Menu

غسّان كنفاني الكاتب والمناضل العابر للزّمان والمكان

د. فضل النقيب

افتتاحية العدد 40 من مجلة الهدف الإلكترونية

فَتىً ماتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَةً

تَقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ

"من رثاء أبو تمام للقائد الطوسي"

وصف الشاعر الفرنسي بول ڤاليري الرجل العظيم بأنه يموت مرتين، في المرة الأولى كرجل، وفي المرة الثانية كعظيم.

القصد من ذلك أنه عندما يُغَيّبُ الموت رجلًا عظيمًا فإن ما حققه خلال حياته من إنجازات وما جسده من أفكار يظل مؤثرًا وفعالًا في حياة الناس وكأنه ما زال حيًا بينهم. ولكن مع مرور الأيام والسنين وتغير الظروف يواجه الناس معطيات وهمومًا جديدة تبتعد بهم عن إنجازات وأفكار الرجل، حتى يأتي اليوم الذي يتوقف تأثيره في حياتهم بشكل كامل، وعندئذ يبدو وكأنه مات مرة أخرى.

 من الواضح أنه بعد مرور نصف قرن على استشهاده، أصبح غسان كنفاني يشكل استثناءً لمقولة ڤاليري، فهو ينتمي للرجال العظام الذين يبدؤون حياة جديدة فور غياب أجسادهم عن هذا العالم، حياة يكبر صاحبها مع السنين ولكنه لا يهرم ولا يموت. إذ تصبح كلماته وأفكاره وطموحاته من نسيج اللغة المتداولة، والثقافة العامة، والعاطفة القومية. وسبب ذلك أن هؤلاء العظام يكونوا قد تركوا في حياتهم الأولى إرثًا عبقريًا لامس صميم المغامرة الإنسانية وله إشعاع دائم يستنير به الناس جيلًا بعد جيل.

إذا قمنا بمراجعة  كل ما كُتب عن غسان من مقالات وأبحاث طوال الخمسين سنة التي مرت على استشهاده، فسوف نجد أن كُتّابَ السبعينيات كانوا يوظفون أطروحات غسان للتعامل مع هموم ومشاكل الكفاح المسلح، وكُتّابَ الثمانينيات وظفوها للتعامل مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان والعمل في أفق الانتفاضة الأولى، وسنجد كُتّابَ التسعينيات يتحصنون بفكره لمقاومة كارثة وعار أوسلو، بينما نجد كُتّابَ العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين يستعينون بعاطفته للانخراط  في صفوف انتفاضة الأقصى والاحتفال بانتصارات حزب الله في لبنان، كما نرى  كُتّابَ العشرية الثانية من القرن يسترشدون بمبادئه لفهم ما يدور حولهم من معارك ما سُمِّي بالربيع العربي.

وإذا أردنا اختصار مسار النضال الفلسطيني في نصف القرن الماضي فما علينا إلا أن نلاحق مسار مجلة غسان كنفاني التي أسسها في بيروت في أيام الكفاح المسلح في العام 1969، فلقد انتقلت المجلة من بيروت إلى دمشق بعد مغادرة المقاتلين الفلسطينين لبنان بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي في عام 1982. وفي عام 2001 دخلت المجلة رام الله مع انتفاضة الأقصى، وها هي الآن تصدر إلكترونيًا من غزة وورقيًا من دمشق.

وفي هذا العدد الخاص من "الهدف" الذي يصدر من غزة ومن دمشق، والمخصص للاحتفاء بمرور خمسين عامًا على يوم استشهاد غسان وابنة أخته لميس نجم في بيروت، نقرأ نوعين من المقالات: مقالات عن غسان تم نشرها في الهدف في أعوام سابقة، ومقالاتٍ كتبها أصحابها خصيصًا لهذا العدد الخاص. وبعد قراءة كل هذه المقالات، فإني أحب أن أسجل الملاحظات التالية: 

  • أكثر المقالات مكتوبة بأسلوب الحوار وليس أسلوب النقد أو التقييم أو المراجعة. فمن يكتب عن غسان يشعر بشكل تلقائي بأنه في حوار مستمر مع طروحاته الفكرية ومع مواقف وخيارات أبطال رواياته ومسرحياته وقصصه القصيرة. فالكتابة عن غسان عملية تثقيفية وتعليمية للكاتب.
  • من المفيد المقارنة بين المقالات التي نُشِرَت في الماضي ومقالات هذا العدد، حيث تقدم هذه المقارنة صورة واضحة عن تعاظم تأثير غسان في رؤية القارئ وتفكيره مع مرور السنين. وعلى سبيل المثال، فإن تأثير دراسة غسان عن ثورة 1936 في تفكير القارئ قد ازداد وبشكل نوعي بعد أن عاش هذا القارئ مأساة إجهاض الانتفاضتين الأولى والثانية. وكذلك الحال مع دراسته عن الأدب الصهيوني التي تشكل الآن مرشدًا معرفيًا لوسائل وأهداف عملية التطبيع مع العدو الصهيوني.
  • لقد استمتعت بقراءة المقالات الخاصة بهذا العدد، وكان من المُنعش والأثير أن أعيش أجواء هذا الحب الرائع الذي يَكِنَهُ كُتَّاب عرب وكبار لغسان، وأن يتمكنوا من أن ينقلوا حرارة هذا الحب وحميميته وكأن غسان قد استشهد بالأمس وليس قبل خمسين عامًا. ولقد تأثرت بقراءة هذه المقالات، أنا الذي كنتُ صديقًا له وكتبتُ عنه كتابًا وثلاث مقالات.
  • المقال الوحيد المنشور في هذا العدد بقلم غسان هو مقال: "شبح الدولة الفلسطينية" والذي يشرح فيه أن طرح فكرة "دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة" له هدف واحد هو عزل المقاومة وسحب أرضها الشعبية من تحتها تمهيدًا لفرض الحلول الاستسلامية على الشعب الفلسطيني ليخلص إلى القول:

 "من المؤكد أن " فلسطينستان" ستكون بشكل من الأشكال، جزءًا من "الحل السلمي" في حال فرض الاستسلام السياسي على الأنظمة العربية والبدء في تنفيذه، ولذلك فإن مواجهة هذا الخطر يظل مرتبطًا بالمواجهة الراهنة القائمة بين حركة التحرر العربية وبين الهجمة الإمبريالية".

هل يصدق أحد أن هذا المقال كتبه غسان في الشهر الثالث من العام 1971؟ أي قبل كارثة أوسلو ب 22 سنة.. كيف تَمكّنَ غسان كنفاني أن يكون كاتبًا عابرًا للزمان والمكان؟

عندما سألوا إسحاق نيوتن: كيف تَمكّنَ من أن يكتشف بمفرده قوانين الطبيعة؟

جاء رده سريعًا وحاسمًا: "لأني كنت أفكر بالموضوع طوال الوقت".

ولقد كان غسان كنفاني يكتب طوال الوقت.

في بيروت وخلال اثنتي عشر سنة فقط، بين عامي 1960 و 1972، كتب غسان خمس روايات، وأربع مجموعات قصص قصيرة، وثلاث مسرحيات[1]، وست قصص للأطفال[2]، ودراساتٍ عن: الأدب الصهيوني، شعراء الأرض المحتلة، ثورة 1936 في فلسطين، وانطباعات عن شرق آسيا والصين. وكل ذلك كان يكتبه في ساعات الليل، فقد كانت ساعات النهار مخصصة لعمله المهني كرئيس تحرير جريدة يومية، ثم مجلة أسبوعية، فقد نشر مئات المقالات السياسية والأدبية الموقعة باسمه، ومئات المقالات الأخرى الموقعة بأسماء مستعارة[3]. إضافة إلى نشاطه السياسي، حيث كان في موقع المسؤولية القيادية في حركة القوميين العرب، ثم في الجبهة الشعبية التي كان يقوم فيها بكتابة دراسات فكرية تؤطر مجالات العمل السياسي بأسلوب مرن نقدي، وبعيد عن الأسلوب الأيديولوجي التقريري[4]. أما ما تبقى من ساعات الليل أو النهار، فلقد كان مخصصًا لممارسة عمله فنانًا تشكيليًا[5].

هل كان في يوم غسان أكثر من أربع وعشرين ساعة؟

في الواقع كان يوم غسان مسكونًا بكل ساعات الزمن الفلسطيني.

 

 

 


وهي مسرحيات: الباب، القبعة والنبي، وجسر إلى الأبد وقد صدرت في كتاب عن دار الأبحاث العربية في بيروت في العام 1978 وقدم له جبرا إبراهيم جبرا.[1]

وقد صدرت في كتاب عن دار الفتى العربي في بيروت بعنوان "أطفال غسان كنفاني.[2]

كان أول عمله الصحفي في بيروت  مسؤولاً عن القسم الثقافي في مجلة" الحرية" التي كانت تصدر عن حركة القوميين العرب. وبعدها أصبح مديراً لتحرير ملحق فلسطين التابع لجريدة "المحرر"، ثم مديراً لتحرير الجريدة بعدها انتقل ليكون مديراً لتحرير"جريدة الأنوار". وفي العام 1969 استقال من عمله في الجريدة  ليؤسس مجلة "الهدف" الأسبوعية الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.3

ما ميز كل كتابات غسان ، سواءً الأدبية أو السياسية، هو أسلوبه الشيق المتميز الذي وصفته في مكان آخر على أنه "صاف ، أنيق ، مشع ، وله صدقية الحقائق، وصدمة ألأخبار، وحرية الأحلام، وأعماق فلسطين"4.

في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وقبل أن يعرف الناس غسان كروائي وصحفي ومناضل سياسي ، كان الفلسطينيون في دمشق يعرفونه رساماً  تشكيلياً  فقد كانت رسوماته معلقة على جدران مدارس الفلسطينين وكانت لافتاته يحملها المتظاهرون في مناسبات ذكرى وعد بلفور وقرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل. ولقد حافظ غسان على اهتمامه بالفن التشكيلي طوال حياته. وهناك رسومات خالدة له كرسم الحصان الشامخ وكلمة فلسطين الملونة والمطرزة .وفي 14 تموز 2022، ومن ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى الخمسين تم عرض بعض لوحاته في الطابق الأرضي من دار جريدة "السفير" في بيروت .وقد  ألقت زوجته أني كنفاني كلمة قالت فيها:

"كان غسان يقوم بمهام متعددة في أن واحد. كان يكتب أو يرسم خلال جلسات عائلية. لآ أذكر أني شاهدته جالسأً بدون عمل[5]