المكان ذي الخصائص المحددة، فهذه القصة ذات صفة كينونية، يمكن أن تحدث في أي مكان ولأي إنسان، وهذه القصة التي اعتبرها البعض، مثالاً معيارياً، لا تتناسج في نسيج الخصائص الأسلوبية لكتابة غسان، بل هي على الأرجح تمثل إحدى المغامرات التجريبية التي تتجاوب مع نزعة الهاوي عند غسان، والتي لقيت استساغة وتقبلاً لمقاييس كتب النقد الأدبي في مكتبة الجامعة الأميركية.
لسنا في صدد تبخيس القيمة الفنية لهذه القصة، بل إن هذه القصة وعدد من القصص الأخرى (المجنون – قلعة العبيد – أكتاف الآخرين) بل يمكن القول إن أكثر قصص مجموعة "موت السرير رقم 12" تنحو منحى طرح التساؤلات المجردة عن الوجود الإنساني، من خلال تعميمات المآزق الفردية، وهي تتأسس بنائياً على التناظر في الحالات، ومواجهة الإشكالية الإنسانية ليس بتنمية دياليكتيك العلاقة الدرامية القائمة بين الإنسان والواقع، بل عبر تنمية دياليكتيك ذاتي، ومن هنا فقد كان المونولوج إحدى سمات السرد في هذه المجموعة.
قلنا ليس هدفنا التبخيس من القيمة الفنية لهذا النوع من القص، بل على العكس إنه يؤكد الكفاءات الإبداعية لغسان ككاتب، وقدرته على التجاوب مع التيارات الثقافية والفكرية لتلك المرحلة التي كتب بها غسان، حيث في هذه المرحلة بالذات بدأت رياح الوجودية، واتجاهات العبث، تهب على المنطقة، ووجد فيها الاتجاه القومي جسره لامتلاك رؤية معرفية متمايزة عن الدين والماركسية.
ففي هذه المجموعة القصصية، تتكلل كل المصائر بالخيبة والإحباط والصدمة والإنسان يواجه مصيره، كوضع لا كشرط كوجود أنطولوجي وكوجود تاريخي، كفرد كطبقة، وكانت المأساة الفلسطينية تعزز هذا الإحساس المأزقي، الذي يغلف موقف الشخصية بسيحة تراجيدية مآلها الخيبة والإحباط ومزيد من التشرنق حول الذات، قبل أن تتحول في مجموعته الأخيرة إلى مأساة كفاحية.
غير أن الموضوع الفلسطيني، دخل مرحلة أخرى في مجموعة "أرض البرتقال الحزين"، حيث يتحدد الطابع الزمني والمكاني للمأساة، وتتحول فلسطين إلى شخصية أساسية في بناء قصة غسان، عبر صبغ الفضاء القصصي بصبغة تعبيرية احيائية، يتحول فيها المكان من خلفية إلى حضور شامل، لا تحقق القصة كمالها إلا به لا كموضوع، او حكاية، بل كمضمون وأسلوب وجنس، غير أن فلسطين في هذه المجموعة تبقى مجالاً لتأمل المأساة وعماد هذا التأمل/الوصف.
أما مجموعته "عالم ليس لنا" فهي تتسم بذات النمط القصصي لمجموعته "السرير رقم 12"، غير أن الطابع الاجتماعي يبدو أكثر بروزاً، وتخفت نبرة مواجهة الشخصية للواقع كوضع، فالرمز القائم على التناظر والتوازي لم يعد يفضي إلى إشكالات إنسانية عامة، بل ولأول مرة يبرز المنظور الطبقي في رؤية غسان إلى العالم، كما في قصته "المنزلق" التي تتحدث عن الاسكافي الذي لا يملك دكاناً، فاتخذ صندوقاً تحت هضبة قصر، وتتعدد احتمالات موته في مخيلة طفل الاسكافي التي هي مزيج من العبقرية والجنون، فتارة يروي أن أباه قد مات تحت أكوام أحذية القصر التي لم تتسعها دكانه الصغيرة، وعندما يشك مدير المدرسة بعقله ويتهمه بالجنون، ينكر الطفل هذه التهمة ويقول للمدير أن يذهب إلى قصر الرجل الغني وينظر إلى أحذيته، فإنه سيجد عليها أطرافاً من لحم أبيه، بل ربما سيجد عينيه وأنفه في نعل حذاء ما، وتعليل آخر يقدمه الطفل لموت أبيه، وذلك تحت قشر الموز الذي كان يلقيه صاحب القصر، بل حتى معلم التلميذ تشده هذه التخيلات المثيرة عن موت الاسكافي، فيعزو موته إلى أنه قد دق المسامير على أصابعه بين الحذاء والسندان، ولما حاول القيام لم يستطع، والمارة لم يساعدوه، وبقي ملصوقاً هناك إلى أن مات.
إن لجوء غسان كنفاني إلى دمج المعقول باللامعقول، ليس وسيلة تقنية يتوسلها كجزء من أسلوبه، ونحن نستخدم مصطلح الأسلوب ليس بدلالته الاصطلاحية اللغوية والتركيبية، بل كوسيلة معرفية وإدراكية للحياة، فقليلة هي القصص التي يعمد فيها غسان لهذا الدمج، إلا حينما يقتضيها حسه الدرامي العنيف بالحياة، بل إن المرء ليدهش ويفاجأ في سياق قصص غسان، أن يجد قصة تفصح بهذا العنف ضد لا إنسانية العلاقات الطبقية.
غسان كنفاني يعيش الكتابة كفعل مباشر في الواقع، ولا مجال للهو واللعب بالتقنيات وهو عندما يتصدى للاستفادة من هذه التقنية تجدها على درجة من الأصالة وكأنه مبتدعها، وإخلاصه الصميمي للرسالة التي تحملها الكتابة، يجعل من التقنيات ضرورات داخلية يفترضها العمل بالضرورة، فتكتسب التقنية إخلاصه.
إن زكريا تامر – وهو من جيل غسان ومن أصدقائه- أكثر الكُتَّاب توظيفاً لعنصر اللامعقول كوسيلة لتعرية الواقع وفضحه، غير أن هذه التقنية تحولت في أحايين كثيرة إلى لعبة شكلية لا تفترضها ضرورة داخلية للعمل القصصي، ومرد هذا التمايز ربما يعود إلى أن غسان يتعامل مع الكتابة كقضية، كأسلوب ممارسة للحياة والفعل فيها، وكموقف مسؤول أمام المتلقي تضبطه عقلانية الموقف النضالي وإخلاصه.
إن غسان كنفاني كاتب واقعي بالدرجة الأولى، على الرغم من جنوح بعض قصصه باتجاه التجريد أو استخدام المونولوج الذاتي أو اللامعقول والرمز، إلى أن كل هذه الوسائل التقنية يوظفها غسان بما يخدم واقعيته الحادة والجارحة في أحايين كثيرة، فالرمز عنده يفني اللحظة الواقعية دون أن يدمرها، والتداعي المونولوجي يتأسس على سياق سردي يصل حد محاكاة الحياة اليومية. ولعل مأثرة غسان في الاتجاه الواقعي، تتجلى ليس في اعتماده الواقع كمرجع خارجي للحدث فقط، بل كسياق يتحقق لغوياً وسردياً ووصفياً، فالجملة القصصية عنده ذات وظيفة عقلانية، قلما يكمن وراءها مرجع عاطفي أو انفعالي أو إنشائي.
إن هذه السمة العقلانية في وظيفة الجملة التعبيرية وفي مرجعها، نجدها حتى في قصصه "عن الرجال والبنادق"، هذه المجموعة التي تنتقل بالموضوع الفلسطيني من مرحلة التأمل إلى مرحلة الممارسة، حيث تخرج المأساة من مأساتها عبر رصد النضال الجنيني المسلح للإنسان الفلسطيني الذي راح يكبر على مأساته. إن موضوعاً يدور حول الكفاح المسلح لا بد وأن يستدعي عادة جموحاً انفعالياً عاطفياً واندفاعات رومانتيكية، إلا أن البنية الذهنية العقلانية عند غسان تكبح جماع الانفعال الذاتي الهش، وتحقق بنية فنية ذات علاقات داخلية موضوعية صلبة.
فمن القصة الأولى في المجموعة "الصغير يستعير مدية خاله ويشرق إلى صفد" حتى قصة "حامد يكف عن سماع قصص الأعمام" والإيقاع القصصي يحافظ على نبرته الواقعية العقلانية، التي لا تفتعل بطولاته مجانية، ولا أفعال خارقة زائفة. إن الفعل الكفاحي ينبثق من سيرورة حياة الناس، ولا يسقطه الكاتب إسقاطاً، والشخصية إذ تنخرط في العمل النضالي، تنخرط فيه دون مقولات أو شعارات تختارها على طريقتها الخاصة، كما تحيا حياتها، وتتحدد خياراتها ومشاركتها وفقا لمنظومة مفاهيمها ذاتها، فأم سعد تتعامل مع القضية من خلال حسها الأمومي البريء والبسيط، فهي تريد أن توصي الرئيس بابنها سعد، وعندما يقال لها أن التوصية، تعني أن يبعد المقاتل عن الخطر، بينما المقاتلون يتسابقون على المشاركة في عمليات القتال، غيّرت وصيتها بما يستجيب أيضاً لحسها الأمومي فيقر رأيها:
"- لا أقول لك - لتكن توصيتك به إلى رئيسه ألا يغصبه قل له: أم سعد تستحلفك بأمك أن تحقق لسعد ما يريد إنه شاب طيب، وحين يريد شيئاً ولا يتحقق يصاب بحزن كبير، قل له، دخيلك، أن يحقق له ما يريد.. يريد أن يذهب إلى الحرب؟ لماذا لا يرسله؟".
الكاتب لا يخترع لنا بطولات، بل من منظومة الاستجابات والميول الأمومية ينبثق الخيار البطولي، فالأم حقاً حريصة على الحفاظ على أبنائها، ولكنها في الآن ذاته حريصة أيضاً على الاستجابة لرغباتها، فما دام سعد يريد الذهاب إلى الحرب، فلماذا يخيفه الرئيس؟
فمن نسيج بساطة حياة الشعب، تصاغ الأفعال البطولية، وهذه الأفعال ترتهن في شرطيتها إلى الخصائص التي تميز سيماءهم الذهنية والنفسية والسلوكية والمزاجية.
في هذه المجموعة القصصية "عن الرجال والبنادق"، لم نعد تجاه الإشكالات الفردية التي تعمم على أنها إشكالات إنسانية عامة، بل أصبحت الشخصية القصصية تحمل خصائص النمذجة، فالصغير الذي يستعير مرتينة خاله بمبادرة خاصة منه ليشارك في حصار القلعة، يصبح الصغير الفلسطيني عامة، مع الحفاظ على نثريات الحياة اليومية والاجتماعية به كشخصية مفردة، وهو إذ يقاتل بواسطة مرتينة خاله العتيقة، إنما يعبر بذلك عن إرادة المواجهة والبطولة الشعبية التي لم يتوفر لها الحد الأدنى من إمكانيات المواجهة أمام العتاد التكنولوجي الإنكليزي الحديث وهو يدخل المواجهة مع الإنكليز والصهاينة معاً، ولا يملك سوى إرادته وحسه الوطني، وعشق بريء للأرض، ووعي ساذج للعالم. وبذلك تكتسب الكتابة إيقاعها الملحمي، من خلال الطابع الشعبي الذي يسم الفعل البطولي للشخصية القصصية، وتدخل التاريخية كسمة، تطبع الحدث وعلاقته بالشخصية، فالزمن القصصي، يتجاوز المفهوم التزامني القائم على راهنية وضع الشخصية ليتحول إلى جدل علاقة بين الزمني والتزامني، بين التاريخي والراهن، بين الماضي والحاضر.
ففي قصة "حامد يكف عن سماع قصص الأعمام" يغدو الراهن الزمني، ووضع الشخصية تحقيقاً لا للفعل القصصي في راهنية اللحظة السردية، أي بالوضع الإنساني بمعزل عن شرطيته التاريخية، بل يمتن بسببية تجد مغزاها في الانشداد إلى الحدث في تاريخيته الزمنية، إلى طفوله حامد الشقية، حيث ضياع الأخت وسقوطها، والمعاناة الشديدة التي هي وليدة الظروف الاجتماعية ليست هنا في سياق المأساة الفلسطينية، سوى الذل والخيبة والخوف والسقوط، مقنعة بقناع الحكمة، لقد "سمع حامد كثيراً، كثيراً جداً، إلى أطنان من الكلمات والقصص والعويل، لم يكن بوسعها أن تقتل ذبابة واحدة، لم يكن بوسعها أن تطمر حقيقة واحدة، وهي أن أخته قد سقطت، ولذلك قرر حامد أن يكف عن الاستماع إلا لتقوض جبل الفولاذ (الدبابة التي دمرها) والتي أخذت سمعه، فلم يعد في آذانه سوى دوي الانفجار، فهو الصوت الوحيد الذي يطمر كل ما عداه ويدفنه.
إن استخدام غسان للمجاز في هذه القصة لا يستند إلى أية علاقات بلاغية، بل تنبثق الدلالة المجازية من علاقات الحضور للعوامل القصصية ذاتها، فهو مجاز بنائي عقلاني يستمد دلالته من التشكل الهيكلي لمعماره الفني القصصي، حيث لا يدمر الرمز الواقع بل يعززه ويغني المضمون التعميمي له.
إن تفجير الدبابة الذي أخذ بسمع حامد، كفعل قصصي متخيل فنياً وقابل للتحقق واقعياً، يستثمره الكاتب بإقامة علاقات تواز وتناظر بين ماض كان فيه يسمع، لكنه لا يسمع سوى التشكي وأنين حكمة الصبر والظروف، وبين حاضر أصبح فيه أصم، لكنه صمم عن سماع أنين الحكمة والتشكي، وصدام النقيضتين (السماع وعدم السماع) يؤدي إلى قلب في سلم القيم، فالسماع كإيجاب يتحول إلى سلب ضمن سياق القيم التي تطرحها القصة، والصمم يصبح إيجاب ضمن السياق ذاته، فالصمم كمأساة في سلم القيم في الواقع الخام، يصبح مأثرة وقيمة في الواقع الفني والكاتب في قلبه لهذه المعادلة لا يلجأ إلى المجاز البلاغي الذي يفترض علاقات غياب تشبه بعلاقات الحضور، فيضمحل المحسوس لصالح المجرد الغائب، بل عبر علاقات الحضور ذاتها كعوامل روائية، تستند إلى مرجع الواقع ذاته، وبذلك يغيب الخطاب الذاتي للكاتب، خلف استقلالية حركة الحدث والشخصية، وغسان كنفاني ربما الكاتب العربي الوحيد الذي لا تغذو القصة، جزءاً من سيرته الذاتية، والشخصية تنويعات على سلم أناه، وربما في ذلك سر أن تكون فلسطين موضوعه الدائم، لكن الموضوع الذي يشع بمجرد دلالاته، ومضامينه المختلفة والمتنوعة، والذي لا تجد قصة له تتشابه مع أخرى.
فنثره القصصي تحقيق للواقع بنثرياته اللانهائية في تنوعها وتجددها، وموقف مسؤول من الحياة والواقع والقضية، وفي ذلك سر تلك العقلانية الأسلوبية، كبناء وكإدراك، هذه الخاصية العقلانية ربما هي أيضاً سر تطوره الفكري من القومية إلى الماركسية كمنظور معرفي وجمالي وسياسي.
وغسان أيضاً الكاتب العربي الوحيد الذي تنطبق عليه بجدارة عميقة مقولة بيلنسكي: في أن عصرنا لن ينحني إلا لهؤلاء الذين تكون كتابتهم أفضل تجسيد لحياتهم، وحياتهم أفضل تجسيد لكتابتهم، واستشهاد غسان كان أفضل أمثولة للموقف في الكتابة والحياة، وأفضل أمثولة عن هؤلاء الذين ينحني عصرنا لهم بجدارة، واهتمام العالم التقدمي والعربي وشعوب أمريكا اللاتينية المكافحة بأدب غسان أفضل تعبير عن هذا المغزى.
(مجلة الهدف، العدد 731، 23 تموز 1984، ص 44-47)
[1] من الفصل الذي نشرته الهدف في الذكرى الحادية عشر في تموز 1983 – لفضل النقيب تحت عنوان هكذا تنتهي القصص هكذا تبدأ.

