تقول "رهف سلمان" وهي لم تبلغ من العمر "11" عام: "كله كذب، إنهم يقصفون المنازل والمدنيين والأطفال، ولا يفرقون بين كبير وصغير"، هي الحقيقة بكلمات صغيرة كعمرها، محاولة بهذه الكلمات التعبير عن وصف الصاروخ الذي سقط من السماء على جسدها، وبهذه الكلمات أيضاً تقول الحكمة التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ أكثر "74" عاماً، حيث حاول الكثير مساعدة الاحتلال على إظهار حقيقة مختلفة، كأن الاحتلال جاء يقدم الدمى، والورد، وقطع الحلوى لأطفال فلسطين، ولكن خذوا الحكمة من أفواه الأطفال، وخصوصاً من "رهف سلمان"، حيث الصاروخ قام ببتر قدميها، ويدها اليمنى.
كلمات "رهف" تحمل معها البساطة، بل وأكثر براءة الأطفال عندما يتحدثون عن مشاعرهم، ولتدرك "رهف" ما هو الاحتلال ربما عادت إلى حكايات الطفولة، فمثلاً رجعت قليلاً إلى الأسطورة الفرعونية التي تتحدث عن الرجل "القزم"، أو "أبو رجل مسلوخة" الذي كان يخطف الأطفال ويأكلهم، هكذا هو الاحتلال بالنسبة لها، حيث هو رجل على هيئة وحش جاء بصاروخ محاولاً تدمير أحلام الطفولة. ولكن تسأل "رهف" أن "أبو رجل مسلوخة" هو رعباً للأطفال الصغار، ويتم التلويح به عندما يخطئ الطفل، أو يرفض تنفيذ الأوامر، ولكن أنا لم أخطئ، لماذا جاء بصاروخ؟
نشرت مجلة ""+972 تقرير عن شهادات جنود يتحدثون عن أوامر صدرت لهم بأن لا بأس من قتل بعض الأطفال، بحسب طبيعة المعركة، وهذا التقرير جاء بعد معركة "وحدة الساحات"، على الرغم من أهمية التقرير إلا أن الفلسطيني لا يحتاج إلى شهادات من جنود الاحتلال حول قتلهم، حيث الفلسطيني يعلم منذ عام 1948 كيف كانت قوات الهاغانا، وشتيرن، وغيرها من العصابات تقوم بشق بطون النساء وقتل الأجنة بداخلها، وأكثر يعلم أن كلمات "رهف سلمان" أصدق من روايتهم، حيث هي من واجهت الصاروخ وحدها.
لم تنسَ "رهف" العشاء الأخير قبل أن يأتي الصاروخ ويقتل الخبز قبل الروح، حيث خرجت تبحث عن شقيقها "محمد" بين تفاصيل الموت الذي كان يخيم على أزقة قطاع غزة، ولكن لا وصف لما حدث معها سوى وصفها هي عندما قالت: "شعرت أني تكهربت ولم أشعر بشيء بعد ذلك، إلى أن وجدت نفسي هنا"، وتقصد هنا بالمشفى، وأكثر تقصد أن الصاروخ قد حرمها من حلمها بأن تكون رسامة أو طبيبة.
كانت كلماتها أقوى من الصاروخ عندما قالت: "سأكتب بيدي اليسرى لأكون طبيبة"، حيث هنا الاحتلال جاء ليقتل فكرتها الأولى عندما كانت أمها تعلمها أن تأكل بيدها اليمنى، ولكنها باتت تعلم أن أمها كان عليها أن تعلمها أن تكتب بيدها اليسرى اليوم أكثر من أي وقت مضى.
هي الطفلة التي صمدت أمام هول الانفجارات والاحتلال وأسلحته المحرمة دولياً، على الرغم أن بعض السياسيين في وطنها لم يصمدوا إلا على طاولات المفاوضات العقيمة، فقد كانت "رهف سلمان" كما "جعفر بن أبي طالب" لم تتنازل عن الراية رغم البتر، وقاتلت في سبيل معركتها، وخصوصاً في سبيل الرسم الذي كان متنفسها الوحيد، ولذلك ستبقى رايتها هي الأشجع، والأقوى، وسترسم بيدها المبتورة حقيقة ما يجري، وهنا نعود ونتذكر أن بعض الإيادي في وطن "رهف سلمان" على الرغم أنها ليست مبتورة ولكنها صافحت، وأكثر اعترفت.
جسدت هذه الطفلة حقيقة المعركة بكلماتها عندما قالت: "إن وضعي ووضع أطفال غزة أهون من وضع أطفال القدس ، وأنا وأسرتي لو كنا نعيش هناك لشاهدنا أكثر من هذا من الاحتلال الصهيوني"، بهذه الكلمات تقول "رهف سلمان" أن الساحة واحدة، حيث رغم الجرح المؤلم لم تنسَ أطفال القدس، وربما كانت تقول لنا: أنا سقط عليَّ صاروخ من السماء، ولكن محمد أبو خضير أحرقوه، لا تنسوا ذلك، حيث الاحتلال هنا واحد".
لن تبقى هذه الطفلة دون حلم، لأنها تدرك أن الطائرات جاءت ترمي أطنان المتفجرات لقتل الحلم أولاً، ولذلك سيبقى الحلم هو الخيار الذي تستند إليه في كل مكان، حيث تحلم ربما أن لها جناحين تسافر فيهم إلى فرشاة الرسم ولوحتها المفضلة، وتسافر فيهم أيضاً إلى المرآة لتقول لها: أنا لا أنظر إلى وجهي المليء بالشظايا من خلالك، بل أنظر إليه من خلال قلبي، حيث القلب هنا ما زال يقول لي أنتٍ جميلة.
تقف "رهف" الآن على ناصية الحلم، وتقارن بين اللحظة الماضية، وبين اللحظة المشتهاة، والفاصل بينهم كان الرماد الذي جاء مسرعاً قبل صوت انفجار الصاروخ، وترفض البقاء ضحية لهذا الفاصل النفسي، ولذلك تغمض عيناها ليس هروباً من أحد، بل لتستعيد الحلم من جديد، عند طرف الخيط الأول، من الصفر، حيث هنا بدأت تتعلم أن للصفر قيمة مع الحلم، ولأجل ذلك تردد داخلها ما قاله محمود درويش في قصيدته " ههنا، بين شظايا الشيء، واللاشيء":
ههنا، بين شظايا الشيء، واللاشيء..
لنا أحلامنا الصغرى، كأنْ نصحو من النوم معافين من الخيبة
لم نحلم بأشياء عصيّة..
نحن أحياء وباقون … وللحلم بقيّةْ.

