Menu

الصراع على الزمن.. عنوان لمعارك الأسرى

الأسير منذر خلف مفلح

تقوم حالة الصراع الدائمة بين الأسرى والسجان الصهيوني على مبدأ السيطرة على الزمن والتحكم به، والذي من خلاله يمكن إدارة الشخوص والأمكنة وتوجيههم. فالصراع بهذه الحالة هو بين برنامجين وإرادتين للتحكم بالزمن وملء المسرح الاجتماعي خلف الجدران، وتحديد برنامج للتحكم والسيطرة من قبل السجان، مقابل برنامج مواجهة وتعبئة مضاد من قبل الحركة الأسيرة.

وعلى ذلك توجد إرادة الموت والقهر والتفريغ السياسي والوطني والاجتماعي والثقافي التي يريدها السجان للأسير، مقابل إرادة الحياة والصبر والتعبئة السياسية والوطنية والاجتماعية والثقافية.

شرح الحالة الصراعية بمقدمتها هي للإجابة عن أسئلة بديهية تدور في أذهان المتابعين لقضايا الأسرى.. من قبيل:

ما هو السجن؟

ما هي أجواء العدد؟

ما هو أجواء الفحص؟

ما هو اللباس الموحد؟

ما هي معركة الحصول على قلم، أو معلقة، أو التحكم بالطعام؟

وما هو الإضراب، أو إرجاع الوجبات، أو الامتناع عن الخروج للفورة، أو تعطيل العدد، أو الفحص الأمني.. إلخ من الإجراءات، وأشكال المقاومة التي ينتهجها الأسرى، ولا يدرك كنهها الآخرون، كونهم لا يدركون معن الزمن في السجن وضرورة التحكم به والسيطرة عليه؟

"فالزمن بداية هو المادة التي يستخرج منها الحياة"، والسجن حيز جغرافي، مكاني منمط ومقيد بجدران وأسلاك شائكة وأبراج مراقبة عالية معدة لعزل الأسير عن الحياة ولإفقاده معنى مادة الزمن، من أجل التحكم به والسيطرة عليه، وتحويله لكائن مسخ تقيده الخبرات الضيقة، والأوامر المفروضة والأزمنة المستباحة.

فما هو ضمن هذين التعريفين زمن السجن.. هو زمن موازٍ يتم فيه ذبح القيمة الإنسانية للإنسان كفرد، زمن يتم فيه نزع الفلسطيني من فلسطينيته وعروبته وإنسانيته ونضاليته، وتعريته أمام السجان لإزلاله من خلال إجراءات:

1-   العدد: الذي فيه يقتحم السجانون غرف الأسرى بشكل ممنهج يرتدون الخوذات والأقنعة في بعض الأحيان، ومتسلحين بالهراوات، وجرار الغاز، وربما ما هو أكثر من ذلك، بحجة ضبط العدد والتأكد من عدم الهرب، بمعدل مرة كل ست ساعات خلال النهار وهو ما يلغي حجة الهدف، لأن حالات الهروب هي ليلاً، والهدف الحقيقي هي ملء زمان الأسرى بالإجراءات القمعية.

2-   الفحص الأمني: والذي فيه أيضاً اقتحام لحيز الأسرى المكاني، وتشويش برنامجهم الزمني، وفرض برنامج السجان الزمني من أجل تأكيد مبدأ القلق أو الهشاشة أو الاستباحة، بمفاهيم تبلر، ويكون عادة مصاحب لأدوات القمع، ويجري مرتين في معظم الأيام. وفيه يدخل السجانون لغرف الأسرى لفحص الأرضيات والشبك والشبابيك والأبواب لضمان عدم الهروب كحجة، والهدف الرئيسي السيطرة على الزمن لمواجهة أي حالات هروب وتمرد، فالهروب بحاجة لزمن.

3-   التفتيشات: وهو إجراء روتيني غير محدد بزمن، وعليه فإنه إجراء بشكل مفاجئ وشبه دوري دون تحديد، يهدف لخلق ذهنية التشويش والاستعداد الدائم لاحتمال الهجوم.

4-   الطعام: يهدف السجان لتوزيع الطعام بأوقات منتظمة حتى يقيد زمنك ويربطه بين وجبتي طعام، لتقليص الاهتمام وتوزيع زمن الأسير، إضافة لابتزازه في غالب الأوقات.

5-   التنقلات الدائمة: بحيث يخلق حالة من عدم الاستقرار والقلق الدائم والهشاشة والاستباحة للجسد والزمن والمكان.

هذه الإجراءات اليومية الأساسية يليها مئات الإجراءات الصغيرة التي لا يمكن إدراك هدفها إلا بربطها معاً لتبيان تكرار هذه الإجراءات وأهدافها من قبيل الحضور الشرطي الدائم، جولات التفقد الليلية، الكاميرات والمراقبة، تقييد الحركة، منع الأنشطة، تقييد زمن الرياضة أو الأنشطة الأخرى، تقييد فتح الأبواب وإغلاقها، بهدف فرض الانضباط والطاعة للسجان.

إن السياسات السابقة هي للتأكيد على أن مجموع الإجراءات اليومية الروتينية هي لإحكام القبضة على الأسرى وزمنهم، وخلق ذهنية التابع المشتت وتفريغه سياسياً وتحويله لإنسان مطيع.

لقد أدرك الأسرى هذه الإجراءات وهدفها من خلال التأمل والرقابة المضادة للسجان، وضبط النفس والانتظام، بل والتحكم بالغرائز والشهوات والحاجات، وتأمين الحياة الجماعية التضامنية، التي يحكمها قانون الأسرى مقابل قانون السجان. وقد شمل قانون الأسرى الحق في الجماعية والانتظام، والحق في الاحتجاج وفرض إرادتهم عبر انتزاع مبدأ التحكم بالزمن الذي أصبح منذ تلك اللحظة قانون صراع: فتعطيل العدد هو إجراء مقاوم مضاد لفرض السجان لبرنامجه وجدوله الزمني وتشويش لهما، فالزمن هو ذاته للطرفين- الأسير والسجان- ومن يتحكم به يسلبه من الآخر، فمن هو أسير للآخر؟

وكذاك الأمر، إجراء الفحص الأمني، تعطيله يعني تشويش البرنامج الزمني للسجان، وتهديد مبطن له بالتمرد واللجوء للعنف، وتنظيم حالات هروب ناجحة، وهو ما يُرهب السجان ويعطل إجراءاته للسيطرة على الزمن تحت مبررات الأمن.

ورفض استلام الطعام أو إرجاعه أو الإصرار على الحصول عليه جماعياً، والحق في الحصول على أدوات الطعام والطبخ، هي مقاومة لمحاولة إذلال الأسرى والتحكم بهم.

وكذلك الأمر رفض الخروج للفورة، يعني رفض التحكم بزمن فتح السجن والأبواب، وفرض قانون خاص وبرنامج خاص بالأسرى، بحيث لا يستطيع السجان مساومة الأسرى على شيء، حتى لو كانت قلماً أو ملعقة لتناول الطعام.

إن الحق في الدراسة والانتظام بها، وتنظيم الجلسات، وحلقات الترفيه والعبادة والقراءة، والحق في الكتب والمكتبة هي إجراءات مضادة لمجابهة السجان، وتصبح عنواناً لمعركة.

وكذلك الامتناع عن الطعام أو الإضراب هو تهديد للسجان، بأن الحياة أرخص من أن يتم إزلال الأسير والتحكم به، فحياته إذن مهددة بشكل مباشر، وكذلك الأمر حرمانه من إمكانية التهديد بالإيذاء، فالموت هو السلاح في المعركة.

أما الحق في الحصول على علاج والحفاظ على الذات هو عنوان لمعركة يومية، فإذا لم تسمح (إنسانية السجان وديمقراطيته المزعومتين)، بالحصول عليهما، فالتهديد بالموت معركة وسلاح، لهذا تعتبر معركة الإضراب: "معركة مفتوحة الاحتمالات والنتائج".

إن التحكم في وتيرة الحياة والحركة، هي معركة أيضاً، تعني أن زمن السجن والسجان مهدد بالتعطيل لصالح فرض أجندة زمنية للأسير.. الحصول على قناة إخبارية تلفزيونية أو صحيفة هي مرادف لهدف السجان، تمنعه من تحديد زمن الأثير للأسرى. وهكذا استرداد الزمن هو هدف كل الإجراءات التي يعتبرها الأسرى أدوات في معاركهم، من أجل إعادة تعبئته بما يتواءم ورواية الحرية والحق.

 

سلاح الإضراب عن الطعام في مواجهة الحرب التي يشنها الاحتلال ضد شعبنا واستهداف أسراه، هي لرد الهجمة التي ابتدأت في غزة وجنين ونابلس واللد والرملة والجليل والنقب ولن تنتهي في السجون، ذلك أن الحكومة والمجتمع الصهيوني متعطشان للدم والتعذيب، وخاصة بعد فشل إجراءات السجان في منع معركة النفق 2021، ولا معركة السيطرة والانتصار الذي يحققه الأسرى بالتحكم بزمنهم، مقابل فشل الاحتلال وذراعه مصلحة السجون، لتبدأ معركة جديدة وهجمة عنوانها خلق حالة عدم الاستقرار للأسرى ذوي الأحكام العالية والمؤبدات، وكذلك الدفع باتجاه تحطيم وحدة الحركة الأسيرة وتنظيماتها، من خلال التحريك الدائم للأسرى، وفرض العقوبات على كل أسير وسجن وتنظيم بشكل منفرد، وهو الأمر الذي يرفضه الأسرى، ومستعدون لمعركة الإضراب لتحقيق مطالب: وقف الهجمة، ورفع العقوبات، وتحسين شروط الحياة، وإيقاف سياسة "خطر الهروب"، ومكافحة الحشرات وتحسين الوضع الصحي، والطباية، والطعام، ورفع القنوات التلفزيونية، والسماح بالهاتف العمومي وتحسين شروطه، إنهاء ملف العزل ... إلخ، حيث يتهيأ الأسرى لإضراب يشمل 1000 أسير بالدفعة الأولى بواقع 25-30% من قوام الحركة الأسيرة، تليها دفعات أخرى، وتكتيكات أخرى تشمل الامتناع عن تناول الماء.