ربما هي الصدفة التي جمعتنا، هذا المساء كنت أجلس على أريكة ونظري مسلط على التلفاز كنت أتابع الأخبار، فجأة سمعت صوتا من حولي، شدني واستولى على اهتمامي، لأول مرة أسمع من يراجع ذاته بصوت مسموع. أحضرت بعض الأوراق وقلما وقررت أن أبدأ التسجيل لم يلاحظنِ أحد، الكل كان يتخيل أنني أقوم ببعض التزاماتي تجاه العمل وتجاه الوظيفة التي أمارسها، فكثيرا ما تعوّد على الأصدقاء كذلك. بعد أن أنهى كلماته بدأت أقرأ ما سجلته على سمعه أدهشه ذلك وقال: "ضع عنوانا لهذا"، تأمل قليلًا ومد شفتيه وبصوت مرتج قال "هذه اعترافات شخص غیر متوازن".
كنت غاضبا عليه، رغم اهتزاز قناعتي السياسية، واهتز هذا النموذج الذي طالما رأيته على مزاجي عندما عاد، وزاد غضبي أكثر وأكثر، حينما بدأ بتبرير عودته، اعتقدت أنه لم يكن مقنعًا حتى لذاته، شاهدت الكثير من المناظرات السياسية والتي جمعته بسياسيين فلسطينيين وعرب وكنت اغتاظ جدًا لتبريراته، وأحسست أن كبريائه قد اِنهار وتاريخه قد وُشح ببعض خيوط السواد، باختصار أصبح رماديًا.
كثيرة هي حلقات النقاش التي جمعت رفاق الأمس، وأصدقاء اليوم، وتم فيها تناول العودة، الكل كان يجمع على تخطئة ذلك، لم نستطع أن نراه إلا من خلال يافطة الموقف الراهن، وكأن التاريخ قد اندثر ولم يبقَ منه إلا يوم العودة. تناسينا الكادح ابن العائلة الفقيرة والمعتقل في الجفر، جردناه من كل شيء، وأبقينا على الملابس الداخلية التي فصلناها نحن على مقاسه متقصدين شفافيتها، ربما من أجل أن تكون فاضحة أكثر، نحن هكذا في أغلب الأحيان، هناك ما هو مقلوب في السيكولوجية الخاصة بنا والتي ميزتنا نحن الذين لا نرحم، ولا نزن الأمور. نحن الذين تعودنا على أن نقود المركب بيد واحدة، وفي بعض الأحيان بأصبع واحد، نحن الفهلويين.
لماذا نتجرد من شمولية الرؤيا؟ لماذا حينما نحاسب عليها نقر بها نظريا ولكنها لا تنعكس على السلوك؟ ولماذا نحن هكذا؟
ما زلت أذكر حينما خاطبني أحد الأصدقاء مذكرا من هو الرفيق أبو علي مصطفى ، فقلت له أعرف ماضيه جيدا، إلا أن الماضي لم ينعكس في سلوكي تجاهه، فقد بقيت متمترسًا خلف اللحظة التي رغبت بها، وقرأت الرجل من خلالها فقط.
انتهى الحلم الذي صنعناه وصنعته أنا على وجه التحديد، واحتجت إلى صاروخ حتى أصحو منه، ارتطم بالجانب الأيمن من وجه هذا الرجل ليمزقه إلى أشلاء، هرولت إلى هناك، تألمت حينما وجدت الأشلاء تخاطب الصورة التي شكلتها لتصبح حتى هذه اللحظة حملا أنوء تحته، وصدمة أدت بمن سكر إلى صحوة مذهلة وقفت بصمت وتأمل لاستعادة حلقات التاريخ التي تركها خلفه عن قصد، هل يعقل أن نحتاج كلما سكرنا إلى صاروخ حتى نصحو؟
حاولت وكما الكثيرين أن أُكّفر عن ذنبي الذي ارتكبته، عدت للوراء سنوات ورغبت في أن أكون كما كنت، تتبعت خطوات من همـهـم أمر الرفيق أبو على وعشتها معهم لحظة بلحظة، إلا أن كل ذلك لم يُعد إلىَّ توازني، فكرت بالصاروخ وبطريقة الموت، كانت مؤلمة، استطعت أن أُلملم التاريخ وأن أصنع منه صـورة كانت أعـظـم ممـا تـخـيـلـت، وتصورت أن كل الأفعال التي يقوم بها من أحاطوا بالرفيق أبو علي ومن عز علـيـهـم فـراقـه ما زالت قصيرة القامة أمام قامته الطويلة المنتصبة فينا.
لم يكن أبو علي هو الذي عرفناه فقط، كان أكثر من ذلك بكثير، جمعت كل ما قيل بحقه رغم أنه لم يكن مُنصفًا إلى حد الإطلاق، فهناك ما زال الكثير مما نعرفه ولا يعرفه حتى الذين يتكلمون هناك الكثير الكثير مما دفن معه.
بيت العزاء أو بالأحرى تلك الجدران التي ضمته لوقت قصير تضج بالمعزين ومن كلا الجنسين، الكل يتحدث، كنت الوحيد من القلائل الذين يسمعون، ثلاث عبارات هي التي هزتني عاش فقيرا ومات فقيرا، عاش نظيفا ومات نظيفا، لم ينحنِ رغم كل الضغوط التي واجهها.
قلبت الماضي والحاضر في ذهني محاولًا أن استعيد أشلاء الصورة التي بعثرتها لأجد الكثير من القرائن والتي أعرفها شخصيًا على كل ما قيل بحقه، لماذا غابت عني ما دمت أعرفها؟
هذا هو الشيء الذي ما زال يقلقني، لا أعرف ربما لم نعتد على مثل هذا النموذج وأثرنا التعميم، فغابت معالم الصورة ونقائها. المشكلة فينا، أقر وأعترف، المشكلة في مناهج التفكير التي نخصيها حينما نعتنقها لتنجب ما هو عاقر. لم تكن المشكلة يومًا بالنموذج، بل في من لم يستوعب وعن قصد ما مثله النموذج، نحن المزاجيون دائمًا، نرغب في أن يكون النموذج على طريقة كل واحد منا.
عفوًا، لماذا غيبتها عن الذهن وطردتها من القلب وحاربت بقوة كل لحظات صفاء الذهن..؟
نحن الذين هكذا، مهزومون يومًا، ونكتشف ذلك بعد فوات الأوان، أسلحتنا عقيمة وتفكيرنا عقيم، ونموذجنا نفصلّه على مزاجنا، ومنهجنا نخصيه بأيدينا لأننا نريد منه أن ينجب حلمًا، لا يرتبط بالواقع إلا من خلال مأساة، نذم من يعارضنا ولم يدغدغ أحلامنا، نحن نرجسيون حتى: كيف تكونا وكيف أصبحنا وكيف تشكلنا وننكر من كان أقرب الناس علينا، قهر ذاته وانتصر لغيرها، ربما أنا واحدًا ممن انتصر لهم فقره ونظافة قلبه وإيمانه العميق، تخلينا عنه في اللحظة التي احتاجنا، لم ييأس وبقي متمسكًا بنا، بنينا بيننا وبينه حاجزًا عجزت الفاشية عن بنائه، قاطعناه وحملنا عليه ولم يكن في جعبتنا سوى سهم واحد، لكنه مكسور ولا يصلح للحرب.
أبو علي سلامًا عليك فأنت المنتصر دومًا، قهرت فينا مزاجيتنا ونرجسيتنا، وحملتنا على الاعتراف حتى ولو كان ذلك متأخرًا بأنك أشمل من أن نراك من خلال لحظة، من خلال موقف، فأنت تاريخ وأنت تراث، لذا جاءك المجد الذي طلبت فخورًا بك، فخورًا بموتك، فخورًا بضمك، فخورًا بقوتك وضعفك الإنساني، فخورًا بمعالم البساطة التي حفرها الجوع أخاديد على وجهك.
أبو علي سلام عليك فأنت كما كنت دومًا تضعنا على حافة الصواب وأنت حيًا وأنت ميتًا، فالرموز لهم في المجد شهادة..
* (نشر في مجلة الهدف، العدد 1323/4 فلسطين، تشرين الأول 2001، ص84)

