Menu

هل نجح الاحتلال بإغلاق المؤسسات الفلسطينية؟

موسى جرادات

بعد قرار سلطات الاحتلال بإغلاق سبعة من مؤسسات المجتمع الفلسطيني، بحجة علاقتها بمنظمات فلسطينية إرهابية وفق منطوق الاحتلال، أصبحت كل المؤسسات الفلسطينية الأهلية والمدنية عرضة لهذا الإجراء التعسفي لكن السؤال الذي يطرح الآن، يتعلق بالتوقيت التي اختاره الاحتلال، لتنفيذ هذا الإجراء. مع العلم أن المؤسسات المغلقة بقرار عسكري احتلالي  تخضع منذ نشأتها للقانون الفلسطيني الذي ينظم عمل تلك المؤسسات، هذا الأمر يترك الانطباع أن سلطات الاحتلال، قد تجاوزت في إجراءاتها الاحتلالية إلى الحد الذي من خلاله تحاول أن ترسم فيه الواقع الفلسطيني، وتعيد تشكيله وفق مزاج الحاكم العسكري، حيث تعد هذه الخطوة بمثابة ناقوس خطر يؤشر إلى شراسة الهجمة الاحتلالية على كافة مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين، والتي ترى فيها سلطات الاحتلال عقبة أمام كل ممارساتها بحق الشعب الفلسطيني؛ فالناظر إلى المجالات التي تعمل فيها تلك المؤسسات يدرك بوضوح أن الاحتلال يستهدف وبقوة كافة أشكال العمل الذي يقود إلى صمود الشعب الفلسطيني، فهذا الاحتلال لم يترك مساحة للفلسطيني من العمل على صعد حقوق الإنسان، والطفل، والمرأة، والصحة، والزراعة، والأسير، والبحث العلمي، وكأنه اختار عينة تجريبية لمواصلة إجراءاته العقابية بحق الشعب الفلسطيني، والتهم حاضرة وجاهزة وتحت سقف قانون الإرهاب الصادر في العام ٢٠١٦، يلجأ الاحتلال لفرض سطوته على كافة مناحي الحياة الفلسطينية.

لماذا هذا القرار وهذا التوقيت؟

تشير التقارير الإخبارية والإعلامية التي ترصد إنجازات تلك المؤسسات، أنها تعمل ومنذ سنوات طويلة على توثيق كافة الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال في أراضينا المحتلة العام ٦٧، هذا الرصد والتوثيق تعدى إلى حدود رفع ملفات كثيرة منجزة إلى محكمة الجنايات الدولية، ولهذا لجأت سلطات الاحتلال إلى إغلاق تلك المؤسسات الفلسطينية واتهامها بالإرهاب، كخطوة أولى استباقية، قبل أن تتحول عملية التوثيق التي تقوم بها تلك المؤسسات إلى أداة إدانة لكل الجرائم المنسوبة للاحتلال.

هل تمكن الاحتلال من إنجاز تلك المهمة؟

من الواضح أن الإجراء الاحتلالي لم يصل مبتغاه حتى هذه اللحظة، فعلى صعيد تلك المؤسسات، فقد رفضت كافة الإجراءات العقابية، وتعاملت مع القرار الاحتلالي، كأن شيئا لم يكن، وواصلت متابعة عملها، حيث أكد مدير مؤسسة الحق شعوان جبارين باسم المؤسسات الفلسطينية المغلقة استمرارها في العمل استنادا للقانون الفلسطيني الذي ينظم عملها، ووفقا للقانون الدولي، كذلك الأمر جاء موقف السلطة الفلسطينية على لسان الرئيس ورئيس الوزراء، الذي دعا فيها إلى ممارسة نشاطها المعتاد.

أما على الصعيد العربي والدولي فقد أصدرت أكثر من ١٥٠ منظمة عربية ودولية بيانا أدانت فيه قرار الإغلاق، مطالبة الاحتلال بالتراجع عن هذا القرار، وإلغاء تصنيف المنظمات الفلسطينية الحقوقية منظمات إرهابية، في حين أعلنت ١٧ دولة أوروبية تابعة للاتحاد الأوروبي رفضها القاطع لقرار الاحتلال بإغلاق تلك المؤسسات، ومواصلتها العمل مع تلك المؤسسات، مع عدم اقتناعها بكل ادعاءات سلطات الاحتلال تجاه تلك المؤسسات، حيث وصفت الأدلة التي قدمتها لها سلطات الاحتلال بأن تلك المنظمات غطاء عمل للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وواجهة لها بأنها ادعاءات باطلة ولا ترتقي لأي دليل حسي وملموس، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية وعلى لسان أكثر من ناطق لها، جميعهم أجمعوا على أن مبررات الاحتلال بإغلاق تلك المؤسسات غير مفهوم وغير مبرر، سيما أن الإدارة الأمريكية قد اطلعت على حيثيات القرار الاحتلالي والتبريرات المقدمة، وجدت أيضا أن الاحتلال يسعى إلى إغلاق تلك المؤسسات الفلسطينية واتهامها بالإرهاب، بدون دليل.

ومع هذا، فمن المبكر الحديث عن فشل الاحتلال في تثبيت قرار الإغلاق، فالمعركة معه مفتوحة وعلى كافة الأصعدة، لكن الصمود الفلسطيني والذي عبرت عنه تلك المؤسسات برفض قرار الإغلاق، ومواصلة العمل رغم المخاطر والتهديدات التي تلقتها، يثبت وبوضوح أن الصمود الفلسطيني هو الحلقة الأقوى والذي استدعى ويستدعي كل الدعم العربي والدولي نحو تلك المؤسسات، ويثبت أيضا أن قرارات الاحتلال ليست قدرا ملزما ويمكن مواجهتها والعمل على تحديها، فالقرار بحد ذاته قرارا يمثل تهديدا وجوديا لمنظمات حقوق الإنسان التي تقدم الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني. وعليه، فإن هذا القرار الاحتلالي الجائر لا يخرج على كافة الإجراءات الاحتلالية التي تستهدف الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال، ويستهدف لحمته الداخلية، عبر تذريره في سبيل إحكام السيطرة عليه، وفي سبيل إدامة الاحتلال.

خلاصة

يبدو أن الاحتلال وفي لحظة لجوئه إلى هذا القرار كان يخفي الكثير في جعبته، من قرارات تستهدف كافة المؤسسات الفلسطينية المدنية والأهلية، الحقوقية والخدمية، لأنه يرى أن تلك المؤسسات الفلسطينية تعد رافدا أساسيا من مقومات الصمود الفلسطيني، وهي عنوان التواصل مع العالم الخارجي، بمؤسساته الدولية وأحزاب وقواه، لهذا سعى الاحتلال لتحقيق هدفين أساسيين من هذا القرار، الأول: إدامة عملية الهدم لكل القوى الحية داخل الشعب الفلسطيني، وقطع صلاتها بالعالم الخارجي، لكن تحدي المؤسسات الفلسطينية بمواصلة عملها رغم قرار الإغلاق، ووقوف الجميع إلى جانبها، أفشل قرار الاحتلال ووضعه أمام تحدي جديد، فيما الفلسطيني يمضي في كتابة يومياته وتاريخه محاولا نفض غبار الاحتلال عنه، وهذه هي سنة الشعوب الحية والمقاومة.