Menu

راهنيّةُ مواقفِ القائدِ الرمزِ "أبو علي مصطفى" في إطارِ الجبهةِ الشعبيّةِ وحركةِ التحرّرِ الوطنيّ الفلسطينيّة

عليان عليان

نشر في العدد 41 من مجلة الهدف الرقمية

باحثٌ وكاتبٌ سياسيّ/ الأردن

في الذكرى الحاديةِ والعشرين لارتقاءِ الأمينِ العامِ للجبهةِ الشعبيّة " أبو علي مصطفى " شهيدًا بصواريخِ العدوِّ الصهيونيّ، نرفعُ بكلِّ ثقةٍ الصوتَ عاليًا، بأنّك كنت وستظلُّ في ذاكرة شعبك ورفاقك، وفي ذاكرة الأمّة وأحرار العالم، قائدًا وطنيًّا لا تطاول، عرفت كيف تجسّر المسافةَ بالنضال ما بين الوطنيّ والقوميّ، وكيف تجسّد وتوظّف انتماءك الفكريَّ وَفْقًا للخصوصيّةِ الوطنيّة، على قاعدة الربط بين الخاص الوطنيّ والعام القوميّ والأمميّ بعد أن جمعت كلَّ صفات القائد في شخصك وفي ممارستك اليوميّة، فكنت في أوّل الصفوف للتضحية والإقدام طيلةَ مسيرتك الكفاحيّة، وفي نكران الذات، وكنت تعرف أنّك ستدفعُ ثمنَ مقولتك "عدنا لنقاوم ولم نأتِ لنساوم"، إلا أنّك أصررت على هذه المقولة في الممارسة، منذ عودتك حتى لحظةِ استشهادك، بعد أن أدّيتَ دورًا مركزيًّا في قيادة انتفاضة الأقصى عام 2000م.

وعندما نستحضرُ مواقفك في مختلف محطّات الثورة، لا نملك سوى أن نؤكّد على راهنيتها لسببٍ رئيسي: هو التزامك الاستراتيجيّ في إطار الجبهة الشعبيّة، بنهج تحرير كامل التراب الوطني الفلسطينيّ، وتنفيذ حقّ العودة للاجئين الفلسطينيّين، التي أدّيت دورًا أساسيًّا في تأسيسيها، إلى جانب الرفيق الحكيم الدكتور جورج حبش .

أبو علي مصطفى والحقائق الثلاث:

عشيّةَ توقيع اتّفاقيّات أوسلو، قال أبو علي مصطفى في خطابٍ له في مخيّم اليرموك في ذكرى النكبة ما يلي: منذ (45) عامًا كانت هناك حقائقُ ثلاث تتكرّس دومًا في مسار العمل الوطنيّ الفلسطينيّ، سواءً في تاريخ الثورة الفلسطينيّة المعاصرة أو ما قبله. هذهِ الحقائقُ الثلاثُ شدّد عليها في مرحلة أوسلو وما بعدها حتى لحظةِ استشهاده وهي:

أوّلًا: أنّه لا يمكن أن يكون تعايش مع العدوّ الصهيوني، ومشروعه الإمبرياليّ في أرض فلسطين، مهما كانت الصعوبات والظروف، التي ما تزال تحول دون التخلّص من هذا الكيان ومشروعه.

ثانيًا: إنّ التواصل الاستعماريّ منذ ما قبل 1948، وحتّى اليوم، ملخّصٌ في دور زعيمة الإمبرياليّة العالميّة، هذا التواصلُ مع المشروع الصهيوني، على ترابطٍ جدليٍّ لا فصل بينهما، ومن يريد أن يكون مناهضًا للمشروع الصهيونيّ، لا يستطيعُ إلا أن يكون مناهضًا للمشروع الإمبرياليّ، ومن يريد أن يكون عدوًّا للإمبرياليّة ومشاريعها في المنطقة عليه أن يكون صادقًا مع نفسه في عدائه للمشروع الصهيونيّ.

ثالثًا: إنّ الترابط بين الوطنيّ والقوميّ، وبين الخاصّ والعامّ ترابطٌ مصيريّ، فالخطرُ الذي يهدّد شعب فلسطين، هو خطرٌ يهدّدُ مستقبلَ الأمّة العربيّة، حاضرها ومستقبلها وجغرافيتها وثروتها، وكل ما يعنيها على صعيد التقدّم والحضارة، فلا فكاك بين الترابط بين الوطنيّ والقوميّ في معركة المصير.

هذهِ الحقائقُ الثلاثُ تظلُّ راهنة، ولا يمكن دحضها من قبل فريق أوسلو، فالقيادةُ المتنفّذة في المنظمة وأدواتها، سعت إلى دحض الحقيقة الأولى وإضعافها عبر إشاعة الوعي الزائف بثقافة السلام، حيث جاءت وقائع الحياة العنيدة وقانون المقاومة، لتكشفَ بؤس الرهان على خيار التسوية الأوسلوي ، الذي مكّن العدوّ من التمدّد في الضفة بما يزيد عن 400 مستوطنةٍ وبؤرةٍ استيطانيّة، ومن قطع شوطٍ طويلٍ في تهويد القدس على الصعيدين الديمغرافي والاستيطاني، وإقامة دولةٍ للمستوطنين يفوق عدد المقيمين فيها 850 ألف مستوطن، نصفهم في الضفّة والنصف الآخر في القدس.

أمّا الحقيقةُ الثانيةُ حول العلاقة العضويّة بين الإمبرياليّة والصهيونيّة فهما حقيقتانِ موضوعيّتانِ تؤكّدهما حقائق الواقع المعاش وحقائق الماضي، عندما شكلت الإمبريالية البريطانية حاضنةً لإقامة الكيان الصهيوني، لتليها الولايات المتحدة في احتضانها المشروعَ الصهيونيّ، اعتبارًا من مؤتمر بلتيمور الصهيوني عام 1942، الذي نقلت فيه العصابات الصهيونية تحالفها الرئيسي من الإمبريالية البريطانية إلى الإمبريالية الأمريكية.

أمّا الحقيقةُ الثالثةُ المناهضةُ للطرح الإقليمي للقيادة المتنفذة ولليمين الفلسطيني، فتؤكّدها حقيقةُ قضيّة فلسطين بأنّها قضيّةٌ عربيّة، وأنّ الشعب الفلسطيني جزءٌ لا يتجزّأ من الأمّة العربيّة، وأنّ المشروع الصهيوني لا يستهدف فلسطين فحسب، بل الوطن العربي بأكمله، وهذا ما أكّدته بوضوحٍ وثائقُ مؤتمر "كامبل بانرمان" عام 1907 بين مجموع الدول الاستعمارية.

وأبو علي مصطفى بتأكيده المبّكر على هذه الحقائق، عرّى مبكرًا طروحات فريق أوسلو الذي راهن على الإدارات الأمريكيّة، على النحو الذي راهن فيه السادات على أمريكا عندما وضع كلّ أوراقه في السلسة الأمريكيّة، فكانت النتيجةُ "كامب ديفيد" التي أدخلت مصر في دائرة التبعيّة للولايات المتّحدة، وأخرجت مصر من دائرة الصراع مع العدوّ الصهيونيّ، في حين كانت نتيجة رهان فريق أوسلو، أنّه وضع قضيّة فلسطين على مذبح التصفية، ومهّد الطريق أمام العديد من الدويلات العربيّة، للدخول في دائرة التطبيع والتتبيع للعدوّ الصهيوني، مبرّرةً تطبيعها وتذيلها للعدوّ الصهيوني بمقولة "لسنا ملكيين أكثر من الملك ولسنا بكاثوليك أكثر من البابا".

أبو علي والتناقض الرئيسي وأشكال النضال:

لقد أكّد أبو علي في لقاءاته وطروحاته كافةً على رفضه الحاسم والجازم لاتفاقيّات أوسلو وما تركته من آثارٍ سلبيّةٍ وخطيرةٍ على القضيّة وعلى الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة، كما أكّد على التناقض الرئيسي مع العدوّ الصهيوني، مشيرًا إلى أنّ طبيعةَ هذا التناقض حقيقةٌ موضوعيّةٌ لم تخترعها الجبهةُ الشعبيّةُ أو تعيد اكتشافها؛ لأنّ التناقض قائمٌ من طبيعة العدوّ نفسه، من ترسانته الحربيّة الهائلة التي يعزّزها باستمرار، ومن أطماعه في المنطقة التي لا يحاول إخفاءها، وأن هذا التناقض لا ينتهي إلا بتحرير فلسطين وإنهاء وجود الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين.

ورغم أنّ القائد أبو علي مصطفى كان من أبرز مفجّري الكفاح المسلّح بعد عام 1967 والمسؤول العسكري الأوّل للجبهة بعد انطلاقتها، وسهر على إقامة الخلايا الفدائيّة في الضفّة والقطاع والمناطق المحتلّة عام 1948، بعد نكسة حزيران 1967، وقام بقيادة عددٍ من العمليّات التي قام بها فدائيو الجبهة في أرض الوطن، إلا أنّه لم يتجاهل بقيّة أشكال النضال؛ مشيرًا إلى أنّ أشكال النضال متعدّدةٌ سواءً بشكلِها السياسيّ أو الجماهيريّ؛ لأنّ أصل المعركة سياسيٌّ، والعنفُ أساسًا ترجمةٌ سياسيّة، وأنّ شكل النضال الجماهيريّ ينطوي على الجانب الثقافي والأيديولوجي والاقتصادي؛ ومؤكّدًا على أن صراعنا مع العدو مفتوحٌ على كل أشكال النضال، ولا بدّ من إدامة حالة الاشتباك التاريخي مع العدوّ وتحدّي المعوّقات التي خلقتها أوسلو في طريق الثورة، وبكل الوسائل بالرصاص والحجر والمولوتوف كون صراعنا مع العدو تاريخيًّا ودائمًا.

أبو علي رجل الوحدة الوطنيّة واليسار الفلسطينيّ:

من يقرأ بإمعانٍ تجربة أبو علي مصطفى من خلال طروحاته في مؤتمرات الجبهة، ومن خلال عضويته الدائمة في المجلسين الوطنيّ والمركزيّ الفلسطيني، وعضويته في اللجنة التنفيذية في الفترة ما بين 1987 وحتى 1991م، يصل إلى حقيقة أنه كان من أبرز المتمسكين والداعين للوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة الالتزام بالثوابت الوطنية، ولم يهادن عندما كان يشعر بميلٍ انحرافي، من قبل طرفٍ فلسطينيٍّ عن الثوابت الوطنيّة، وكان يدير معاركه السياسيّة بشرفٍ واقتدار، في إطار التزامه بقانون الوحدة وآليات إدارة الاختلاف، وكان يرفض باستمرار اللجوء للعنف في حسم الخلافات بين الفصائل على امتداد مسيرته النضالية.

وحسب العديد من المحللين والمراقبين والرفاق الذين عايشوا تجربة أبو علي مصطفى على مدى أكثر من ثلاثة عقود، فإنّ أبو علي مزج بين البساطة وبين الصلابة المبدئيّة في الموقف، وعدم المهادنة في القضايا الاستراتيجيّة، وبين المرونة في النهج والتكتيك الذي لا يتناقض مع الاستراتيجيّة، ناهيك عن قدرته الهائلة في استيعاب الظروف المستجدة والتكيّف حيالها عبرَ صياغته في إطار الجبهة للبرامج السياسيّة اللازمة بشأنها.

يضافُ إلى ذلك ورغم تجربة الانشقاق المريرة، إلا أنّه وباعتراف الجميع كان من أبرز مؤسّسي اليسار الفلسطيني، وفي الذاكرة دوره في إقامة القيادة المشتركة بين الجبهتين الشعبيّة والديمقراطيّة بعد الحرب التي شنّها العدوُّ الصهيونيُّ على لبنان عامَ 1982، ودوره في إقامة التحالف الديمقراطيّ بين كلٍّ من الجبهة الشعبيّة والديمقراطيّة وجبهة التحرير الفلسطينيّة والحزب الشيوعي بعد أحداث طرابلس 1983 وذهاب عرفات إلى نظام كامب ديفيد في مصر وتوقيعه مع الرئيس مبارك إعلانًا "بنبذ الإرهاب".

كما يسجّلُ له دوره المركزيّ إلى جانب الحكيم "الدكتور جورج حبش" في التصدّي للانحراف السياسيّ بعد الدورة 17 للمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ عام 1984، وما نجم عنها من خلال تشكيل جبهة الإنقاذ الفلسطينيّ، التي ضمّت كلًّا من الجبهة الشعبيّة والجبهة الشعبيّة (القيادة العامة) وجبهة النضال الشعبي، وجبهة التحرير الفلسطينيّة (طلعت يعقوب) والصاعقة وفتح الانتفاضة، وكذلك دوره في تشكيل تحالف الفصائل العشرة بعد توقيع اتفاقيات أوسلو 1993 الخ.

أبو علي منحازٌ للطبقة العاملة وربط بين التحرّر الوطنيّ والاجتماعيّ:

أبو علي كان منحازًا للطبقة العاملة، ليس لأنّ الجبهة فصيلٌ طليعيٌّ من الطبقة العاملة وَفْقَ نظامها الداخلي وحسب، بل لأنّه جاء من صفوفها، حيث قرأ بإمعانٍ النظريّةَ الماركسيّةَ ال لينين يّة، وعمل على تطبيقها وتعريبها، وَفْقَ خصوصيّة حركة التحرّر الوطنيّ الفلسطينيّة والعربيّة، ومن هنا كنّا نلحظُ خصوصيّة طرحه للقضايا الوطنيّة والقوميّة والاجتماعيّة بأسلوبٍ مبسّط، بعيدًا عن الفذلكات النظريّة والمساجلات الشكليّة، التي تنطوي على مظهريّةٍ ومراهقةٍ سياسيّة؛ ما أكسبه احترام الرفاق في مختلف الحركات التقدميّة في الوطن العربيّ ودول العالم الثالث.

كما ربط أبو علي في طروحاته السياسيّة والفكريّة بين التحرّر الوطنيّ والاجتماعي، إدراكًا منه أن التحرّر الاجتماعيّ لا بدَّ أن يتحقّق في إطار صيرورة الثورة، وأن تحقّقه يشكّلُ شرطًا من شروط الانتصار على العدوّ، وفي إطار التحرّر الاجتماعيّ ركّز أبو علي على قضيّة الحريّات وعلى حريّة المرأة في نيل حقوقها كاملة، ومن ضمنها حقّها في النضال وتبوّأ مكانتها الطبيعيّة في القيادة، إذا ما توفّرت لديها المؤهّلات والكفاءة المطلوبة، ومن هنا كان للمرأة دورٌ رياديٌّ كفاحيٌّ، سواءً في العمل النضاليّ أو النقابيّ في صفوف الجبهة الشعبيّة، أو في إطار منظّمة التحرير الفلسطينيّة.

بقي أن نشير في إطار الحديث عن راهنية مواقف أبو علي مصطفى، أنّه كان مثالًا يحتذى به في الانضباط الحزبي في مواقعه التنظيميّة والعسكريّة كافةً، ملتزمًا أيّما التزام بمبدأي المركزيّة الديمقراطيّة والقيادة الجماعيّة، منذ أن كان مسؤولًا عسكريًّا للجبهة قبل عام 1972، ومنذ تولّيه موقع نائب الأمين العام للجبهة في المؤتمر الوطنيّ الثالث للجبهة الشعبيّة عام 1972، وصولًا لانتخابِهِ أمينًا عامًّا للجبهة في مؤتمرها الوطنيّ السادس عام 2000.

خلاصةً: في ضوء ما تقدّم، فإنّ تراث أبو علي مصطفى النضاليّ والنظريّ والسياسيّ ما يزال راهنًا في قراءته لطبيعة الصراع ولأطراف معسكر العدوّ، ولشرط البعد القومي في معركة التحرير والعودة، ولشرط الوحدة الوطنيّة في إطار الالتزام بالثوابت الوطنيّة الاستراتيجيّة، وفي التأكيد على إدامة الصّراع مع العدوّ بمختلف الأشكال والأساليب وفي مقدّمتها الكفاح المسلّح.