Menu

طَلَقة عن رصاصة تِفْرِق

حاتم استانبولي

نشر في العدد 40 من مجلة الهدف الرقمية

 لكلِّ قضيّةٍ جانبٌ يتحدّدُ جوهرُهُ من خلال الموقع الذي تقف فيه وترى من خلاله القضيّة، وعليه يتمُّ تحديدُ الناظم والمعيار لمفهوم الطَلَقَة والرصاصة، من حيث هُويّة مطلقها وهدف إطلاقها والفكرة من ورائها، وهل هي رصاصةٌ من أجل القتل؟ أم طلقةٌ من أجل الدفاع عن الفكرة أو القضيّة؟ هل هي طلقة حق؟ أم رصاصة باطل؟ وفي هذا الإطار تتصارع الطلقة والرصاصة بين جانبي الحق والباطل، وفي بعض المراحل تتداخل؛ فمن الممكن أن تغيب الطَلَقَة وتُغيّر من شكلها لِتتحوّل إلى حجرٍ أو كلمةٍ أو حتى نظرة أو صرخة على خشبة مسرح أو انتظار أو أغنية أو قصيدة، ولكنّها تعود وتفرض حقيقة عدالة هدفها.

الحق والباطل لهما مفهومان نسبيّان؛ تؤدي فيهما القوى عاملًا مقرّرًا آنيًّا في تحديد تحويل الحقّ إلى باطل والباطل إلى حقّ ويتعقد هذا المفهوم إذا كان يتعلّق بالقضايا الإنسانيّة، ولكن بالرغم من سيادة الباطل في بعض الظروف التاريخيّة إلى أنّ الحقّ يعود ويفرض نفسه ولو بعد حين، وأبرز مثال على ذلك اعتراف بعض الحكومات بارتكاب الجرائم، بحقّ مجموعاتٍ إنسانيّةٍ أو شعوبٍ أصليّةٍ اُرتكبت بالماضي تحت تبريرات مختلفة أو روايات مضللة،  على سبيل المثال إبادة السكان الأصليين في كندا واستراليا والولايات المتّحدة الأمريكيّة وفرض سرديّة مضلّلة للأحداث التاريخية. 

الاستعمار بكلّ أشكاله أينما حلّ دعم وارتكب جرائم موصوفة في فلسطين والجزائر وتغاضى عن إبادة مجموعات عرقيّة في العديد من الدول الإفريقية (رواندا)، وكان يتغاضى عن تجارة الرقّ عبر التاريخ، وخاصّة في إفريقيا التي سيق منها السكان من أوطانهم وتم بَيْعُهِم سلعةً حيوانيّةً لاستخدامها في خدمة السيد الأبيض. ومع مرور الزمن وتطور المفاهيم الإنسانية التي كانت نتيجة لنضالات وتضحيات المفكرين والمناضلين؛ استطاعت القوى التقدميّة أن تضع معيارًا لمفهوم الحق والباطل وتشريع قوانين إنسانية تعدّ معيارًا للسلوك الإنسانيّ؛ إن كان على المستوى الفرديّ أو الجماعيّ أو الرسميّ وتحوّلت لقوانين؛ لتصبح معيارًا للعلاقات الإنسانية، ناظمها ثلاثية: الحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة.

هذه القوانين التي أجبرت الحكومات على تقديم اعتذارات عن ممارسات بلدانهم عن الجرائم التي ارتكبت في حق الإنسانية، وفي هذا السياق يقع مفهوم الفرق بين الرصاصة الصهيونية والطلقة الفلسطينية: رصاصة الباطل وطلقة الحق. إن امتلاك القوة حَوَلَّ رصاصة الباطل الصهيونية إلى رصاصة حَقْ وطَلَقَةَ الحق الفلسطينية إلى طلقة باطل، بالرغم من أن كل المعايير والقوانين الإنسانية تقول العكس: أن الطلقة حَقٌ والرصاصةَ باطلٌ.

إنّ طلقة الحق الفلسطينية ورصاصة الباطل هي تعبير لصراع بين فكرتين؛ فكرة استغلال وقتل وبين فكرة حياة وحرية وعدالة، والخط الفاصل بين الفكرتين متداخل ومتعرج وأحيانا تطغى فكرة على الأخرى، وفي بعض اللحظات تصل إلى مرحلة الاختلاط؛ تسود فيه فكرة على أُخرى مستعينةً بعناصر داخلية.

من المعلوم أن الأفكار الإنسانية هي نتاج للواقع الاجتماعي الإنساني، وبما أن البشر عبر التاريخ لا يستطيعون العيش، إلا من خلال مجموعات للحفاظ على وجودها واستمرارها. كانت الفكرة هي الدافع وراء تأمين شروط العيش والاستمرار للتغلب على الظروف المحيطة التي شكلت خطرًا على استمرار الجنس البشري وفي هذا السياق ومع تكاثر البشر؛ فالفكرة إن كانت بسيطة أو معقدة تعبر عن ذاتها من خلال حامليها.

الرصاصة التي اغتالت قلم غسان هي ذاتها التي اغتالت ريشة ناجي العلي وهي التي أصرت على إسكات ماجد أبو شرارة ووجهت لإسكات طَلَقَةَ خليل الوزير والشقاقي وعماد مغنية وهي ذاتها التي توجهت لاغتيال كلمة شيرين أبو عاقلة وباسل الأعرج وغيرهم من شابات وشباب وأطفال فلسطين ولبنان و سوريا ومصر. والفرق بين طلقة الحق ورصاصة الباطل أن الأولى ثابتة أما الثانية فهي متغيرة، من حيث الزمان والمكان وتأخذ أشكال مختلفة وتستخدم أدوات متعددة ومتغيرة ومُطلِقيها؛ يجمعهم الباطل وإن اختلفت مسمياته ومظاهره ومخرجاته عبر الزمان.

أما الفكرة الطلقة المحقة المسلحة بكلمات غسان كنفاني ومرسومة بريشة ناجي العلي ومغلفة بأبيات محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ومخرجاتها أشعار أحمد فؤاد نجم ومظفر النواب وبابلو نيرودا، هي الفكرة الطلقة المُحلقة التي انطلقت من أفواه الشيخ إمام وفيروز وجوليا بطرس، وهي الطلقة المحقة التي انتصرت على قاتلي مارتن لوثر كينغ وسلفادور الليندي وحررت منديلا وأسقطت النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وبالرغم من مرور الزمن إلا أن فكرة طَلَقةَ الحَقِ تفرض قوانينها وتكشف حقيقة رصاصة الباطل؛ فطلقة الحق التي انتصرت على مر الزمان: هي التي ستنتصر في فلسطين.