Menu

حول الفكرة العربية في مصر- دراسة في تاريخ الفكر السياسي المصري المعاصر

عطا درغام

الحديث عن عروبة مصر، حديثًا مكررًا لا يقدم أية إضافات جديدة، فهو يتناول حقيقة ثابتة تم بحثها والوصول إلى العديد من الأدلة والبراهين من سجلات التاريخ، قادت جميعها إلى نتيجة واحدة وهي أن عروبة مصر حقيقة لا تقبل الجدل أو النقاش.

أما الحديث عن الفكرة العربية في مصر فهو حديث حيوي ومتجدد ويتسع للمزيد من الإضافات وجهود البحث والتنقيب؛ فالفكرة العربية حقيقة متغيرة يخضع تطورها لمقتضيات ظروف كل مرحلة تاريخية.. فالعروبة بمثابة نقطة ارتكاز تدور حولها الفكرة العربية، لذا فهما متلازمتان في أي تناول تاريخي، ففي الكثير من الحالات تستخدم الأسانيد التاريخية للعروبة في الدفاع عن الفكرة العربية.

تأخر مصر عن الأخذ بالفكرة العربية، تأخرًا نسبيًا بالمقارنة بتأخر ظهور الفكرة العربية ذاتها- في أواخر واوائل القرن العشرين.. وقد اختفت نسبيًا- في العقدين الأولين من القرن العشرين، في إطار أفكار وتيارات أخرى عديدة.

الفكرة العربية تشق طريقها تدريجيًا منذ أوائل الثلاثينيات، حتى أصبحت من أقوى التيارات الفكرية في مصر بعد الحرب العالمية الثانية، وكان قيام جامعة الدول العربية وحرب فلسطين علامتين بارزتين في طريق تطور الفكرة العربية في مصر.

وما كان قد بدأ منذ الثلاثينيات، واستمر طوال الأربعينيات إلا عملية إعداد أرضية ثابتة تقف عليها الفكرة العربية في انتظار تحول جوهري يمثل الخطوة الأخيرة في هذه العملية -فكانت ثورة 23 يوليو 1952 هذا التحول المنتظر في تاريخ تطور الفكرة العربية في مصر، حيث تلقت بالثورة دفعة قوية في مجالات عديدة أبرزها أنها تلقت تأييدًا شعبيًا عامًا ولم تعد محصورة في إطار قطاعات من المثقفين وترسخت ليس بتوجهات وممارسات الثورة العربية فقط، وإنما بتقنينها رسميًا، حيث نص أول دستورها بعد الثورة -1956- على أن مصر جزءًا من الأمة العربية وهذا النص في الواقع هو المنطلق الذي تقوم عليه الفكرة.

كانت الخمسينيات والستينيات مرحلة ازدهار للفكرة العربية في مصر وللفكرة القومية بصفة عامة، حيث طرحت ثورة يوليو مفهومًا جديدًا لها ذا مضامين اجتماعية واقتصادية ودفاعية إلى آخره... مما أخرجها من إطار المبادئ والمثل إلى مجال الواقع العملي والممارسة الفعلية إلا أن زعامة جمال عبد الناصر في حد ذاتها تمثل مكانًا هامًا في تاريخ الفكرة العربية في مصر، ويكفي القول بأنها "زعامة قومية عربية" لمعرفة وضع الفكرة العربية في المرحلة الناصرية.

مرحلة الثبات النسبي والازدهار التي شهدتها تطور الفكرة العربية في الخمسينيات والستينيات تعرض هذا التطور في السبعينيات لتحديات خطيرة، ارتبطت بدخول مصر فيما عُرف بمخطط السلام مع إسرائيل على حساب دورها وعلاقاتها بالأقطار العربية؛ فتعرضت الفكرة العربية لمرحلة من التذبذب بين الصعود والهبوط خاصة، وقد تلازم مع بدء تدهور العلاقات بين مصر والعرب ظهور تيارات فكرية تدعو إلى حياد مصر وتهاجم القومية العربية إلا أن الفكرة العربية وجدت المدافعين عنها- وبغالبية لم تكن متوقعة في تلك المرحلة على وجه الخصوص- مما أدى إلى تقليص هذه الدعاوى في حدود أصحابها فقط. وقد جاءت التحديات التي واجهت الفكرة العربية في السبعينيات نتيجة للتباين الواضح بين زعامة السادات وزعامة عبد الناصر.. فلم يكن السادات زعيمًا قوميًا عربيًا كما كان عبد الناصر، وكانت توجهاته العربية في السنوات الأولى من حكمه نابعة من ظروف المعركة، فاختفت قيمة المبدأ القومي العربي في حد ذاته، وأصبحت القومية المصرية هي النغمة السائدة في السبعينيات.

وفي إطار تطور الفكرة العربية قام حواران فكريان أحدهما في عقد الثلاثينيات والآخر في عقد السبعينيات، وعكس كل منهما وضع الفكرة العربية بصورة واضحة فحوار الثلاثينيات كان انعكاسًا للاختفاء النسبي للفكرة العربية من الساحة المصرية، ولعب –بذاته- دورًا في تنمية الوعي القومي العربي في مصر - أما حوار السبعينيات فرغم قيامه في ظروف معاكسة تمامًا للفكرة العربية- سواء فيما يتعلق بسوء العلاقات بين مصر والأقطار العربية، أو دخولها في العلاقات في إطار عملية السلام مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها، بما يخالف المبدأ القومي العربي مخالفة صريحة، حيث أصبحت الفكرة المصرية التيار الذي يحاول النظام تكريسه وتدعيمه.

وعلى النقيض؛ فإن حوار السبعينيات أثبت رسوخ أسس الفكرة العربية في مصر، وأنها الفكرة الغالبة ويمكن الخروج من ذلك بأن سياسة النظام المصري التي أدت إلى عزلة مصر عن الوطن العربي لم يكن لها سند شعبي أصيل.

الخروج بحقيقة هامة من خلال تتبع تطور الفكرة العربية في مصر، وهي أنه لا تناقض على الإطلاق بين المصرية والعربية، وغالبًا ما يكون إحداث التناقض وراء أهداف انعزالية وتيارات إقليمية ضيقة.

بحكم موقعها ذات انتماءات أخرى إسلامية وإفريقية، ولا يتعارض ذلك مع انتمائها العربي- لكن يبقى لانتماء مصر للوطن العربي الأهمية والمركز الخاص والإدراك التام لهذه الحقيقة أصبح واضحًا في المجتمع المصري، مما يقود إلى القول بأن التطور المستقبلي للفكرة العربية في مصر سوف يسير في خط ثابت ومستقل عن الخلط بأية أفكار وتيارات وظهور دعاوى وتيارات مناهضة للفكرة العربية، لم يعد يمثل تهديًا أو عائقًا أمام تطور الفكرة العربية. كما كان واضحًا في العقود الأولى من القرن العشرين، وهذا ما برهنت عليه حقبة السبعينيات.

كتاب الدكتور فؤاد المرسي خاطر (حول الفكرة العربية في مصر-دراسة في تاريخ الفكر السياسي المصري المعاصر)، ويعرض بإيجاز لتطور الفكرة العربية في مصر من منطلق حس قومي عربي وإيمان بالقومية ومبادئها.. ومصر هي قلب العروبة بمكانتها في الدفاع عنه وفي حمل لواء القومية العربية.

وإذا كان تاريخ تطور الفكرة العربية في مصر بعض الانتكاسات، خاصة منذ منتصف السبعينيات، إلا أنها لم تمس جذور هذه الفكرة التي تدعمت في مصر؛ فمصر في التاريخ هي مصر العربية.