(1)
لعل أهم عنصرين في إدارة أية معركة، أو حرب، وتحقيق الإنجازات بهما هما عنصر القيادة باعتباره واضع الأهداف، ومخطط الاستراتيجيات، ومُجسّر الهوة ما بين ما هو مطلوب للانتصار، والامكانيات المتاحة لتوفيرها. والعنصر الثاني الحاضنة الموحدّة للمشروع، بمعنى وجود توافق شعبي، وسياسي على المعركة وضرورتها من أجل إبراز عناصر مهمة لدى الشعب الفلسطيني خصوصاً في ظل غياب أي إمكانية حالية لتجسير الهوة في الإمكانيات حيث يستعاظ عن هذه المهمة فلسطينياً بصمود عالٍ منقطع النظير، واستعدادية وجهوزية وتضحوية لعلها تكون من أكبر التجارب العالمية للشعوب في الصمود والجهوزية والاستعدادية والتضحوية، مما يجعلها عامل القوة الأساسي ونقطة القوة الوحيدة، التي يعمل الاحتلال على تحطيمها منذ سنوات طوال تارةً بالحيلة والدهاء، وتارةً بالغدر، والتحايل عبر مشاريع تصفوية، تنموية اقتصادية في ظاهرها، واتفاقيات تطبيع وسلام، وتارةً وهو الدعم عبر استخدام واللجوء للعنف المباشر والمبالغ فيه من أجل ضرب هذا العنصر وتحطيمه، وهو ما يظهر حالياً في كل الساحات الفلسطينية خاصة غزة، والتي يستخدم فيها العدو قدراً مبالغاً فيه من القوة وعناصرها، ويقايض الهدوء مقابل بعض الامتيازات باعتبارها هبات أو حسن نوايا وهي العملية التي تستهدف ترويض الإرادة الشعبية، كما أنها تستخدم العنف ضد أية كادرات نضالية باعتقالها المتكرر غير المبرر باعتباره عنفاً مباشراً أيضاً ضد الكادرات وأسرهم، وكما تستخدم العنف المفرط واللجوء لاغتيال أية ظاهرة قيادية ميدانية، كما في جنين، ونابلس والخليل، وكل مدن فلسطين، في حين انها لجأت وتلجأ لتشويه النمط القيادي الشبابي غير المأزوم وغير المتساوق مع فكرة الاحتلال في أراضي 1948، من خلال تحطيم مبادراتهم النضالية والتنظيمية، واعتقالهم، وتعريضهم لتجارب مشوهة لتفتيت فكرهم النضالي المعارض للاحتلال.
أما على المستوى الجمعّي، فكثفت دولة الاحتلال ممارساتها من أجل تحطيم وحدة الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية والميدانية، وتحطيم وتجزئة المجهود النضالي ليسهل التعامل معه والسيطرة عليه، وإبقائه أضعف من أن يتحول لقوة قيادية استراتيجية من خلال معركة مفتوحة لا زالت بعض الأوساط الأمنية والعسكرية لدى الاحتلال تسميها "جز العشب" من أجل كسر أية محاولة لإنتاج كادرات قيادية، أو تواصلها واستمرارها وتحّولّها لظاهرة.
فقد نحت دولة الاحتلال في معركتها الأخيرة بتحطيم فكرة المعركة الموحدة، أو الساحات، أو غيرها عبر تحييد حماس من المعركة، وزج الجهاد الإسلامي بها كعنوان، من أجل تحطيم الوحدة الميدانية التي برزت كعنوان في معركة سيف القدس ، كما أنها لجأت لاغتيال إبراهيم النابلسي في نابلس بعد انتهاء المعركة بيوم لخلق حالة من المعارك والساحات المنفصلة، معركة غزة ليست معركة نابلس، ومعركة جنين ليست معركة الخليل، وهكذا؛ فالمعركة مفتوحة من قبل الاحتلال ضد شعبنا، في الضفة الغربية، التي يديرها الشعب بلا قيادة، بل أن القيادة في الضفة، تدير ظهرها لنضالات شعبنا، وتكتفي بالإدانة والاستنكار، كما القيادة العربية مثلاً، أو كقيادة جنوب أفريقيا، أو غيرها من الدول التي تستنكر وتدين، فيما يلجأ الاحتلال لإبراز قيادة موازية في غزة، حماس مقابل السلطة، وتالياً إبراز عدة قيادات مجزئة، قيادة حماس، قيادة الجهاد، مما يفقد الشعب الفلسطيني أول عناصر وممكنات الانتصار، والتي تؤثر تالياً على غياب الاستراتيجية الموحدة، وتضاربها، وغياب أية تركيم لأية ممكنات أو عوامل للانتصار أو عناصر القوة، وهو ما شَكلّت معركة سيف القدس بداية له.
(2)
• معركة سيف القدس...
شَكلّت معركة سيف القدس، ومن حيث لا يحتسب العدو لحظة فارقة أدت لفرصة تاريخية لتركيم أو التأسيس لوجود مُمكنات وعوامل وعناصر لانتصار تكتيكي، يمكن البناء والتأسيس عليه، ولكن للأسف، تم تجاوز هذه اللحظة، بل وتحطيم كل ممكناتها وانجازاتها، مما يعطي انطباعاً ربما يكون حقيقياً بأن سيف القدس قد سقط من يد حامله.
وللتذكير، فإن معركة سيف القدس، قد أبرزت عنصراً قيادياً جامعاً وموحداً، وهو المناضل محمد الضيف، الذي أسست له معركة سيف القدس أن يتقدم الصفوف، ولينتقل من الساحة الميدانية إلى الساحة السياسية عبر تحديد معالم المرحلة اللاحقة لسيف القدس، وتحديد شروط وقواعد اللعبة بشكل حاسم، وتقديم مبادرة يكون هو ضامنها. صحيح أن حماس حاولت عبر مسؤولها السياسي في غزة "السنوار" وهو ما لم ينجح كونه لم يبايع في الساحات، وثانياً كون خطابه ما بعد المعركة، قد أعاد الراية لأبي مازن مما اعتبر ضعفاً استخدم للضغط في إطار الصراع الداخلي، وليس للارتقاء بمستوى القضية الوطنية، واستثمار الجهد لتعزيز ومراكمة عوامل الانتصار. ثم أن هذه المعركة أسست لتغييرات على المستوى السياسي الفلسطيني من حيث اعتلاء قوى المقاومة المنصة السياسية الفلسطينية، والإسهام في تغيير حقيقي في موازين القوى وقواعد الاشتباك على مستوى الصراع مع العدو.
ولعل أهم الإنجازات التي حققتها معركة سيف القدس قد تمثلت بـ:
1. توحيد الساحات الفلسطينية، وتوحيد الصف والجغرافيا، تحت عنوان المعركة (القدس)، والمقاومة واستلامها زمام المبادرة.
2. تشكيل غرفة العمليات المشتركة، وربط المقاومة بأيةِ أحداث أو تطورات ميدانية على كامل الجغرافيا الفلسطينية التاريخية.
3. شَكلّت مفصلاً وهيكلاً يمكن البناء عليه لإعادة اللحمة والوحدة الوطنية.
4. إبراز أو الانتقال للنقطة التي فيها عسكرياً ، انتقلت المقاومة من الدفاع الاستراتيجي، للتوازن الاستراتيجي، وهو ما عَبّرت عنه أصوات صهيونية (بالتعادل) لأول مرة.
5. شَكلّت نقطة للتأسيس لخطاب فلسطيني موحد يتجاوز أوسلو، مما يعزز باتجاه توجيه ضربة قاسمة لهذا المشروع الاستسلامي.
بالإضافة للعديد من الإنجازات الميدانية والسياسية الأخرى، لكن كل ذلك كان يتطلب الوحدة الوطنية، وإبراز مستوى قيادياً مستثمراً أجواء الانتصار لتجاوز مستوى قيادي فشلت كل الرهانات على إمكانية عودته لمربع المقاومة، وإخراج المقاومة من قمقم غزة المحشورة فيه منذ العام 2007، اثر الانقسام.
بهذا المعنى كانت معركة سيف القدس تُشكّل علامة فارقة في المشروع الوطني الفلسطيني برمته، وكانت ناجحةً في توقيتها، وعنوانها، وتكتيكاتها، وخطابها وزمانها. وربما نستطيع القول بمكانها ذلك أنها تجاوزت غزة نحو الجغرافيا الفلسطينية بأكملها.
(3)
ما الذي حدث لنقول أن سيف القدس سقط من يد حامله؟
إن المراقب لمجمل السلوك الميداني والسياسي لحركة حماس التي اعتبرت نفسها حاملةً لسيف القدس، بل وراس حربة المعركة في ذلك الإنجاز، يعي أنها أسقطت السيف أو أن وهناً أصاب اليد التي تحمله، مع الاعتذار لكل المقاتلين على الأرض، حيث أضاعت قيادة حماس أكثر من فرصة للمراكمة هي وكل القوى السياسية وقوى المقاومة الأخرى إمكانية اعتلائها المنصة السياسية عبر التركيم على لحظة سيف القدس، وتعزيز وتعميق الإنجاز الميداني والسياسي، عبر ضرب مشورع أوسلو الضربة الأخيرة القاسمة، عبر تحويل الإنجاز لمشروع سياسي، فالذي ساد هو التخبط، وعدم وضوح الرؤية لما بعد المعركة، كما أن الأداء الميداني، أصبح بجله للحفاظ على غزة وإدارة واقعها، بدلاً من توسيع رقعة المشاركة، صحيح أن مهمة تحسين واقع غزة وشروط حياتها هي مهمة مُلحة، ولكنها لا تقع أبداً على عاتق المقاومة التي لم يكن عليها أن تزج نفسها وترهق طاقتها بهذه المهمة. وبكل الأحوال، انقضت عدة لحظات كان على المقاومة مجتمعةً أن تراكم عليها، وتبني مشروعها، وذلك عبر:
1. تقديم قيادة ليست بديلة، وإنما قيادة قادرة على الولوج إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة تثويرها على قاعدة المثلث – الذي قاعدته المقاومة، ورأس هرمه القيادة المتمثلة بـ م.ت.ف/ وليست إعادة إنعاش القيادة الحالية باعتبارها شريكة في الانتصار.
2. عدم الولوج باتفاقيات ثانوية تتعلق، بإعادة الاعمار وشروط تحسين الحياة، كالعمال، وفتح المعابر، وإدخال الأموال، والبضائع، لأنها اعتبرت مُقايضة بين تحسين شروط الحياة مقابل التخلي عن منجزات المعركة، وهو المربع الذي تجر دولة الاحتلال المقاومة نحوه، فالتصعيد يقابل بإغلاق غزة وتشديد حصارها، والهدوء يقابل برفع وتيرة المساعدات، وهو ما انسحب على معركة الأسرى أو صفقة التبادل.
3. لم تتعامل حماس وقوى المقاومة استراتيجياً مع وحدة الساحات، ولا جدياً مع مسألة التمثيل الميداني والسياسي للساحات، فقد اشتعل الداخل 1948، وكانت لحظة الذروة في النقب التي كان من الجدير بالمقاومة أن ترفع السيف انتصاراً لهم أسوةً بالقدس، ولكن هذا لم يحصل وبقى مرةً أخرى أهالي الداخل وحدهم.
4. لم يتم تجاوز مفاعيل أوسلو بالخطابات الوطنية والحزبية فلا زال الحديث يدور عن أهلنا في الضفة وغزة، أو عن المشروع باعتبار أن الحدود الجغرافية والبشرية والاجتماعية والسياسية والحزبية هي الضفة وغزة.
5. لم يبادر طرف لإعادة بناء تشكيل تنظيمي موحد يجمع أبناء شعبنا في كافة أماكن تواجدهم.
6. لم تبادر المقاومة إلى استخدام السيف في العام اللاحق أثناء بروز ذات الأحداث في الأقصى، واقتحامه، وما حصل وما زال يحصل في المدن الفلسطينية كافة.
7. خاضت حركة الجهاد في غزة معركة بعنوان منفصل، وبأداء منفصل، وقابلت حماس ذلك بالصمت. بغض النظر عمن مصيب أو مخطئ، إلا أن الذي برز أن غزة ذاتها والمقاومة وعناوينها – وكل ما تحقق في معركة سيف القدس قد تحطم، وهو ما يعني أن السيف قد سقط من يد حامله.
وأخيراً، لعل ما قدمناه هو محاولة نقد قاسية، ولكن قسوة النقد مدعاة لتحصين الأداء، وليس للرد عليه، وقد يكون أبلغ ردّ هو التأكيد على الشعارات، والأداء مما يسهم في إبراز عوامل الانتصار والمراكمة عليها، ثم أننا لا نقدم تصوراً أو تحليلاً واهماً، فنحن نعلم أن جغرافية غزة وسكانها لن تستطيع تحمل عبء المعركة وحدها دون احتضان سياسي، ونضالي ومالي، خاصةً في ظل الحصار، وانعكاسات الانقسام. ولعلنا نضيف أن حماس ربما لم تتعاطَ مع مشروع القيادة أو التجديد فيه، أو إعادة تشكيله على أساس من مشروع م.ت.ف الأساسي بجدية. وربما تكون غير مهيئة لا فكرياً وأيديولوجياً، ولا سياسياً لإدارة دفة القيادة الفلسطينية مما يعني أن عليها أن تعمل على مشروع الوحدة الوطنية، وإعادة إصلاح م.ت.ف، وتحمل هذا المشروع كأولوية وليس كمشروع تكتيكي. فحماس هي التي حشرت نفسها في غزة، وهي لم تبدِ أي تهاون تجاه نفسها أولاً، أو الآخرين لإخراجها من عنق الزجاجة، خاصةً وأنها ليست مجرد تنظيم، أو قوة مقاومة مسلحة، بل يجب أن تتعاطى مع ذاتها باعتبارها جزءاً من قيادة المشروع الوطني الفلسطيني بكل ما يحمله هذا العنوان من مضامين، ورؤى وأفكار واتجاهات واحتمالات.
(4)
إبراهيم النابلسي
وليس آخراً، إن بروز المناضل الشهيد إبراهيم النابلسي كظاهرة قيادة ميدانية وهو لم يتجاوز التاسعة عشر، بل ويواجه، حيث دولة تهابه الدول الأخرى، لهو مدعاة فخر للشعب الفلسطيني، ودعوة لاحترام هذه الدماء والوصية بالوحدة الوطنية فوراً، فعلى جنرالات وقادة الجيش الصهيوني أن يخجلوا من ذلك الشاب ابن التاسعة عشر الذي واجه جيشاً. إبراهيم هو أحد أهم مُمكنات الانتصار، إذا ما تحَوّل لظاهرة تحتضنها قيادة وشعب موحد في إطار من استراتيجية مقاومة واضحة وفاعلة في أهدافها وتكتيكاتها.
إن إبراهيم هو وجه انتصار حقيقي على الاحتلال، وردم لرؤيته التي بنى نفسه وجيشه عليها في هوة عميقة. إن الجدار الذي حطمه الجيش الصهيوني أثناء المواجهة مع النابلسي هو الجدار الفاصل الذي سيخرج به إبراهيم وكل الشباب المقاتلين من الشعب الفلسطيني من ظملة الاحتلال إلى نور الحرية. ففي اللحظة التي ارتقى فيها إبراهيم شهيداً برزت لحظة الانتصار التي تتراكم... وما على قوانا السياسية إلا أن تعد ذاتها، وتتّحد، وترسم ملامحها، وتقدم نفسها لشعبها حتى تراكم، بل وحتى تحصد الانتصارات التي يُشكّلها إبراهيم ومئات بل وآلاف الشباب من طينة إبراهيم، فليس على الشباب الصغير أبناء التاسعة عشر، أقل أو أكثر قليلاً، أن يستشهدوا على الحواجز، بل عليهم أن يتحصنوا بشعبهم بمدنهم وقراهم وجبالهم، ويحملوا السلاح لتنتشر ظاهرة إبراهيم استعداداً للمواجهة المفتوحة مع الاحتلال، ولتنتشر المقاومة خارج قمقم غزة، وتتكامل عوامل الانتصار، وحتى تتكامل ساحات المعركة.

