قَسّم عالم الاجتماع "ماكس فيبر" السلطات إلى ثلاثة أنواع، الأولى هي السلطة "العقلانية" التي تستمد شرعيتها من القانون الذي يحكم الدولة، أو المؤسسة، أو التنظيم...، وأما السلطة الثانية كانت هي السلطة "التقليدية" وهذه تعتمد على الإيمان بالتقاليد المتوارثة من الماضي، والثالثة كانت "الكاريزمية" وهي السلطة التي يقودها شخص غير عادي، وأكثر يمتلك صفات خارقة.
في ضوء هذه السلطات الثلاثة نستطيع القول: أن الشهيد الراحل " أبو علي مصطفى " استطاع الدمج بشكل تكتيكي بين الأنواع الثلاث للسلطة، فهو يعتبر رجل التنظيم الأول، وأكثر رجل مصارحة للذات أمام الأزمة البنيوية التي تعاني منها المؤسسات الفلسطينية، وأيضاً أنه يجب الحفاظ على المؤسسة بعيداً عن الفرد.
وآمن "أبو علي" أن النظام الداخلي "القانون" هو العقد الاجتماعي الذي يرسم ويحدد طبيعة العلاقة، سواء العلاقات التي تمارس بين أفراد التنظيم، وبين أفراد التنظيم وباقي مكونات المجتمع، وأيضاً يعتبر "النظام الداخلي" هو عامود المؤسسة الأقوى، حيث كان يؤمن أن المجتمع الفلسطيني بحاجة ماسة إلى التخطيط، والتنظيم من خلال المؤسسات الفلسطينية الفعّالة، ومن الطبيعي أن هذه المؤسسات دون "القانون" الذي ينظمها سوف تفشل حتماً، وفعلاً هذا ما يجري في المرحلة الراهنة خصوصاً، حيث في ظل غياب "القانون" أصبحت المؤسسات الفلسطينية مجرد مؤسسات شكلية.
بالإضافة إلى ذلك تمكّن الشهيد "أبو علي مصطفى" من الانخراط داخل المجتمع الفلسطيني، بكامل مكوناته وتنوعاته وعشائره، في داخل الوطن وفي مواقع اللجوء والشتات، حيث كان على وعي كامل بطبيعة بنية مجتمعه، وما يتمتع به من أصالة وعمق تاريخي ومن عادات وتقاليد موروث ثقافي واجتماعي، وعليه أجاد بإدراك كبير ذلك المزج الموضوعي بين أبعاد القضية الفلسطينية؛ الوطنية والقومية، وعمقها الإسلامي، ومن بوابة احترامه للموروث الثقافي والاجتماعي لشعبه، والاحترام هنا خطوة أولى للتغيير؛ حظي بشعبية جماهيرية وحَضَرَ في وجدانها قبل وبعد استشهاده، في ظل قيادته لحزب يسترشد بالنظرية الماركسية كتحليل جدلي، وكمادية تاريخية في قراءة الواقع،.
إلى جانب ذلك كان لشخصية الشهيد "أبو علي" البارعة؛ دور كبير في التأثير على الآخرين، سواء قبل انتخابه أميناً عاماً، أو حتى ما بعد ذلك، من خلال حضوره الطاغي؛ خصوصاً في الخطابات الشعبية، وبالأدق لجهة ربطه بين الخطاب وترجمته كسلوك على الأرض؛ فقد دحض "أبا علي" نظرية عودة المساومة إلى الأرض المحتلة، وكانت شهادته دليل واضح على نهج المقاومة، وهو القائل عندما قيل له أن هناك خطراً على حياتك: "أنا لستُ أفضل من فارس عودة وإيمان حجو".
وفي هذا الجانب؛ كان للصدق والوضوح والشجاعة، دور مهم في شخصية هذا الرجل الكاريزمي، وهناك القصص الكثيرة، ومن زوايا مختلفة نستطيع أن نرويها عن حياة الشهيد "أبو علي مصطفى"، وعلى سبيل المثال وليس للحصر: كان أبو علي في يوم جمعة يقوم بطلاء جدار الحديد بمنزله في بلدته عرابة، وعندما قال له أحد المرافقين: "لماذا تقوم أنت بطلاء الجدار، سنأتي بشخص يقوم بذلك؟ فكان رد أبا علي: لا أنا أقوم بذلك لا أريد أن يٌسجل عليَّ أن أحداً قام بطلاء جداري؛ خصوصاً أنه جدار صغير، وإذا جاء أحد سوف يخجل مني ولن يأخذ ثمن الطلاء".
أجاد "أبو علي" في قراءة جدلية للثابت والمتغير في الحالة الفلسطينية وعلى جبهة الصراع مع العدو الصهيوني، وهو أسلوب تكتيكي قائم على فهم طبيعة الصراع، وأكثر مبادئه الأساسية، حيث كان الثابت هنا هو: فلسطين، والمتغير هو: التكتيك في تحرير طرق ووسائل تحريرها، وهذا ما كان يريد "أبو علي" إيصاله للجميع؛ أن لكل حزب، وحركة فلسطينية التكتيك المختلف المتغير في سبيل تحرير الثابت؛ أي فلسطين.
وأكثر من ذلك كان الثابت هو الخيار الاستراتيجي؛ إقامة دولة فلسطين على كل حدود فلسطين التاريخية، والمتغير هو الحل المرحلي الذي يطمح لإقامة دولة فلسطينية على الأرض التي يجري تحريرها كجسر على طريق تحقيق الخيار الاستراتيجي، وهذا هو الربط التكتيكي بين المرحلي والاستراتيجي.
وفي لقاء له قام "أبو علي" بقراءة ورقة قال كلماتها "بن غوريون" على إذاعة باريس في عام 1947، وهذه الورقة بحسب "أبو علي" هي الرؤية الصهيونية الاستراتيجية لمشروعها في المنطقة، وجاء فيها: "إن الدولة اليهودية التي نريدها الآن ليست الهدف النهائي، وليست المحطة الأخيرة لتحقيق أهداف الصهيونية، بل هي أداة للتنفيذ، ووسيلة لبلوغ الهدف، ولذلك أصبحت أسرع شيء تريده الصهيونية في الوقت الحاضر"، وكان رد الشهيد "أبو علي مصطفى" هو التوضيح للخيار الاستراتيجي والمرحلي، حيث قال: "نحن نرد الآن على "بن غوريون" وورثة "بن غوريون" بنفس اللغة، نحن لا نعتبر أن الدولة الفلسطينية إذا ما قامت الآن، والتي يقال عنها على حدود الرابع من حزيران أنها الهدف النهائي للشعب الفلسطيني، بل هي نقطة متقدمة على طريق تحقيق الهدف الاستراتيجي للشعب الفلسطيني، بمعنى الدولة الديمقراطية الواحدة الفلسطينية العربية التي نعرفها وتثقفنا على أساسها".
الكلمات لا تنفذ عند الحديث عن شهيد مثل: "أبا علي مصطفى"، وهو العائد إلى فلسطين ليستعيد فلسطين أولاً؛ فلسطين أبداً، وهو أكثر من تتحدث عنه المواقف لا الكلمات فحسب، حيث رحيله خُصِبَ بالمواقف، أوليس هو القائل: "هذا زمن المغارم، وليس زمن مكاسب وسلطة، بل هو زمن مسؤوليات"؟ وبالفعل كان هذا الرجل يحمل في قلبه ميزان، ومسطره ليقيس طول المعركة، ويقوم بتوزين النتائج، وكانت النتيجة الأهم "ليس الأهم أن نحرز النصر دائماً، المهم أن نحارب دائماً".
أبو علي مصطفى هو الغائب الحاضر؛ فهو الغائب كجسد، ولكنه حاضر كثابت، كنهج؛ فالموت يعني هنا غياب المتغير وهو الجسد، ولكن الثابت هو النهج، بل وطريق المقاومة التي كان يؤسس لها؛ فالجسد ليس مجرداً، وفي مثل قضية أبو علي يغدو تكتيكاً، ولذلك سنبقى نغني له دوماً:
أنت الصوت أبو علي وما فيه سكوت..
أنت الحياة وما تموت..
أنت صوت الشعب، أنت حياة الشعب..
والشعب ما بموت..

