فِـــــــــي الحادِي عشَر من الشّهر الجارِي كانُون الأوّل/دِيسمبِر 2015 يكُون قَد مرّ على إصدَار البيَان التّأسِيسِي للجبهَة الشّعبِيّة لِتحرِير فلسطِين 48 سنَة عرفَت خِلالها القضِيّة الفلسطِينِيّة أطوَارًا عَكَسَت وانعَكَست بحُكم قانُون التّأثِير والتأثُّر على الأوضَاع الدّاخلِيّة والبِنْيوِيّة للجبهَة ، وتحلُّ هذِه الذِّكرَى فِي هذِه السّنَة وفلسطِين كمَا كُلّ المنطقَة ، وكعهدِها، على أتُونٍ من نار الحُرُوب وتجسُّد الإنقِسامَات وأخطار التّهوِيد وشيُوع شبَح تلاَشِي القضِيّة الفلسطِينِيّة ذاتَها من العقْل الرّسمِيّ الرِّجعِي العربِيّ ، كمَا تحُلّ لِتُجَدّد التّأكِيد على أنّ أصْحَاب الحقّ لم يُضِيعُوا حقّهُم فِي استِردَاد وطنهِم السّلِيب مع تواصُل الإزدِحَام فِي احتِلال مكانةً فِي قوائِم الشُّهدَاء وفِي تبوُّأ مواقِع فِي زنزانَات الصّهايِنَة حيثُ يقبَع الرّفِيق أمِين عام الجبهَة الـمُناضِل أحمَد سّعَدَات .
من رَحِم حركةٍ وُلِدَت فِي أوساطٍ طُلاّبِيّة بالأسَاس فِي بيرُوت كَانت نواة الجبهَة الشّعبِيّة لِتحرِير فلسطِين تتشَكّل ، فمُباشرةً بعد مِيلاَد مجمُوعَة شباب الثّأر ردًّا على بوادِر إعلان دوْلَة الكيَان الصّهيُونِي على أرضِ فلسطِين والتِحاقهَا بعد ذلِك وإثر إجتماع آذَار/مارِس 1949 بمجمُوعاتٍ أسّسَت » كتائِب الفِداء العربِيّ« التِي بدوْرِها التَحَق عدد من مُؤسِّسِيها سنَة 1951 بحركة القومِيِّين العرَب إمَّا تأسِيسًا أو تطوِيرًا لِتجرِبَة وتجذِيرًا لهَا ، لِيَظْهر مُنذ 1964 فرع فلسطِين للحرَكَة مُؤْذِنًا بِمرحلةٍ أكثَر رادِيكالِيَّة فِي النّضال الوطنِيّ عُنوانها الكِفاح المُسلَّح ومنهَا إلى ظُهُور الجبْهَة الشّعبِيّة كمَا أسلَفْنَا القوْل فِي أواخِر سنَة 1967 .
إنّ مُناسبَة إحيَاء ذِكرَى تأسِيس الجبهَة ، وإن كانَ مُقترِنًا بهبّةٍ شعبيّة وبِوضْعٍ إقلِيمِيٍّ قاتِمٍ وبتكشُّفِ زُور مقُولات »الرّبِيع العربِيّ« ، فإنّهُ لا يحجُب تمخُّض قُوَى حِراكٍ ثورِيٍّ حقِيقِيّ فِي الأقطَار العربيّة ، وفِي الدّاخِل الفلسطِينِيّ الذِي ما انفَكّت تتَصَاعد وتائِر حِدّة النِّضَال فِيه رَغم استِــمْرار مُسلس الإنقِسام الرّدِيء ، كمَا لا يحجُب هذَا الوَاقع فُرْصَة الدِّراسَة الجادّة الــمَلْمُوسَة لتطوُّر الجبهَة الشّعبِيّة كَــفَصِيلٍ مركزِيّ فِي سيرُورة الثّورة الوطنِيّة الفلسطِينِيّة ووُضُوح قانُون التّأثِير والتأثُّر فِي منحَاهَا الفِكرِيّ والتّنظِيمِيّ .
لقَد جاءَ نَـــصًّا فِي وثِيقَة :"الاستراتِيجية التّنظِيمِيّة والسّياسيّة" للجبهَة الصّادِر بَعد عامٍ ونِصف على التّأسِيس "هذه الظاهرة (أي الجبهَة)،بقدر ما تحمل من عوامل النمو الثوري التي تحاول الصعود إلى مستوى الثورة التاريخية،تجابه في الوقت نفسه مجموعة أخطار حقيقية،ذاتية وموضوعية،تهدد مصيرها وتحاول عرقلة نموها وتصاعدها .
على ضوء ذلك،أي على ضوء هذا التقييم العام لواقع الجبهة وما يثيره في النفوس من حوافز اليقظة،والشعور العميق بالمسؤولية التاريخية،والإدراك الواعي لأهمية الدقة العلمية في رؤية مؤتمر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في شهر شباط/فبراير 1969،ليناقش إستراتيجية العمل الثوري الفلسطيني ويرسم الخطوات العامة-السياسية والتنظيمية والعسكرية-التي تكفل نمو الجبهة المتصاعد لتكون بمستوى مهمة التحرير التي تتصدى لَها" .
ما تجدُر مُلاحَظته في الإقتِباس وبِكُلّ موضُوعيّة مُصطلَح "الظّاهِرة" الذِي يعكِس توظِيفُه ادراكًا بماهِيّة هذَا التّنظِيم الذِي تطوّر على الدّوام بارتِبَاطٍ مع الواقع ، وكانت للأحدَاث وعُموم الـمُؤثّرات الخارجِيّة انعِكاسَاتٍ حتميّة حتّى على البِنيَة الفِكرِيّة التِي أوْصَلَت الشّعبيّة لِمَا هِي عليْهِ اليوم ، بل وتعكِس الوثِيقة فِي عُمُومها مِيلاَد "اليَسَار الجدِيد" بِكُلّ ما تعنِيه الكلمَة ، وفِي تقدِيرِي الــمُتواضَع ، يُعَدّ ذلِك أهمّ إضافة إلى حُدُود اللّحظَة للجبهَة الشّعبيّة لِتحرِير فلسطِين كانَت لهَا تأثِيراتُها في المشرِق والمغرِب العَرَبِيَّيْن على حدِّ السّوَاء.
بَرَز المُصطَلح بِشكلٍ واسع بعد أحدَاث مايُو/آيَار 1968 فِي فرنسَا لِيُحَمَّل بِدلالاتٍ تتجاوَز الانحِراف الحاصِل فِي صُلب الاتّحاد السُّوفياتِيّ ويتعدَّى الجُمُود العقائِدِيّ الماوِيّ ويُلفِت الإهتِمام لِضرُورة الرّبط بين النِّضال الـمطلبِيّ والوطنِيّ/الدِّيمُقراطِيّ ضرُورَةً ويَرُدّ الاعتِبار لمُعطَى الانغِراس ودَور التّنظِيم وأهميّة انجَاز الــمَهَام الدِّيــمُقراطِيّة (من منظُور الانحياز الطبقِيّ) من قِبَل الشّيُوعِيِّين بعد طُغيان الامبريالِيّة إلى غير ذلِك مِــمَّا جاء بِه مُعَلِّمُو البرُولِيتارِيا وضاع بين تُراب الانحِرافات وأوحَال التّحرِيف ، غنِيٌّ عن القَوْل أنّ إحدَى مُرتكزَات أيّ تنظِيمٍ من الطِّراز اللِّينِينِيّ هي أنّه يُطَهِّر نفسَهُ بِنَفْسِه مُواجِها التكتُّلات والانقِسامِيّة بما يتطلّبُه من وُضُوح الفِكر ، وقَد جاء فِي ذات الوثِيقة الــمُشَار إليْها آنِفًا "إن مفهوم الفكر السياسي بالنسبة لنا هو وضوح المعركة أمامنا. ومن هنا يأتي تـأكيدنا على أهمية وخطورة هذا الأمر ." ورَغم ثورِيّة الوثِيقَة فِي أوانِهَا وراهنيّة خَطِّها العامّ وإدراك واضِعِيها للدّور المركزِيّ للفِكر إلاّ أنّ الأمرَ تتطلَّب سنواتٍ طوِيلة ، قد تكُون راجعة لتعقُّد المَشهد السّياسِيّ لعُموم المنطقَة والقضِيّة الأساس ، إلاّ أنّهُ لا يُمكِن إعفاء الجبهَة من الــمسؤوليّة ، للكَشْف عن "وَقْفَةٍ مع الذّات" وِفق تعبِير الرّفِيق أبُو جمال غازِي الصُّوارنِيّ بعد عَقد الــمُؤتمر الوطنِيّ الخامِس فِي شباط/فبرايِر 1993 . ويتذكّر الجمِيع خِطاب افتِتاح الــمُؤتمر الوطنِيّ السّادِس للجبهَة الـمُنعقِد فِي دِمَشق فِي تمُّوز/يُوليُو سنة 2000 حيْثُ جاءَ فِيمَا قالهُ :" إنّها تجربة تميزت بتغليب الشعارات والعاطفة في مفاصل ومواقف كثيرة، هذه الشعارات ورغم صحتها ومشروعيّتها، إلا أنها لم تُقرن بشرط نجاحها وتحقيقها ألا وهو الأداة الحاملة لهذه الشعارات والساعية لتحقيقها."
لقَد عكَست سيرُورة الجبهَة الشّعبِيّة وتطوُّرهَا حالةً فلسطِينِيّةً عربيّةً أمميّة بامتِياز ، ولَئِن يعُدُّه البَعض نقِيصَة ، وهُو ما أثارته مُؤتمراتٌ للجبهة ذاتَها ، فإنّه يتجَاوز مُعطَى التّنظِيم والهَيْكلَة والخطّ الفِكرِيّ لِــيكُون نِتاجًا لمحطّاتٍ تارِيخِيّة فِي عُمُر الثّورة الوطنيّة الفلسطِينِيّة مِــمَّا يُحوّلها من مُجرّد جبهَة تستهدِف التحوُّل لحِزب ماركسيّ لينِينِيّ بِــما يقتضِيه ذلك من ضرُوراتٍ إلى ظاهِرةٍ فعليّة تُشكّل نمُوذجًا فِي نُمُوّه تعاصرَت فتصَارعَت كُلّ الرُّؤى التي سادَت الوطَن العربِيّ وتداخَلت بالقضِيّة الفلسطِينِيّة ، وقوائِم الشُّهداء والأسرَى والعمليّات في الدّاخِل وفي الخارِج وعمليّات التّقيِيم الدّورِيّة وردّ الاعتِبَار لِــمُناضِلِين وتشكِيل جبهاتٍ قُطرِيّة وُصُولاً لإعلان الجبهة التقدُّمِيّة العربيّة مُؤخّرًا بِمُشاركة فَعَّالَة من الجبهة الشّعبِيّة ، ولعَلّ الواقع الرّاهِن بِكُلّ تعقِيداتِه حيثُ إنّ المَعْرَكَة ضِدّ خَنْدَق الإمبِريالِيّة والصّهيُونِيّة والرِّجْعِيّة المحليّة أخَذَت منحًى جدِيدًا بَعد أن فَضَّلَت المَرَاكِز المافيُوزِيّة الاعْتِمَاد علَى أيَادِي عامِلة مُسَلّحَة تُنَفّذ مهامّ التّخرِيب والتّدْمِير عِوَضًا على الجُيُوش النِّظامِيّة مِمَّا فَتَح ضرُورةً آفاقًا جدِيدَة للشُّعُوب ازدَادَت اتِّساعًا بارتِباط مع انكِسار مقُولة النِّظام العالمِيّ الجدِيد وتعدُّد الأقطَاب داخِل المنظُومة الرّأسمالِيّة الكُبْرَى التِي أخَذَت تناقُضاتها تحتدّ وبَرَز منْها النُّتُوء السّرطانِيّ أكثَر فأكثَر ليتناحَر معهَا وهُو الأولِيغارشِيا المالِيّة ؛ الظّرفِيّة الحالِيّة تَشْهد فِعْلِيًّا مخاضًا لآخِر معركَة ضِدّ كُلّ أشكَال القَهْر والاستِعباد والاستِغْلال الفَجّ للإنْسان من الإنسَان ، وهِي مَعْركة شُعُوب لا أنظِمَة ، وقد تكُون آخر معرَكة وآخر فُرْصَة عنوانُها : " إمّا الحيَاة بِكرامَة وإمّا الفنَاء" ؛ هذَا الواقع الجدِيد لعلّهُ يكُون مُلائِمًا للفعل الــميدانِيّ ويجعَل من الإنغِراس في أوساط الجماهِير وفِي الأحيَاء والمُخيّمات والمُدُن والقُرَى أولوِيّة الأولوِيّات لِيدفع بأفواجٍ جدِيدة تستلهِم من إرثٍ الجبهة الشّعبيّة لِتحرِير فلسطِين وتتبنّى الخطّ الثّورِيّ تمهِيدًا للحَسْم النّهائِيّ في هذِه المعركَة التِي تبدُو فعليًّا نهائِيّة والــمسؤُوليّة على كاهِل الجبهَة كغيرها من فَصَائِل التحرُّر الوطنِيّ والدِّيمُقراطِيّ والانعِتاق الإجتماعِيّ في عُمُوم الوطن العربيّ ، هذِه الجبهَة التي ضمّت في قوائِم شُهدائِها مُناضِلِين حتّى من تُونِس منهُم الطّاهِر الورغمِي ومُحمّد الحبِيب نصر .
إنّ الذِّكرى 48 لانطِلاقة الجبهَة الشّعبيّة لِتحرِير فلسطِين التِي جاءَت ارتِباطًا آنذَاك بِهزِيمة حزِيران/يونية 1967 ، يجعَل من" تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني الاستعماري، وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس ، تكفل الحقوق المشروعة لجميع مواطنيها على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، دون تمييز، وتكون معادية للإمبريالية والصهيونية وذات أفق وحدوي ديمقراطي، مع سائر الأقطار العربية" كمَا وردَ فِي تعرِيفها هدفًا يتجدّدَ قائِمًا حتّى وإنّ خَفّت حِدّة تعبِيراته فَـــلِزامًا أن ترتفع من جدِيدٍ ، فِي الذِّكرى الــ48 ، مشاهد الشّهداء والأسرَى وأحزان الشّتات والتّشرِيد وتكرِيم مَن فارقنَا وغيّبتهُ المنايَا لن يحجُب إمكانِيّات النّصر.
* مناضل سياسي ماركسي ومفكر تقدمي من تونس

