"المُثقّفُ العضوي هو الذي يَشعرُ أنّه ابنَ طبقتِهِ، يُمثّلها وتُمثّله، ويُحاولُ أن يُحسّنَ أَحوالَها".
...المُثقّفُ الفِعلِي بفكرِهِ الثّاقبِ، وصوتِهِ المُعتالِي حَدَّ الشَّمسِ، يَهزُّ أَركانَ نَقيضِهِ، فيَبحثُ لَهُ عَنْ انفجارٍ أَبدي خَلفَ الوَصايَا.. خَارج حُدودِ الاِنتظَار.
هَكذا كانَ غرامشي فَقوّضَهُ النّقيضُ (موسوليني)، جَاعلاً القُضبانَ مَسكنَهُ قائلاً عَنهُ: "يَكفي أنْ نُوقفَ هذا العَقلَ عن التّفكيرِ".
وهكذا كانَ بطلُ التّراجيديا الفِلسطينيةِ غسان كنفاني ، الذي انتزعَهُ الاحتلالُ الصّهيونِي من جُذورِهِ، مثلَما اقتلعَ زَيتونَ بلادِهِ، ليَطمسَ حَقائقَ التَّاريخِ، لقد جَعلَ الاِحتلالُ غَسان لاجِئاً فِي فَضاءاتِ العَواصمِ العَربيةِ بَاحثاً عن مَلاذٍ آمنٍ كباقِي أفرادِ شَعبهِ!
غسان اِبنُ عَكا ويَافا.. الذي عُرف بهدوئهِ ومتابعاتِهِ الصّامتةِ مِذ كانَ طِفلاً، كَواه القَهرُ لكنْ لم يَنطفأَ، حَاصرَهُ الظُّلمُ لكنَّه لم يَستَسلم، ولم يَستجدِ.. تَتَبعَ شَبابيكَ وَطنهِ المَكلومِ الذي طَعنَتهُ كُلُّ السِّهامِ القريبة والبَعيدةِ.. نَزفَ لكنَّهُ لم يَسقط، رَصدَ أحداثَهُ المُؤلمةِ دُونَ أن يَعرفَ الفَشلَ، عَززَ الوَعي الوَطني تَارةً وثارَ بكلِّ ما اِمتلكَ من قوةٍ تاراتٍ أُخر.
فمِنَ الفَقرِ والقَهرِ وجَذوةِ الذِّهنِ وبُعدِ المَوهبةِ، اِنطلقَ فِي مُختلفِ الأمَاكنِ التي ارتادَها بعدَ يَافا وعَكا العَزيزتين عَلى قلبِهِ، والتي خَرجَ منهما كما سِواهُ من أبناءِ بلدتِهِ بالسِّلاحِ.. قَاصدَاً صَيدا ثمّ حَلب ثمّ الزّبدانِي وإلى دِمشق والكُويت وأَخيراً ليَصلَ باستقرَارِهِ بيروت التي كانت مَركزاً للإشعاعِ الفِكرِي بكلِّ أطيافِهِ، هُناكَ اِنطلقَ نَشاطاً إبداعِياً، وبُوصلةً وطنيةً يَستهدي بهِ كلَّ مَن أرادَ خطّاً وَاضحاً للقَضيةِ، غَسان لم يَسكنِ المُخيماتِ لكنّهُ كانَ مُتعَايشاً معهم، مُتابعاً لأهلِهِ بكلِّ آلامِهم وهُمومِهم.
غَسان كانَ بينَ الطَّلبة، وفي عُمقِ الجُرحِ مُعتمدَاً فِي مُحاولاتِه لإيقافِ النّزفِ على عَينِ الفَنانِ وقَلمِ الكَاتب وعلى عَملِهِ في التَّدريسِ والصَّحافةِ والأدَبِ والفَنّ.
كانَ كَنفانِي فِي صُلبِ القَضيةِ، فانخَرطَ بحَركةِ القَوميينَ العَرب، وبالجبهةِ الشَّعبيةِ لتَحريرِ فِلسطين، وكانَ القَرار كُلَّ القَرارِ، وكانَ أريجَ الكَلامِ الواعدِ بالنّصر القَادمِ. فانبعثَتْ كلماتُهُ تَجوبُ العَالمَ العَربي والغَربي، ترسمُ خارطةَ الوطنِ المذبوحِ من الوريدِ إلى الوريد، تحاصرُ أكاذيبَ الاحتلال وأساطيرَهُ (أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا وَطن)؛ كانَ رُعباً يُزرعُ في خَاصرة مُخطَطاتهم.
غسان بصدقِهِ والتِزامهِ وحُسنِ تَعاملهِ مع من حَولهُ، بَعيداً عن العَداواتِ والمُهاتراتِ الشّخصيةِ، وبارتباطهِ بالقيمِ الأخلاقيةِ قَبلَ الوَطنيةِ، نَالَ إعجابَ واِحترامَ شعبه، ومن أدركَهُ عِندَ أطرافِ العُنوانِ أو فِي قَلبِ الحَدثِ.
اِغتيلَ غسان كنفاني تَناثرتْ أَشلاؤه غَضباً، لكنَّ صوتَهُ بَقيَ يَبكي أرضَ البُرتقالِ الحَزينِ التي صَوّرَ فيها رِحلةَ عائلتِهِ من عَكا إلى صَيدَا.
تَرقّبَ غسان الإنسانَ الفِلسطِيني فِي كُلِّ مَواقعِ هجرتِهِ وآلامهِ، وروايته "رجال في الشمس" تُعدُّ خَميرةَ إبداعاتِهِ تُصوّرُ مُعاناتِهم، وترصدُ حركتَهم بواقعيةٍ ورمزيةٍ؛ مُشيراً من خِلالِها أنّ الحَلَّ لا يَكونُ فَردياً وإن أردتوه هكذا، مَصيركم المَوت المُؤكد (لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟). ويَزدادُ اِتقاداً مع تَفهمهِ ووَعيهِ ليَتحولَ في رِوايةِ "ما تبقى لكم" إلى مُتمردٍ وثائرٍ ودَاعيٍ للعملِ الفِدائي، الذي لا بَديلَ له لتحقيقِ النصر، فحَامدٌ بَطلُ الرّوايةِ يَستلُّ سِكينَهُ، ويَقتلُ الجندي الصَّهيوني، وأختُهُ مريم التي هي رَمزٌ الأم فلسطين لن تقبلَ بالخنوعِ والعَار، تَمتلئُ حقداً ضدّ غَاصبِها لتكونَ نهايتهُ.
بصَدى كَلماتِه استمرَّ يرسمُ ببالغِ الأثرِ والحِكمةِ واقعَ المعاناةِ وتَشرذمَ الأسرةِ الفلسطينيةِ "كلُّ دموع الأرض لا تستطيعُ أن تحملَ زورقاً صَغيراً يتسعُ لأبوين يبحثانِ عن طفلهِما المَفقُود إنّها رِوايته "عائدٌ إلى حيفا".
فِي كلِّ الأحوالِ لم يَبتعد كَنفاني عن واقعِهِ، ففي روايةِ أمُّ سعد وقصص أخرى، يُجسِّدُ الشّخصيةَ الفِلسطينيةَ المَستمَدَة من الواقعِ دون تَخليهِ عن الرّمزية التي مَنحت كتاباتِه بُعداً إبداعياً.
بفكرِه كانَ مُنضبِطاً مُمنهِجاً.. يُفهرسُ السَّابقَ والآتي، ويَمنحُ للآخرِ من حَريقه دِفئاً وسِراطاً مُمتداً حتّى تحقيقِ الهدفِ، لم يكتفِ بخاطبِ النِّساءِ والرِّجالِ.. الشّبابِ والشُّيوخِ لا!! فقد أدركَ تماماً أهميةَ الطُّفولةِ فجعلَهم أبطالاً لقصصِهِ، لإيمانهِ بإرثِهم، وقناعتُهُ بأنّهم يَستطيعُون حِراثةَ الظّلام بمسافاتِ الغَنيمةِ، أطفالُ فلسطين قلبُ القضيةِ، وعناقيدُ الأملِ قِصته "القنديل الصغير" نَموذجاً لوعيهِ أنَّ القضيةَ يَجبُ أن تبدأَ من أطفالِنا لتستمر وتستمرَّ حتّى النّصرِ.
والانتصارُ بمفهومهِ له استراتيجيةٌ مبنيةٌ على قواعد مُقنعة ومَتينة:
"النّصرُ هو أن تتوقعَ كل شيءٍ وألا تجعلَ عدوكَ يَتوقع"، وليسَ إطلاقهُ لمقولةِ: "اعرف عدوك" إلا تَجسيداً لرؤيةٍ حاذقةٍ لواقعٍ أدركهُ واستشفّ صهوةَ مُستقبله، لذا نجدُهُ يكتبُ دراستهُ المهمّة "في الأدبِ الصّهيوني"، إضافةً للكثير من المقالاتِ التي جوهر حديثِها شجر فلسطين، وجمرها، وبراعمها النابضةِ بالمواعيدِ؛ إنه وبدونِ أدنى شكٍّ، شَخصيةٌ استثنائيةٌ أثارتِ الجَدلَ بمقدرتِها على استيعابِ كلِّ أطيافِ الحياةِ، إنسانياً دون ندمٍ وعاطفياً دونَ ذبولٍ واجتماعياً بكلِّ تواضعٍ وسياسياً بشراعِ الحنكةِ.
كنفاني كانَ قضيةً.. كانَ وطناً خَسرهُ العربُ وهم بأشدِّ الحَاجةِ إليهِ... اغتالَه العدو الصهيوني وهو في عمر الزّهرِ الستة والثلاثون ربيعاً خَوفاً من نُورِ فكرِه، المبشّرِ بفلسطين، اغتالُوه؛ لأنّهم أدركُوا تأثيرَهُ في عالمِهِ.. تأثيرَ فكرهِ وصوتهِ وجرأتهِ وتحديهِ، وكانُوا على ثقةٍ كاملةٍ بمقدرتهِ على كَشفِ أكذوبتِهم في أنحاءِ العالمِ، خافُوا من شَظايا استشرافاتهِ التي تَمضي خلفَ حدودِ القَادمِ؛ فأُطلقَت آلافُ إشاراتِ الاستفهامِ الدّالةِ على خَوفهم من صناعتهِ لوعيٍ عالمي، بَدأ يبثّهُ في مختلفِ الأواسطِ العربيةِ والغربيةِ، هم خافُوا من رُؤاه الواسعةِ المَدى، وخافُوا من كلمتهِ الإبداعيةِ النّفاذة التي بدأت تَخطَّ سَبيلَها نحوَ العالميةِ الأدبيةِ، ولم لا؟ وهو من جذرِ المأساةِ، ابن القهرِ، وفي عينِ الوجعِ.
غسان كنفاني لم يحملِ البندقيةَ، لكنّهُ رسمَ لها الطّريقَ وجمعَ كلَّ أحرارِ العالمِ حولَها، حملَ فكرَ المقاومةَ الملتزمةَ. لقد شكّلَ استشهادَهُ خِنجراً في قلوبِ الكثيرين من مُحبيه، كان الثامنُ من تموّز صَادماً حَزيناً.. بهيجاً لأعدائه.
وفِي هَذِه الأيام تمرُّ الذّكرَى الخَمسينَ عَلى غِيابِ جَسدِهِ، أمّا إرثهُ الثَّقافي المُتعدد والمتنوع ومبادِئه كمُثقّفٍ عُضوي حاولَ انتشالَ أمتهِ ما زالَ حَاضِراً في العُقولِ والقُلوبِ، ما زالَ مع تَقادمِ الزّمنِ يرتقِي ويُزهرُ، كالذَّهبِ كلّما احترقَ ازدادَ لمَعانَاً.

