Menu

نقطة نظام

محمود الراس

استخدم العدو الصهيوني وحلفائه الأوروبيين والأمريكان وبعض القوى الرجعية والمحلية أدوات الهندسة السياسية والاجتماعية للكثير من ممارساتنا اليومية كأداة لفرض التعايش القصري مع الاحتلال، ومحاولات تحييد قوى اجتماعية وكفاءات علمية وكادرات ونشطاء مجتمعيين، وتجريم أشكال المقاومة حتى لو اقتصرت على العمل الأهلي والاجتماعي التنموي والصحي والزراعي والاغاثي، وتقديم الخدمات للأبناء شعبنا، في إطار محاولات الانقضاض على الهوية الوطنية والعمل الأهلي الذي يُشكّل جزءاً أساسياً من نضالنا ضد المحتل.

وحتى لا نضيع البوصلة في فهم جذر الإشكالية الذي تواجه مؤسسات المجتمع المدني في هذه الأيام، والتي جاءت تعبيراً عن عمق الأزمة التي نعيشها كفلسطينيين ونظامنا السياسي وعقدنا الاجتماعي الذي بات يشهد أزمة عميقة تستوجب وقفة تقييم لأدواتنا وسياساتنا التي سمحت للعدوان أن يستوطن داخل بيئة خلافاتنا واختلافاتنا، واستخدمت التمويل المشروط أحد أهم أدواتها في محاولة للانقضاض على دور هذه المؤسسات ومسؤولياتها المجتمعية. 

رأى العدو وحلفائه في الدور الملحوظ لبعض المؤسسات الأهلية، وقيامها بواجباتها الوطنية والمجتمعية على أكمل وجه، بما يعزز صمود شعبنا في مواجهة الإرهاب الصهيوني تهديداً لسياساته ومخططاته، لذلك شن حرباً عشواء على هذه المؤسسات وموظفيها، وتُوج أخيراً بتصنيف مجموعة منها "منظمات إرهابية"، في مخالفة صريحة لمواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والطفل وغيرها من المواثيق والاتفاقات البيئية والمناخية، استهدف العدو خلالها تفريغ هذه المؤسسات من مضمونها الوطني والمجتمعي، وتفريغ المجتمع الفلسطيني من الكفاءات القانونية والمهنية عن طريق الملاحقة والاعتقال. 

قبل الإعلان عن تصنيف هذه المؤسسات "منظمات إرهابية" شن العدو الصهيوني حملة تحريض كبيرة على هذه المؤسسات وغيرها خاصة في أوروبا، ونجحت هذه الضغوط في اتخاذ الاتحاد الأوروبي إجراءات شددت من شروط تمويلها، وربطت عملية الدعم بالتوقيع على وثيقة تقبل بشروط التمويل. وفي ظل رفض بعض المؤسسات الأهلية التوقيع على هذه الشروط، باعتبارها أحد أدوات الهندسة الاجبارية للمجتمع، وفرض التعايش مع الاحتلال، جرت عملية خنق لها مالياً، تزامنت مع الملاحقات الميدانية للاحتلال التي استهدفت المؤسسات وموظفيها إمام باقتحام المؤسسة وسرقة محتوياتها أو باعتقال موظفيها. 

هي ذاتها المنصة التي استخدمها الممولين لمحاولة فرض تغييرات عميقة على المنهاج التعليمي الفلسطيني وربطها بتمويل السلطة، بهدف هندسة الأجيال الصاعدة للقبول بالرواية الصهيونية بديلاً عن رواية الحق الفلسطيني، وجعلت من الشاهد الدولي والقانوني والتاريخي على نكبة شعبنا أحد أدواتها عبر تحييد موظفيها وتجريدهم من حقوقهم بالمشاركة السياسية تعبيراً أو ترشحا ًأو انتماءً. 

لم يكن قرار ما يُسمى بالحاكم العسكري بحق المؤسسات السبعة، ولا صمت المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي بعيد عن هذه السياسات والأدوات؛ حتى تلك الأصوات التي شجبت واستنكرت لم تتجاوز حدود الظاهرة الصوتية، ولم تقدم أي خطوة عملية لمجابهة ومواجهة هذا القرار، أو حتى كسر الحصار الذي هدف لتجفيف موارد تمويلها، مما شَكلّ حكم بالإعدام على أي نشاط لتلك المؤسسات. فأي اتهام "بالإرهاب" لمؤسسة تنشط في حقوق الأطفال، أو تعني بدعم صمود المزارعين، أو مؤسسة حقوقية تدافع عن الأسرى؟ أو مؤسسة نسوية هدفها تمكين المرأة؟ نعم قد تكون المؤسسات السبعة ضحية صمتنا، وضحية قبول بعض المؤسسات الأخرى بالاشتراطات التي باتت تستهدف تجريدنا حتى من مواطنتنا الفلسطينية. 

قد تكون تلك المؤسسات قادرة على تحقيق استدامة خدماتها بالاعتماد على روح ومبدئية العمل التطوعي التي أرسيت أولى قواعدها في ثمانينات القرن الماضي كأحد أدوات مقاومتها الشعبية والتثقيف الوطني في مواجهة مشاريع روابط القرى والتهجير ومخططات إدارة الإرهاب الصهيوني وقادته السياسيين والعسكريين، ولكن ما هو مصير مئات المؤسسات؟ هل سيقبل روادها بنزع مواطنتهم الفلسطينية وتجريدهم حقوقهم السياسية ضماناً لاستدامة التطويل؟ كيف ستواجه المؤسسات هذه السياسة المتصاعدة؟! 

إن لم تتوحد تلك المؤسسات خلف سياسة واحدة وموحدة تقدم شبكة أمان وطني للمؤسسات السبعة عبر صندوق تمويل وطني يعزز قدرة المؤسسات السبعة على مواجهة العدوان والإرهاب؛ لن يكون مصير بقية المؤسسات أحسن حالاً من المؤسسات السبعة، إلا إذا قرر روادها التخلي عن هويتهم الفلسطينية وحقوق وواجبات المواطنة. 

إن لم نعود لثقافة العمل التطوعي كقيمة وأداة وطنية لمقاومة الاحتلال والعدوان سنبقى سياسيين ونشطاء مجتمعين رهينة لاشتراطات التمويل، وضحية الهندسية الاجتماعية الإجبارية التي ينتهجها العدو وحلفاؤه لتحييد المجتمع الفلسطيني عن أبسط أشكال المقاومة الشعبية. إن لم يتوقف النظام السياسي ومؤسساته بعيداً عن انقساماته واستخدام المال العام الفلسطيني لتعزيز مكتسبات حزبية وفئوية داخل هذا النظام ليقوم بدوره اتجاه مؤسسات المجتمع المدني وتوطين تمويله، سنبقى وشعبنا وقوانا الاجتماعية والسياسية والمدنية ضحايا الهندسة الإجبارية التي تستخدم التمويل وقرارات إدارة الإرهاب والعدوان وحاكمه العسكري. لذلك نكون أو لا نكون؟! إما مؤسسات مجتمع مدني فلسطيني تتسلح بالثقافة والثوابت الوطنية أو مؤسسات تذعن لأدوات الهندسة الاجتماعية الإجبارية للتعايش القصري مع الاحتلال؟!