تصريحات الرئيس محمود عباس ردًا على أسئلة بعض الصحفيين في المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشار الألماني، كان وقعها ثقيلًا على المستشار الألماني، الذي سارع إلى إعلان عدم موافقته على ما صرح به الرئيس عباس حول المجازر الإسرائيلية وإعطائها صفة الهولوكوست، إضافة لإعلان موقفه أن إسرائيل لا تمارس نظام الفصل العنصري في فلسطين.
ردود الفعل لم تقتصر على المستشار الألماني، بل أثارت غضبًا غير مسبوق ضد الرئيس عباس، من قبل السياسيين الألمان، الذين انتقدوا ضعف ردة فعل مستشارهم. أما السياسيين الإسرائيليين، طالبوا بعزله وعدم استقباله من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي (تصريح وزيرة الداخلية الإسرائيلية).
التصريحات تحمل أهمية من حيث أنها أطلقت من على منصة المستشار الألماني وبحضوره وهذه سابقة لم تحصل من قبل. أما من حيث الزمان فقد أطلقت هذه التصريحات في إطار التحولات العميقة التي تحصل في أوروبا والعالم بعد المقارنة التي أطلقها وزير خارجية روسيا حول الموقف الأوروبي والأمريكي، من الحرب في أوكرانيا والعدوان الإسرائيلي الدائم والمتكرر على الشعب الفلسطيني. إذا ما أضفنا لها التغيير المتدرج في السلوك السياسي الخليجي حول الموقف من العملية الخاصة الروسية وما تبعها من سياسات نفطية تتعارض مع الطلب الأمريكي الملح، لزيادة الإنتاج لإغراق السوق وخفض الأسعار للتأثير على التدفقات المالية للخزانة الروسية.
ناهيك عن الموقف من الأزمة التي نتجت عن زيارة رئيسة البرلمان الأمريكي لتايوان وتفاعلاتها الإقليمية والعالمية، حيث جاء الموقف الفلسطيني المعلن حول سيادة الصين على تايوان، وكذلك الموقف الرسمي العربي انحيازًا إلى الموقف الرسمي الصيني. كل المؤشرات السياسية تذهب إلى أن هناك تغيرًا في السلوك السياسي للنظم التي كانت تهمس اعتراضًا على سياسة الكيل بمكيالين الأمريكية والأوروبية، تحول هذا الهمس إلى العلن، وخاصة عندما ذهب بعض وزراء الخارجية إلى إعلان رفضهم للمواقف الأوروبية الأمريكية التي طالبتهم بوقف استيراد النفط الروسي، بحجة أنهم يمولون الحرب على أوكرانيا، في حين لم توقف الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا استيرادها للغاز الروسي وقبولهم دفع ثمنه بالصيغة التي حددتها موسكو. ضمن كل هذه المؤشرات، جاءت تصريحات الرئيس محمود عباس، الذي يدرك الاستحقاقات السياسية والشخصية التي سوف تتبع هذه التصريحات.
أهمية هذه التصريحات من حيث الزمان والمكان وما نتج عنها من ردود أفعال إسرائيلية أولية، فهي كسرت غرفة المرايا الإسرائيلية التي يضع الساسة الغربيون أنفسهم داخلها، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فلا يرون إلا ما تعكسه المرآة الإسرائيلية، فهذه التصريحات تراها إسرائيل أنها تقوض الرواية الإسرائيلية التي تعطيها أحقية أن تكون خارج إطار المحاسبة القانونية، والأهم أنها تطرح تساؤلات حول سلوكها الإجرامي بحق الفلسطينيين من مصادرة وتهجير واقتلاع واغتيال وقتل ميداني خارج الإطار القانوني ومصادرة وهدم الأملاك الفلسطينية، هذا هو المعنى الحرفي لجوهر الهولوكوست الفلسطيني الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني. هذا الهولوكست الذي تدعمه وتغطيه السياسة الألمانية ومعظم الساسة الأوروبيين والأميركيين ومنهم من يعلن جهارًا عن صَهيونيتَهُ. إن التصريح يسقط الوجه الأخلاقي للرواية الإسرائيلية ويطرح تساؤلات مشروعة حول الممارسات الإجرامية لدولة إسرائيل، كما يكشف الغطاء السياسي، الذي تحظى به من قبل واشنطن ولندن وبرلين وباريس، تحت ذريعة حقها بالدفاع عن النفس وضمان تفوقها على جيرانها العرب والإقليميين.
عنوان ضمان التفوق يطرح أيضًا سؤالًا عن جدوى الأسلحة التي قدمت وتقدم للدول العربية الصديقة لواشنطن، وهل تملك ذات المواصفات التي تمتلكها إسرائيل؟
هذا يفسر ردة الفعل الامريكية والأطلسية على الموقف التركي بشأن استيراد منظومة الدفاع الروسية، لأنها تسقط واقعية تفوق سلاح الجو الاسرائيلي.
الدول العربية عليها أن تخرج من إطار وحدانية التسليح الغربي، لكي تعزز التغير في الموقف السياسي.
أما عن التصريح الثاني للرئيس عباس حول الموقف من إقامة الدول الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران الذي طرحه في إطار ما اصطلح على تسميته بحل الدولتين، هذا الشعار الذي استنزف، أصبح فارغًا من أي مضمون في ظل السياسات الإسرائيلية المدعومة من البيت الأبيض والتواطؤ الأوروبي في تمريرها. فقد طرح الرئيس عباس تساؤله عن مدى مشروعية الشعار في ظل السياسة الاستيطانية الإسرائيلية والعدوان المستمر على الشعب الفلسطيني الذي سيؤدي إلى حل ثنائية الدولة، هذا التساؤل يضع علامات استفهام على يهودية الدولة التي تريدها إسرائيل وحلفائها من واشنطن حتى برلين.
بغض النظر عن موقف جميع الفصائل من السلوك السياسي للرئيس عباس، لكن يجب أخذ هذه التصريحات من حيث زمانها ومكانها والدفع بها لإعادة تموضع الموقف الفلسطيني إقليميًا ودوليًا، لِتحديد إطارًا زمنيًا للحل الدولي أو يذهب الموقف إلى حل أحد خيارين: إما حل السلطة وتتحمل إسرائيل وحلفائها كلفة احتلالها أو نذهب إلى حل الدولة الديمقراطية التي تقوض يهودية إسرائيل وتضع ديمقراطيتها أمام محك توازن القوى الاجتماعي الذي سيعكس ميزان القوى الاجتماعية.
الرئيس عباس بالتأكيد يدرك أن الثمن الشخصي والسياسي للتصريحات، سيكون غاليًا، ومن الممكن أن تكون تصريحات النفس الأخير، لكنها تعتبر تصريحات جريئة، من حيث زمانها ومكانها.

