تجربة حزب الله في مقاومة الاحتلال وهزيمته، ودحره الاحتلال في الجنوب اللبناني، وهزيمته للعدو في حرب تموز 2006، وهزيمته لفصائل الارهاب في الجرود الشرقية، وخوضه لمعركة سراقب الليلية في محافظة إدلب وغيرها، باتت محط اهتمام المراقبين العسكريين ويجري تدريسها في مختلف الكليات الحربية، والاستفادة منها من قبل حركات التحرر والشعوب التي تكافح من أجل التحرر من الاستعمار.
وجاءت المعركة السياسية التي يديرها حزب الله مع العدو الصهيوني بشأن حقل "كاريش" في المياه الاقتصادية الاقليمية اللبنانية، المستندة إلى عوامل القوة العسكرية والاقتدار لتؤكد مجدداً أن الحقوق تنتزع بالقوة ولا تستجدى، وأن المفاوضات بشكل غير مباشر من قبل الطرف الرسمي اللبناني مع العدو الصهيوني، تكون وظيفتها أن يسلم العدو بحقوق لبنان النفطية والغازية كاملة بدون نقصان، وليس التفاوض حولها، وفي الذاكرة انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من معظم جنوب لبنان في أيار 2000 بدون مفاوضات أو قرارات من مجلس الأمن. فالسيد نصر الله هدد بقصف كل منشآت حقل كاريش الإسرائيلية وكل منصات النفط والغاز على طول ساحل فلسطين المحتلة عام 1948، إذا لم يحصل لبنان على كامل حقوقه النفطية والغازية، ناهيك أنه اشترط رفع الفيتو الأمريكي عن استخراج النفط والغاز اللبناني من الحقول غير المتنازع عليها.
وحتى يدرك العدو الصهيوني جدية التهديد أرسل حزب الله رسالتين للعدو، الرسالة الأولى رسالة الطائرات المسيرة الثلاث لمحيط حقل كاريش، التي نفذت مهمتها بنجاح في استطلاع وتصوير المنطقة وسفينة التنقيب والاستخراج، وأوقعت العدو في كمين إسقاط اثنتين منها بمشاركة طائرات ف 16 وف 35 والقبة الحديدية حتى يأخذ الحدث مداه الإعلامي بهدف إحداث الأثر المطلوب- على حد تعبير نصر الله.
والرسالة الثانية تمثلت في قيام الإعلام الحربي في المقاومة الإسلامية، بنشر مقطع مصور لإحداثيات منصات استخراج الغاز على ساحل فلسطين المحتلة، في رسالة واضحة للاحتلال الإسرائيلي تحت عنوان "في المرمى، واللعب بالوقت غير مفيد"، حيث استعرض الفيديو الذي جرى التقاط صوره عبر كاميرات حرارية متقدمة، سفينتي الحفر والإنتاج ومنصة عائمة، مع معلومات خاصة بها، سواء لجهة بلد المنشأ أو المميزات أو الإحداثيات الجغرافية وبعدها عن الشواطئ اللبنانية، ما يعني أن حزب الله بات يملك سيطرة "استخبارية كاملة" على المساحة البحرية التي يعمل فيها الاحتلال الإسرائيلي، ناهيك أن توقيت نشر الإعلام الحربي هذا الفيديو يحمل رسالة سياسية لا إعلامية وعسكرية فحسب، خاصةً وأنه تم بثه في ذات اليوم الذي وصل فيه الوسيط الأمريكي "أموس هوكستين" للعاصمة اللبنانية بيروت.
هذه الرسائل المستندة إلى عامل القوة الذي يدركه العدو جيداً، عملت على تفريغ تكتيك اللعب بعامل الوقت من محتواه، الذي مارسه العدو والوسيط الأمريكي، والبدء بتقديم تنازلات بشكل تدريجي، لمسته الرئاسات اللبنانية الثلاث في لقائها مع الوسيط "أموس هوكستين"، وجعلها في لقائها الأخير معه تتشبث في موقفها بالحصول على كامل حقوقها الغازية شمال الخط (23) ورفض العرض الصهيوأميركي بحصول (إسرائيل) على الأجزاء الجنوبية الغربية من الحقل، مقابل تنازلها عن حقل قانا.
وسائل الإعلام الإسرائيلية علقت على اللقاء الأخير بين الرئاسات اللبنانية الثلاث بأن "الاتفاقية، التي تتبلور الآن، هي استسلامٌ كامل للبنان من جانب رئيس حكومة الاحتلال، يائير لابيد، ووزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس"، لافتةً إلى أنّ "خضوع إسرائيل انتصارٌ كبير للأمين العام لحزب الله (السيد) حسن نصر الله".
لقد أدرك العدو الصهيوني، أن رفع حالة التأهب لمؤسسته الأمنية والعسكرية، وتشكيل منتدى متعدد الأذرع من وزارة الأمن، سلاح البحر، شعبة العمليات، سلاح الجو، قيادة المنطقة الشمالية، أجهزة الاستخبارات، لمواجهة تهديدات حزب الله بقصف كافة منصات العدو النفطية والغازية، لن يجد نفعاً بعد الرسائل السابقة لحزب الله، فراح يناور بالحديث عن تأجيل موعد (سبتمبر) أيلول، الذي سبق وأن حدده لاستخراج الغاز من حقل "كاريش" في محاولة للتحايل وكسب الوقت. لكن الفيديو الذي بثه إعلام المقاومة تحت عنوان "في المرمى، واللعب بالوقت غير مفيد"، أوقع حكومة العدو في ورطة، ودفعها للبدء في تقديم تنازلات جزئية على أمل الحصول على حل وسط مع لبنان، لكن المقاومة باتت أكثر إصراراً على التمسك بكامل حقوقها الغازية في الحقل، وليس أمام حكومة العدو سوى أن تتجرع كأس الهزيمة المر والتسليم بمطالب لبنان كاملةً شمال الخط (23).
يضاف إلى ما تقدم، فإن هنالك عوامل أخرى تدفع العدو لتقديم التنازلات المطلوبة للبنان أبرزها: عدم جاهزية الكيان الصهيوني للحرب جراء حالة عدم الاستقرار السياسي والخلل في جهوزية سلاح البر والمدرعات/ حاجة الكيان الصهيوني لاستخراج الغاز والنفط من كامل الحقوق لتزويد أوروبا بالغاز/ وصول المستويين الأمني والسياسي للكيان الصهيوني إلى قناعة بأن مناورات "مراكب النار" التي تم انجازها على مدار (30) يوماً في شهري أيار وحزيران الماضيين لم تغلق الثغرات اللازمة في مستوى الجاهزية للحرب في الشمال.

