Menu

جميل مزهر.. وفصل الخطاب

ثائر أبو عياش

يقول الشهيد " أبو علي مصطفى ": "من لا يتجدد حتماً يتبدد"، واستناداً إلى هذه الكلمات الفلسفية التي تتناول التغيير داخل الجسم الحزبي خصوصاً، نستطيع القول أن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" قدمت نموذجاً ديمقراطياً، وتجربة يجب أن تعمم على صعيد الأحزاب والحركات الفلسطينية بعد إنجاز المؤتمر الوطني الثامن، والذي كانت أهم نتائجه تجديد العضوية للأمين العام الأسر "أحمد سعدات" والذي أعتبر التزاماً أخلاقياً، ووفاء للحركة الأسيرة،  وإيصال رساله للاحتلال أن الجبهة لن تسمح بالاستفراد بأحمد سعدات، بالإضافة إلى ذلك تخلي بعض الرفاق طواعية عن مواقعهم، وإلى جانب ذلك انتخاب "جميل مزهر" نائب للأمين العام داخل الأرض المحتلة على اعتبار أن فلسطين هي ساحة ثقل المواجهة.

بناء على ما سبق، يأتي خطاب نائب الأمين "جميل مزهر" في الذكرى "21" على استشهاد الأمين العام "أبو علي مصطفى" لإعادة القطار إلى السكة الحقيقية، وليست الوهمية، حيث كان الخطاب بمثابة وثيقة سياسية، واجتماعية، ووطنية، بل يعتبر خطاب مصارحة للذات، والتأكيد على الثوابت الفلسطينية، ومعالجة الأزمة البنيوية والوظيفية التي تعاني منها المؤسسات الفلسطينية.

يأتي الخطاب بالعودة إلى تاريخ الجبهة الشعبية، منسجماً تماماً مع الفعل كما كان يطالب "ميشيل فوكو"، حيث لم يبتعد عن الوثيقة الأساسية التي تعرف باسم "لماذا أنتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟"، وأعتقد أن خطاب نائب الأمين العام هو بمثابة تجديد لهذه الوثيقة، وإعادة بث الروح داخلها، خصوصاً أنه خطاب شامل سواء على الصعيد الفلسطيني، أو حتى العربي، وأكثر الدولي، حيث جدد هذا الخطاب التأكيد على أن الصراع هو صراع وجود بالدرجة الأولى، وأكثر هو صراع وطني وطبقي مع الاحتلال، ومع النظام الرأسمالي وعلى رأسه الولايات المتحدة، وأيضاً صراع طبقي - سياسي داخل النظام السياسي الفلسطيني.

بشكل تفصيلي، يعتبر هذا الخطاب هو خطاب نوعي على الساحة الفلسطينية، خصوصاً في ظل الخطابات الكمية التي تولد بالأساس ميتة، حيث عبر "جميل مزهر" عن إيمان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القديم الجديد في الانخراط داخل هموم الشعب الفلسطيني، مثل حق في التعليم، والصحة، والأسرى، والعمل، وحفظ حق وكرامة عائلات الشهداء والأسرى والجرحى وغيرها، وأكثر كان يقصد تحقيق العدالة الاجتماعية، ومطالبته هنا بتحقيق العدالة، فليس المساواة أمر يستحق التفكير، حيث لا يمكن أن تمنح رجل قصير، وآخر طويل نفس الكرسي ليشاهدا القمر من الشباك، فالعدالة تتطلب أن تمنح كل واحد منهم ما يناسبه للوصول إلى قمة الشباك لمشاهدة القمر، وهنا جوهر العدالة.

يتحدث علماء الاجتماع، وخصوصاً الوظيفين منهم، مثل "دور كهايم، وبارسونز، وميرتون"، حول تشبيه "النسق الاجتماعي" بالجسد العضوي البشري، واللافت في هذا الخطاب هو أطروحة "جميل مزهر" حول بناء "نسق المقاومة"، يكون بمثابة جسم نضالي موحد على امتداد فلسطين وخارجها. وأعتقد هنا أن نائب الأمين كان يقصد تشبيه الوحدة الوطنية بالجسد البشري، حيث فقدان اليد أو القدم أو أي جزء من الجسد يؤثر على وظائف عمل الجسد، وهذا النسق يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية مقدسة، لا للتراجع عن المبادئ، لا للصلح، لا للاعتراف، لا للتفاوض، حيث هذه المبادئ يمكن الإبحار فيها نحو النصر، وغير ذلك هو بمثابة الإبحار بشراع تم خرقه من الداخل.

يستحق هذا الخطاب البناء عليه، وأكثر اعتباره وثيقة يجب العودة إليها لفهم طبيعة مشروع الإمبريالية العالمية في المنطقة، وأعتقد أيضاً أن هذا الخطاب تمت فيه العودة إلى المبادئ الأساسية للجبهة الشعبية لحظة التأسيس، فقد حمل معه وأد الحل المرحلي بعد تجربة قاسية خاضتها الجبهة الشعبية، وهنا نستطيع القول أن الجبهة الشعبية استطاعت تقييم المرحلة بكل شفافية وصدق. وعليه جاء هذا الخطاب ليؤكد أن الثابت في الصراع هو فلسطين، والقصد أن الحل المرحلي أصبح تحرير كل فلسطين التاريخية، والاستراتيجي هو تحرير العالم من سياسة القطب الواحد، هذا القطب الذي يشن حروباً باحثاً عن فتح أسواق جديدة لمنتجاته، وتحويل العالم إلى نظام من التفاهة.

أعتقد أيضاً أن "جميل مزهر" استطاع إرساء القواعد الأساسية في المواجهة مع المشروع الصهيوني، مطبقاً شعارات جورج حبش ، وغسان كنفاني، وأبو ماهر اليماني...، واستطاع أن يقوم بالرد على مجمل الانتقادات التي تم توجيهها إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومثال على ذلك: التأكيد على أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا لا يعني قبول الجبهة بحالة الاختطاف التي تتم بحق المنظمة، وفي هذا الصدد حمل الخطاب لهجة حادة ضد النظام المتفرد في القرار الفلسطيني، لأن الخطاب في الوقت الذي ركز على السبب أو أساس المشكلة، ركز على الحل، وهذا جوهري في الخطاب.

أعتقد أن هذا الخطاب هو محطة فاصلة في تاريخ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعليه حتماً سيواجه الخطاب صعوبات كبرى، وسلوك الجبهة هو الذي سيحدد مصير تذليل هذه الصعوبات. وعندما نقول سلوك الجبهة نقصد أن كلمات "جميل مزهر" هي كلمات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولكن أعتقد أن الجبهة الشعبية قد ترجمت خطاب "جميل مزهر" كسلوك قبل أن تكون كلمات، حيث كانت جولة نائب الأمين العام سواء في الاجتماعات التي عقدت مع الفصائل والقوى في غزة، وأيضاً في الخارج بمثابة تأكيد على أن الخطاب ضد الاحتلال يجب أن يكون خطاب واحد، وأن الساحة واحدة، وهنا كان فصل الخطاب.

أخيراً وليس آخر، أعتقد أن هذا الخطاب هو بمثابة تجديد الأمل الذي يحاول ورثة "زئيف جابوتنسكي" قتله عبر الجدار الحديدي، وأيضاً هو خطاب يحمل البحث عن إجابة ما زال سؤالها مفتوحاً "هل يجوزُ أن يكونَ الأكثرَ تضحيّةً وجهدًا في النضالِ والمعاناةِ هو الأقلُّ نصيبًا في مقدّراتِ الوطن؟

كأن "جميل مزهر" يقول للباحثين عن إجابة: "الوطن ألا يحدث ذلك كله".. كما سبق وأكد غسان كنفاني.