في وداع القائد الوطني والقومي الكبير - أبو علي مصطفى ، تهرب اللغة ويتلعثم اللسان وتخجل كل الأوصاف الاقتراب من تشبيهه، ففي حياته كان إن حضر تسير إليه الأمور طوعاً، حيث هيبة القائد الشامخ وصلابة الرجل الشجاع وقيم الأصالة والأخلاق الحميدة والتواضع الذي قل مثيله.. وأيضاً حيث كلمة الحق والجرأة في قول الحقيقة والنقد الذي لا يعرف أحداً فوقه. وها هو باستشهاده يوزع روحه على كل الأحرار يقتفون أثره في الاتحاد المطلق مع الوطن والقيم النبيلة في أسمى وأعظم حالات الصدق والانتماء.
عرفته منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، حيث كان سبقني بالانتماء إلى حركة القوميين العرب... وفي ذلك التنظيم القومي الراديكالي مَثلَّ أبو علي مصطفى النموذج الكادح الفلسطيني الأصيل، الذي حمل هم فلسطين المنكوبة باحثاً عن الخلاص في عمقه القومي العربي، دون أن يتخلى للحظة عن فلسطينيته والحلم بالعودة إلى عرابة وأحراش يعبد التي جاهد فيها والده مع ثوار فلسطين والعروبة بقيادة المجاهد عز الدين القسام.
ومنذ حركة القوميين العرب وحتى بعد أن تولى مهامه كأمين عام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خلفاً للقائد الوطني والقومي الكبير الدكتور جورج حبش، كان أبو علي يصعد دائماً، دون توقف على كل الأصعدة ليتبوأ مكانته الرفيعة كقائد وطني وقومي وأممي قل أمثاله. قائد يُعلّم بسلوكه قبل أن يُعلّم بفكره وعلمه. وقد مثل نموذجاً يحتذى لرفاقه وأقرانه، الذين كانوا يحاولون جاهدين اللحاق به ومحاكاته دون طائل، حيث كان دائم التطور والتجدد بوتائر أسرع من أن يمتلكها الآخرون، وقد امتاز أبو علي بأنه ورغم شغفه في الاطلاع على الفكر الاشتراكي العلمي وسعيه الدؤوب لامتلاكه المنهج الماركسي - ال لينين ي وانفتاحه على شتى مدارس الفكر التقدمية وعلى كل القيم الديموقراطية والإنسانية، ظل مخلصاً لانتمائه القومي الأصيل والقيم الديموقراطية والإنسانية في التراث والتاريخ الفلسطيني والعربي.
وطوال زمن مأساة الشعب الفلسطيني منذ ما بعد النكبة حتى لحظة اغتياله البشعة، لم ينكسر أبو علي مصطفى للحظة واحدة حتى في أحلك الظروف، فقد ظل متفائلاً، ومتقد العزيمة والإرادة، فباتكائه على تفاؤل العقل كان يحمي الإرادة من الانكسار دائماً ويجعلها تبقى منشدة نحو التغيير الذي يصنع الجديد ويرسم ملامح المستقبل. ولذا، فإن مواقف أبي علي في المحطات التاريخية الحاسمة لنضال الشعب الفلسطيني كانت على الدوام لها فضل وإسهام كبيران في الحفاظ على البوصلة باتجاه فلسطين وفي مواجهة العدو الصهيوني.
عاش أبو علي مصطفى ورحل ناصع البياض، نقي الروح والجسد، عرفته كل ساحات النضال في فلسطين و الأردن ولبنان وسوريا وتونس وغيرها، رجلاً شجاعاً لم يتوانَ لحظة واحدة عن الدفاع عن قناعته ومواقف وسياسة حزبه بكل وضوح وصراحة وحراسة، ولذا نال احترام الجميع ومحبتهم. وبتفانٍ قل مثيله، ودون كلل، بنى أبو علي مصطفى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى جانب رفيق دربه الحكيم، وحافظ على وحدتها وعزز حضورها، ورغم الزمن الرخو بقي قابضاً على الجمر وعاد إلى أرض الوطن ليكون بين شعبه وأهله ورفاقه مناضلاً من أجل تحقيق الحلم الذي سقط من أجله الشهداء... حلم التحرير والعودة والاستقلال والسيادة والحياة الحرة العزيزة الكريمة. ومنذ أن وطأت قدمه أرض الوطن أقام أبو علي حواراً غنياً مع فلسطين التاريخ والحاضر والمستقبل، فلسطين المقاومة والثورة والانتفاضة، مؤمناً بأن لحظة تجاوز الانحسار قادمة، وأنَّ الأزمة المستعصية للتسوية السياسية المذلة التي فرضت على الشعب الفلسطيني، ستنفجر لا محالة وأنَّ لا بد من علاج بالصدمة يضع العالم بأسره على حقيقة الوضع في فلسطين. ولم يمضِ وقت طويل وإذا بانتفاضة الأقصى والاستقلال تندلع لتعيد للنضال الوطني الفلسطيني ألقه وللمقاومة بريقها، ولينخرط أبو علي بكل وجدانه في قيادة شعبه وهو يسطر أروع ملاحم البطولة والفداء، مدافعاً عن أرضه ومقدساته وحقوقه الوطنية.
وإذ أفلس السفاح القاتل شارون ولم يستطع جيش عدوانه النيل من صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الأسطورية، وحيث أخذت معنويات جبهته الداخلية تهبط للحضيض وتنذر بانفجار الأزمات، أراد أن ينال من معنويات الشعب الفلسطيني ويرهب قادته، فوجه صواريخ حقده وعدوانيته بطائرات أميركية الصنع، ليطال عنوان الشجاعة والمقاومة الفلسطينية والأصالة والشموخ، فاغتال القائد أبا علي مصطفى الذي مضى شهيداً يطرز صدر الوطن، بوسام الفخر والاعتزاز وأكاليل الغار.
وهكذا مضى أبو علي روحاً متوثبة لم تستكن للاحتلال والاغتصاب والاستيطان وتدنيس المقدسات والظلم والقهر والمنافي، فهبت تحمل سلاح التحدي والصمود والشموخ لترمي أعداء الوطن، وتخضّب الأرض بالدم الذكي، وقررت أن تحلق في الأعالي.. ولكنها قبل ذلك أحبت الحياة بأرضنا وسطرت المعجزات.. فباتت نوراً ساطعاً في سماء الوطن يسامره الذاهبون إلى فلسطين وهم يغنون لحن الخلود.
فامضِ أبا علي، يا أيها المصطفى من بيننا، امضِ إلى الأعلى فالأعلى، فليس هناك أدل على الحياة من الشهادة.. وليس هناك دلالات عظيمة في التاريخ دون دماء... فباستشهادك أفاق الجميع والتفوا حولك يتمسدون جراحك الطاهرة ليتعمّدوا في مدرسة الرجال. فعليك السلام أيها القائد... أيها الرفيق والصديق، ولإنك باق في رفاقك وكل أحرار فلسطين والعرب لن نقول لك وداعاً... بل إلى لقاء قريب.
* (نشر في مجلة الهدف، العدد 1323/4 فلسطين، تشرين الأول 2001، ص 69).

