"دراسةٌ توثيقيّةٌ لتجربة العمل الفدائي في المنطقة الوسطى بقطاع غزة للفترة 1967-1973"
إعداد: رامي مراد
باحثٌ وناشطٌ في قضايا الشباب والتنمية/ فلسطين
يستهلّ الكتاب صفحاته بفقرةٍ للأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني ، غسان الذي يرى أنّ البندقيّة والقلم متلازمانِ في يد الثائر، لا ينفك عنهما إلا عندما يتراجع. غسّان الذي استشهد وهو يدافعُ بقوّة الثائر وإيمان الحالم المتمسك بحلم العودة والتحرير، فيقول: "ليست المقاومة المسلحة قشرة، هي ثمرة لزراعة ضاربة جذورها عميقا في الأرض، وإذا كان التحرير ينبع من فوهة البندقية، فإن البندقية ذاتها تنبع من إرادة التحرير، وإرادة التحرير ليست سوى الناتج الطبيعي والمنطقي والحتمي للمقاومة بمعناها الواسع: المقاومة على صعيد الرفض، وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف، ومثل هذا النوع من المقاومة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي والعمل الثقافي، ويشكل هذان العاملان المتلازمان اللذان يكمل أحدهما الآخر، الأرض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة وتحضنها وتضمن استمرار مسيرتها وتحيطها بالضمانات. ومن هنا فإن الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهمية قصوى ليست أبدا أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها، وبالتالي فإن رصدها واستقصاءها وكشف أعماقها تظل ضرورة لا غنى عنها لفهم الأرض التي ترتكز عليها بنادق الكفاح المسلح".
وفي المتن يشرح الكتاب سبب التسمية بسحب الجحيم، رغم أن الوجهة كانت أن يكون الكتاب يحمل اسم "صفحات من لحم ودم"، ولكن وخلال تجميع الشهادات والاستماع لأصحابها عثر الكاتبان على بينة تفيد أن الشهيد الرفيق محمد مصلح -أبو النصر- وهو الفدائي الذي التحق بحركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية وذراعها العسكري الذي تولى قيادته في قطاع غزة، واستشهد ممتشق بارودته ولم يتركها؛ كان قد أطلق اسم "سحب الجحيم" على العمليات التي كان ينفذها فدائيو الجبهة في تلك الفترة، وعليه أصبح اسم الكتاب "سحب الجحيم".
يتضمن كتاب سحب الجحيم مجموعة كبيرة ومتنوعة من الشهادات الحية لمن عاشوا تلك الفترة أو كانوا جزءا من تجربة العمل الفدائي في محافظة الوسطى بقطاع غزة، هذه التجربة ومن خلال الشهادات تعتبر إرثا من البطولة والكبرياء يستحق أصحابه وحتى المنتمين إلى جسم الجبهة أن يفخروا به كثيرا إلى حد القدس ية، لا سيما في ظل القناعة بحاجتنا المتزايدة لحجم الصدق والتضحية والبذل التي كانت تعتبر عنوانا يعبر من خلاله عن حالة ثورية حقيقية التحمت بها يد الثائر مع بندقيته وقلم المثقف المشتبك الذي انحاز بوعي لهموم ومصالح الفقراء والكادحين اللذين كانوا يشكلون عصب تلك المرحلة.
الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الأسير أحمد سعدات لم يكن بعيدا عن صفحات سحب الجحيم، فقد أثرى الكتاب بمقدمته التي اعتبر فيها أن غزة ولدت مقاومة منذ فجرها الأول، وكانت عصية على الاستعمار بكل ألوانه وتفاصيله، فحتى منذ العهد الفرعوني كانت غزة متمردة ورافضة.
غزة التي تمنى زعيما صهيونيا أن يبتلعها البحر من صلابة مقاوميها وعناد ساكنيها، وقد خاض أهلها وفدائييها مقاومة باسلة مع اللواء المصري الشهيد مصطفى حافظ، والذي كان له نصبا تذكاريا هدمه الاحتلال عقب هزيمة حزيران 1967، فقد خاض الشهيد مصطفى حافظ مجموعة من العمليات التي استنزف فيها الاحتلال الصهيوني وسانده مجموعة من الفدائيين من قطاع غزة، وكبد الاحتلال الكثير من الخسائر، إلى أن استطاع الاحتلال الصهيوني اغتياله في عام 1958.
وفي ثنايا تقديم القائد أحمد سعدات، تجد الفقرة الأكثر وضوحا في تظهير ثورية أيهل القطاع وصلابة فدائييه: "عدالة القضية لا تكفي وحدها لنسج خيوط هذه الملحمة، وإن كانت تشكل الجوهر والأساس، لكنها تصبح حين يمتلك المدافعون عنها الإرادة والتصميم والعزم والإبداع ويصهرونها في بناء أدواتهم الكفاحية قوة قادرة على صنع المعجزات، وهذا ما حدث، فشارون الذي أشرف ميدانيا على تنفيذ خطط ومعارك إجهاض المقاومة في غزة، وتبجح فيما بعد بإنجازاته، وقطع العهد بتخليد المستوطنات التي رعى بناءها وحمايتها، وتشدق بأن مستوطنة نيتساريم لا تقل أهمية عن تل أبيب، هذه الأيديولوجيا المفعمة بالعنصرية والاستعلاء والغطرسة، والمدعومة بالقوة العاتية، اضطر حاملها تحت ضربات المقاومة إلى التخلي عنها والإعلان عن الانسحاب من غزة، ومن طرف واحد، وتفكيك مستوطناته "المقدسة"، وترحيل مستوطنيها".
وفي استكمال مقدمة الكتاب التي أعدها الكاتبان يتحدثان بلغة تأخذك نحو الأمل وكأنك تمسكه، الأمل بتحرير فلسطين كل فلسطين، فقد أعاد فدائيو الجبهة في تلك الفترة أمل النصر بعد وقع الهزيمة، فبعد عدوان حزيران 1967 تشبعت الناس بالخيبة وتراجع الحلم الثوري، وأصبح العجز هو سمة المرحلة.. ومن ثم نهض الثوار من أزقة المخيم، كما نهضوا عقب النكبة والتهجير، فقد ثار أبطال المرحلة وامتشقوا سلاحهم مرة أخرى وسطروا أروع ملاحم العزة والعمل الفدائي الثوري حتى أعادوا إحياء الأمل ورسموا ملامح الحلم الذي تمسكوا به ورفعوا أعين أطفال المخيمات نحو أعالي جبال فلسطين، وكأنك تعود إلى الحياة مرة أخرى.
كتبوا وصاياهم بدمائهم، منذ تلك الحقبة وللشهيد لغة واحدة يفهما من يمسك ببارودته من أبو النصر وصولا إلى إبراهيم النابلسي، وهو الشهيد الذي قاوم حتى آخر رصاصة في نابلس عام 2022 وقال وهو ملتحم بمعركته وقوله الحق "بعرض شرفكم ما تسيبو البارودة"، هي كلمات ببساطتها تحمل معاني العزة والفخر لشعب قرر أن لا يتراجع عن حلمه بالعودة والتحرير.
اجتهد معدوا سحب الجحيم أن يوثقوا تجارب العمل الفدائي في تلك الحقبة التاريخية، دون أن يقدسوا الأشخاص ولم يأتوا على سيرتهم الذاتية إلا بالقدر الذي يتطلبه سرد الحكاية التي كانوا أبطالها.
في فصول الكتاب الثلاثة تكمن حكايات لا أول لها ولا آخر، تقرؤها وكأنك تمر بين صفحات رواية تاريخية تزخر بالبطولات وكأنها حلم يراود جيل اليوم في عتمة التغييب القصري عن الالتحام بمعركة التحرير في ضفة الثورة وقدس العروبة ولد وحيفا الأمل وغزة العنفوان.
في فصوله يتحدث معدوا الكتاب عن بيئة فقيرة وأزقة المخيم التي كانت دافعا وملهما للثورة، وعن تجربة العمل الفدائي لحركة القوميين العرب و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ومن ثم يذهب الكتاب ليظهر بعض تجارب العمل الفدائي وأيضا بعض العمليات العسكرية التي نفذها الفدائيين في الفترة التي يتحدث عنها الكتاب.
المخيم شاهد على الحكاية
عبر الكتاب بكل موضوعية عن حالة البؤس والشقاء التي عاشها وما يزال سكان المخيمات الفلسطينية في قطاع غزة، لا سيما في المنطقة الوسطى والتي تضم أربع مخيمات كبيرة. وكيف أن التوطين كان خيارا صهيونيا وقرارا دوليا يهدف إلى إزاحة الشاهد الحقيقي على غطرسة وعدم شرعية الاحتلال الغاصب الذي أقام دولته المزعومة على أنقاض شعب أصيل له جذور وتاريخ في هذه المنطقة. من أخطر ما جاء عليه الكتاب محاولة التوطين التي عمل عليها البريطانيون ودعموها الأمريكان والخاصة بتوطين اللاجئين من قطاع غزة في صحراء سيناء بعد أن يتم إحياؤها وزراعتها، هذا المشروع الذي كان يهدف إلى توطين أكثر من 12 ألف أسرة لاجئة من قطاع غزة، وتقرب تكلفته في حينها 30 مليون دولار، وكيف أن قوة وصلابة المقاومين وأهل غزة قد أفشلوا مشروعا بهذا الحجم وتتبناه هذه القوى، فيورد الكتاب نصا حول ذلك: "وقد اعتبر ذلك المشروع من أكثر مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين خطورة، لأنه تضمن تصورا شاملا لكيفية تنفيذه، ولعزم الحكومة المصرية ووكالة الأونروا على انجاحه، غير أن الأحداث التي اندلعت في قطاع غزة في مارس 1955، والتي تفجرت بعد شن غارة صهيونية على معسكر للجيش المصري في مدينة غزة، حيث شهدت مخيمات القطاع تعبئة جماهيرية وتظاهرات حاشدة ضد مشاريع التوطين عكست توق اللاجئين للعودة، ورفضهم حياة البؤس، واستعدادهم للتضحية والكفاح بشتى السبل وفي مقدمتها العمل الفدائي. وقد أدت الهبة إلى استجابة الرئيس جمال عبد الناصر للتنازل عن مشروع التوطين ووضعه جانبا، وساهمت في إبراز قضية اللاجئين بوصفها قضية سياسية ونضالية لا إنسانية فحسب، حيث كان للشيوعيين في قطاع غزة في تلك الفترة دورا رئيسيا في كشف مؤامرة التوطين وفضحها وتحريض الجماهير على التصدي لها، فهم اللذين هندسوا وفجروا انتفاضة مارس التاريخية، ضد مشروع إسكان وتوطين اللاجئين في شبه جزيرة سيناء وأسقطوه.
في مساء فبراير 1955، قامت وحدة القوات الصهيونية المتسللة بنسف محطة المياه ومهاجمة بيت مدير محطة سكة حديد غزة، وعند البوليس الحربي وسط القطاع، استطاعت وحدة أخرى المباغتة بالرشاشات والقنابل اليدوية والهاون، وانصرفت وحدة ثالثة إلى المرابطة على طريق النجدات بعد أن ثبتت الألغام فيها، وكانت الخسائر الإجمالية الناتجة عن الهجوم ككل 39 شهيدا و33 جريحا.
كان الهجوم يستهدف الضغط على الجماهير الفلسطينية للقبول بمشروع التوطين، وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فانفجر القطاع احتجاجا على المذبحة، خصوصا بعد معرفة الناس بأن المغيرين قد ساروا على أرجلهم مسافة ثلاثة كيلومترات، ذهابا وإيابا، وليس هناك من يردعهم.
وعلى أثر ذلك نظم الشيوعيون المظاهرات في كافة أرجاء قطاع غزة وحملت شعار لا للتوطين ولا إسكان، يا عملاء الأمريكان، كانت تهتف ضد مشروع التوطين وتطالب بإقامة جيش وطني فلسطيني لحماية الحدود، وإطلاق الحريات العامة للجماهير، وفي المنطقة الوسطى، في مخيمات النصيرات والبريج والمغازي ودير البلح اندلعت مظاهرات حاشدة، وكان الشيوعيين على رأس هذه المظاهرات، التي اتجهت إلى مقر الحاكم العسكري في دير البلح واستطاعوا بالقوة الإفراج عن الشباب الذين اعتقلوا بسبب مشاركتهم في المظاهرات، وسقط خلال المظاهرة الشهيد يوسف أديب طه الذي رفع العلم الفلسطيني على مقر الحاكم فأطلق عليه أحد أفراد الشرطة النار، وأرداه قتيلا.
وفي تظاهرة أخرى انطلقت في شارع عمر المختار في مدينة غزة قادها الرفيق معين بسيسو، سقط شهيد آخر، وهو الرفيق حسني بلال، ويقول معين بسيسو واصفا ذلك المشهد: ظهرت البنادق في أيدي المباحث والمخابرات، البنادق التي كانت مريضة عام 1948 ضد الصهاينة، ولم تظهر حينما أغار الصهاينة على مخيم البريج عام 1953، ولا حينما أغاروا على محطة السكة الحديد في غزة عام 1955، لقد ظهرت الآن لتعترض طريق تظاهرة من الطلاب والمدرسين والفلاحين والعمال.
حاولت الإدارة المصرية إجهاض التحرك الجماهيري عبر مختلف الأساليب، وتصدت للمظاهرات بالقوة وأطلقت الرصاص على المتظاهرين، إلا أن التظاهرات تصاعدت أكثر فأكثر، وحملت شعارات معادية للصهيونية والتوطين، على اعتبار أن العدوان والتوطين وجهان لعملة واحدة، ونددت التظاهرات بتقاعس الإدارة المصرية عن حماية أهل قطاع غزة، واستمر طوفان المظاهرات في القطاع ولم تهدأ الجماهير الغضبة إلا بعد أن حضر جمال عبد الناصر إلى غزة سرا في 12 مارس 1955، حيث ألقى كلمة في مدرسة الزهراء أكد فيها بأنه لن يسكت على العدوان الصهيوني، كما تم الإعلان عن سقوط مشروع التوطين وقبره إلى الأبد".
هذه التجربة التي تحدث عنها الكتاب بالتفاصيل تعكس مدى صلابة وقوة العمل الفدائي والجماهير المساندة له وما لهذه المساندة من أهمية، وهذا يؤكد على أن نخبوية العمل المقاوم المعزولة عن التفاف الجماهير الشعبية، سيحكم عليها بالفشل وستخضع آجلا أم عاجلا لابتزاز المصالح ونفوذ السلطة، لهذا فليس صحيحا أن قرارات السلم والحرب وتكتيكات المقاومة، يجب أن تكون معزولة عن الجماهير التي تحمل المقاومة على أكتافها وتسير بها نحو النصر، فالجماهير كما اتضح أعلاه هي التي أفشلت مخططات التوطين. صحيح أن من قاد التظاهرات ورفع الشعارات وخطها هم النخب الثورية والسياسية، لكنها دون جدوى إن لم يكن التفاف الجماهير حولها يعبر عن ثقته بها ويحميها ويدافع عنها.
ردا على الهزيمة
بعد هزيمة حزيران عاد البؤس ليحكم المشهد وانسحب الأمل من بيوت الغزيين وأزقة المخيمات لتحل مشاعر الإحباط.
... استمر البؤس إلى حين، حين قرر الثائرون أن يعيدوا التحامهم ببندقيتهم وان يحولوا مشاعر البؤس إلى غضب يتفجر بين أزقة المخيمات ويصل إلى العدو الصهيوني فيمزقه. فعقب الهزيمة ووفقا لكتاب سحب الجحيم، سادت تناقضات تناولها الكاتبان بشيء من الجمال في التعبير: "النصر المتوقع تحول إلى هزيمة مريرة، وكابوس مرعب يخيم على نفوس وعقول عشرات الآلاف من اللاجئين الذين انكسرت فيهم أحلام العودة إلى ديارهم التي هجروا منها بعد النكبة، دفع ذلك الآلاف منهم لمغادرة قطاع غزة والنزوح إلى الخارج، في حين انحاز آخرون لخيار المواجهة وحمل السلاح، وانخرط العديد من الشباب فيما بعد في صفوف المقاومة، ضمن الخلايا التابعة لحركة القوميين العرب بتشكيلاتها المتعددة، والتي انبثقت عنها في وقت لاحق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. بدأت خلاياها تعمل على إعادة ترتيب صفوفها وضم عناصر جديدة وجمع أكبر كمية من السلاح، وبعد أشهر من الهزيمة تمكنت من بناء جهازها العسكري طلائع المقاومة الشعبية، مستفيدة من الإمكانيات التسليحية والكفاءات العسكرية المتوفرة بفعل تواجد جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل الهزيمة، والذي وفر إمكانيات للبدء بتنفيذ عمليات مسلحة ضد قوات الاحتلال الصهيوني، وإيقاع خسائر كبيرة في صفوفه، دون أن يقابلها خسائر في صفوف الفدائيين خلال تنفيذهم لمهامهم القتالية. نفذت عدة عمليات عسكرية متفرقة على شكل حرب شوارع استهدفت دوريات الاحتلال، استمرت حتى منتصف السبعينات، حيث اعتقل الاحتلال أعدادا كبيرة من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وسقط العديد منهم شهداء.
ومع بداية عام 1968، شكلت قيادة الجبهة الشعبية لجانا خاصة لإدارة العمليات العسكرية في الأراضي المحتلة، وألحقت مسئولية هذه اللجان للقيادة العسكرية، واعتمدت في تشكيلها تقسيما جغرافيا للمسئوليات التنظيمية والعسكرية، إذ لا ينبغي الانتظار دوما حتى تجتمع كافة الظروف للقيام بالثورة، ويمكن للبؤرة الثورية والطليعة المقاتلة أن تفجر هذه الظروف الثورية، وكانت ضربات الفدائيين وعملياتهم تقوم على نصب الكمائن لآليات ودوريات العدو، وزرع الألغام والعبوات الناسفة، وإلقاء القنابل على حشوداته وآلياته، والاشتباك المباشر مع قواته، واستهدفت هذه الهجمات بشكل رئيسي قوات جنود العدو وضباط وموظفي الحكم العسكري، وضرب خط السكة الحديد، وشبكات الكهرباء والمياه، معتمدين على عنصر المفاجأة الذي لعب دورا حاسما وفعالا في إنجاح العمل العسكري، وفي مضاعفة حجم الخسائر في صفوف العدو إلى أقصى درجة ممكنة.
وسرعان ما التحق في صفوف طلائع قوات المقاومة الشعبية المئات من خيرة أبناء شعبنا من العمال والفلاحين والمهنيين والطلاب والمدرسين الذين حملوا السلاح معلنين عن انطلاقة شرارة العمل الفدائي المسلح، ومن تحت ركام الهزيمة ومن وقع الفقر والمعاناة انتفضت جماهير شعبنا الباسلة في كافة المخيمات والقرى والمدن، معلنة عن بداية جديدة، احتضنت فيها جماهير شعبنا البندقية المقاتلة وفتحت للفدائيين قلوبها وبيوتها ووفرت لهم أماكن للاختباء فيها عند محاصرتهم ومطاردتهم من قبل الجيش، وشكلت درعا وحاميا واقيا واعيا وساهرا على حمايتهم وسلامتهم، وتحملت بكبرياء وصمود أسطوري عمليات البطش والتنكيل التي ما انفكت تزداد ضراوة مع ازدياد حدة وشدة المقاومة والعمليات الفدائية.
شعر العدو الصهيوني بأن خطرا حقيقيا بات يهدد وجوده، وأن عناصر وكوادر ومقاتلي حركة القوميين العرب، قد عملوا على إعادة تنظيم قواهم في خلايا مسلحة منظمة، الأمر الذي دفعهم للقيام بحملة اعتقالات واسعة لأعضاء الحركة في يناير 1968، وخاصة أن غالبية أسماء أعضاء الحركة ونشاطاتهم كانت موجودة في كشوف الاستخبارات المصرية، والتي وقعت في أيدي قوات الاحتلال الصهيوني لدى سيطرته على المراكز والمؤسسات الحكومية في القطاع، وقد طالت هذه الاعتقالات عددا كبيرا من أعضاء طلائع المقاومة الشعبية، إضافة لكشوف أخرى ضبطت لدى المسئول العسكري لطلائع المقاومة، مما اضطر عدد آخر من الفدائيين للمطاردة، واللذين مثلوا في ذلك الوقت النواة العسكرية الأولى للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عند تشكيلها امتدادا لحركة القوميين العرب.
تعرضت مجموعات طلائع المقاومة الشعبية التابعة لحركة القوميين العرب في قطاع غزة لضربات عنيفة في الأشهر الأولى من عملها، إلا أنها استطاعت خلال أقل من ثلاثة شهور ترتيب أوضاعها ومواصلة عملياتها الكفاحية المسلحة ضد العدو الصهيوني، ومع انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ديسمبر 1967، تصاعدت العمليات العسكرية وتحول القطاع معها لجحيم لا يطاق لجنود الاحتلال، لا تجدي معه كل وسائل البطش ومخططات التصفية التي كانت تجد في كل مرة الرد المناسب على يد ثوارنا البواسل".
ولم يدخر الاحتلال جهدا في ضرب المقاومة وبنيتها وقيادتها وصولا إلى أغسطس 1972، حيث أعلن الاحتلال عن انتهاء عملياته ضد المقاومة في قطاع غزة وتصفية قيادتها، وهنا عادت مرة أخرى قوة المقاومة بالعودة ونشطت خلايا الجبهة ومقاتليها وكان يقودها الرفيق محمد الأسود -جيفارا غزة- وواصلت عمليات المقاومة من جديد برغم كل الضربات المتواصلة للقضاء على الثورة، وفي كل مرة كان يعلن فيها العدو أنه قضى على الثورة في القطاع، كان الرد على هذه الادعاءات عبر فوهة البندقية.
تعاظمت حملات الاستهداف للثوار والفدائيين، وصار واضحا للعيان الفرق الشاسع بين الإمكانيات التي يمتلكها العدو ويسخرها لقواته وأعداد جنوده الكبيرة للقضاء على ظاهرة الفدائيين، والتي تزامنت -كما اليوم- مع صمت الأنظمة العربية وتخاذلها، وبين ما يتوفر للفدائي من إمكانيات محدودة وهامش بسيط للحركة والتخفي، مع تفاديه لأي ضرر أو أذى يمكن أن يلحق بالأهالي الذين انهكتهم إجراءات العقاب الجماعي، والحملات المسعورة من نسف للبيوت والاعتقال والتهجير.
خلال أكثر من خمس سنوات من النضال الشاق والمتواصل، استطاع تنظيم الجبهة الشعبية في قطاع غزة أن يراكم على تجربته الخاصة، وأن يفشل كافة مخططات العدو السياسية والعسكرية، والتي كانت تستهدف تدجين القطاع واستيعابه كجزء من الكيان الصهيوني بعد القضاء على قواه الثورية، وقد تمثل هذا بالقيام بعدة حملات تصفوية مستمرة نجحت في ضرب الصف القيادي الأول للجبهة الشعبية في القطاع أكثر من ثماني مرات، واستطاع التنظيم تجاوز هذه الضربات وفرز قيادة جديدة في كل مرة كانت تستهدف قيادته، وكانت قيادته الجديدة تثبت كفاءتها وجدارتها بفعلها الثوري ومزيد من قوة ضربها للعدو. وهنا لا بد من الإشارة إلى الشرعية الواسعة والجماهيرية الكبيرة التي حظي بها الرفيق الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات بعد انتخابه عقب استشهاد الرفيق الأمين العام للجبهة أبو علي مصطفى ، هذه الجماهيرية التي لم تكن لولا طموحه الثوري وعنفوانه بقرار اغتيال الوزير الصهيوني المتطرف في عمليه جريئة ونوعية نفذها مقاتلو كتائب الشهيد أبو علي مصطفى كرد على استشهاد الأمين العام.
وعودة لسحب الجحيم، ففي 9 مارس 1973 استشهد الرفيق محمد الأسود -جيفارا غزة- القائد العسكري لقوات الجبهة الشعبية في القطاع مع رفيقيه كامل العمصي وعبد الهادي الحايك في مواجهة ضارية مع العدو الصهيوني بعد اكتشاف مخبئه الذي كانوا يتحصنون فيه، في منزل الدكتور المناضل رشاد مسمار، وباستشهادهم تراجع العمل الفدائي بشكل كبير، إلى أن أسدل الستار على مرحلة مشرفة ومضيئة من محطات النضال لشعبنا الفلسطيني الذي لم يتوقف يوما من بذل الدم شلالا على طريق الحرية، ولم تكن النهاية رغم قوة وقسوة الضربة، إلا أنها عادت مرة أخرى الجبهة بمقاتليها لتلقن العدو دروسا في العمل العسكري، وهو ما يحسب لها بكونها قادرة دوما أن تنهض من تحت الركام لتصبح أكثر عنفوانا وقوة وبسالة، فاليوم تُستَهدَف بنى الجبهة الشعبية في الضفة الغربية على مستوياتها المختلفة من أذرعها الجماهيرية إلى قواتها العسكرية، وذلك لأن الاحتلال يعرف جيدا ما تعنيه الجبهة بنظريتها الثورية وقوة وصلابة مقاتليها وأعضائها وتمسك قادتها بحلمهم الثوري الذي لن يتنازلوا عنه مهما كلف طريق التحرير من ثمن.
__________
* خليل خليل وقاسم بركات: "دراسة توثيقية لتجربة العمل الفدائي في المنطقة الوسطى بقطاع غزة للفترة 1967-1973"، الطبعة الأولى، فلسطين، أبريل 2021.

