طالت الحرب الروسية الأوكرانية بأكثر مما قدر لها، يمكننا أن نرى صورة اليوم بأن هناك مقاومة أوكرانية مستمرة وقادرة على البقاء، لكنها عاجزة عن إيقاف التقدم الروسي أو إيقاع الهزيمة به، في المقلب الآخر فإن روسيا وإن لم تحسم الحرب حتى الآن بنصر عسكري مؤزر، إلا أنها قد حصدت فوائد جمّة سواء بالاقتصاد والذخر المالي، أو حتى في مجاليّ السياسة والاستراتيجيا، مما أعاد لها دورها كمتحدية لنظام القطب الأحادي الأمريكي، والأجرام الدائرة في فلكه، خصوصاً من يطلقون على تجمعهم اسم مجموعة السبع.
تدخل الحرب شتاؤها الأول حيث يزداد استهلاك النفط والغاز، وبالطبع يزداد الطلب، فترتفع الأسعار، وذلك بسبب قسوة الشتاء الأوروبي، مضافاً إليه احتياجات أوروبا بلاد الرفاهية والصناعة للطاقة في التدفئة والإضاءة والمواصلات، فالغاز تحديداً، هو شريان الحياة الاقتصادية الأوروبية، أما من ناحية روسيا فهو مصدر دخلٍ إضافي لها، والشتاء هو ما سبق أن أطلق عليه الروس اسم «الجنرال ثلج» عندما غزاهم نابليون بستمائة ألف جندي، قتل «الجنرال ثلج» نصف مليون منهم، كذلك عندما احتلت ألمانيا النازية غرب روسيا أثناء الحرب العالمية الثانية؛ كان لـ «لجنرال ثلج» دوراً حاسماً في حروب روسيا لا يقل في أهميته عن دور أكفأ الجنرالات في الميدان.
الحرب الروسية الأوكرانية في جوهرها هي حرب روسيا مع مجموعة السبع هذه، وما أوكرانيا إلا ساحتها، وما الأوكراني إلا وقودها، تُزودهم واشنطن وحلفاؤها بأسلحة فتاكة وأجهزة اتصال ذكية، وبأموال لتستمر في حربها بهدف استنزاف الروس في محاولة لاستنساخ التجربة الأفغانية التي تورطت بوحلها روسيا السوفيتية وذاقت من جرائها الويلات، لكن، لا روسيا الفتية اليوم هي روسيا تلك (الاتحاد السوفيتي)، ولا أوكرانيا وشعبها كأفغانستان والأفغان، والنتيجة أن المقاومة الأوكرانية موجودة وأنتجت أمراء حربها سريعاً، تُراوح مكانها ولا تُحقق نتائج مهمة، فيما يقال أن أمراءها يحوّلون معظم ما يكسبون من أموال لبنوك في الخارج ولحساباتهم الشخصية، لا بل إنّ بعضهم (حسب مصادر غربية) أخذ ببيع بعض ما يأتيه من سلاحٍ في سوق السلاح السوداء، ولمن يدفع الثمن.
بالمقابل استطاعت روسيا تمويل حربها الطويلة من سعر الغاز والنفط المرتفعين، فكان لا بد للولايات المتحدة ومجموعة السبع من عقد قمتهما الجمعة الماضية لتضعا خطط إضعاف روسيا اقتصادياً من خلال الاتفاق على حدٍ أعلى لسعر النفط، ودعوة دول أخرى للانضمام إلى هذا الاتفاق، بدا واضحاً أن ذلك هو أحد أمضى الأسلحة الغربية في الحرب على روسيا، وحسب نص البيان الختامي للقمة «نسعى لخفض قدرة روسيا على تمويل حربها العدوانية على أوكرانيا، وعلى الحد من خطرها على العالم»، فيما قالت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يليين: «إننا نمارس الضغط التنازلي لخفض أسعار النفط عالمياً ولحرمان بوتين من هذه العائدات الضخمة».
ومن المتعارف عليه أن أي قرارٍ لمجموعه السبع أو غيرها، يبقى حبراً على ورق ما لم يجد آليات تنفيذ وأدوات فعل، فتلك المجموعة تحتاج بدايةً إلى إجماع دولي وازن، يشمل الهند والصين وتراهن المجموعة أن الدولتين وإن كانتا تميلان لموسكو إلا أن خفض أسعار النفط يعود بالربح الوفير عليهما، وتفترض المجموعة أن الصين تحديداً ستكون مترددة، وبالطبع راغبة في خفض سعر البترول.
كما يحتاج تنفيذ القرار أيضاً الى موافقة ومشاركة الدول المنتجة للنفط، وخاصةً دول عرب البترودولار، التي ستخسر كثيراً، ولا تبدو إدارة بايدن الضعيفة قادرة على إرغامهم، أما إيران فمصالحها واضحة وجلّية في الوقوف حيث لا تقف المجموعة سواء بخصوص سعر البترول أو بما يتعلق بالاتفاق النووي.
كان الرد الأول والأسرع من موسكو، إذّ أعلنت عن توقف خط نورد ستريم 1 عن العمل لعطلٍ (انتقامي) في توربينات الضخ، وذلك لوقتٍ غير محدد، وأن إصلاحه يحتاج إلى قطع غيار معقدة من شركة «سيمنز» الألمانية الملتزمة بمقاطعة روسيا...، أما الرد الثاني السريع، فقد جاء على شكل مكالمة هاتفية بين بوتين وأردوغان، حيث ناقشا أوضاع الحرب في أوكرانيا وتوريدات القمح للعالم عبر الأتراك، وبحثا أيضاً توقيع معاهدات جديدة للاستثمار في حقول الطاقة بين بلديهما.
مجلة الإيكونوميست أطلقت على الأزمة اسم (كارثة الطاقة)، فقد ارتفع سعر الغاز خلال عام بنسبة 619%، وهوامش هذا الارتفاع النقدية خرجت من خزائن أوروبا لتستقر في الخزانة الروسية.
اليوم تدعي أوروبا أنها قادرة على الصمود أمام وقف العمل بخط نورد ستريم1، لأن خزانات نفطها وغازها مليئة بنسبة 80%، مما يجعلها قادرة على تخطي الشتاء بأمان، ولكن يشكك خبراء الطاقة والإيكونوميست بمصداقية هذه المعلومات، وتنشر جهات رسمية معلومات مخالفة، منها ما نشرته المؤسسة البريطانية للطاقة -وهي مؤسسة حكومية- إذّ أعلنت أن عدد الأُسر التي ستدخل في فقر الطاقة هذا الشتاء سيصل الى 8.5 مليون أسرة في بريطانيا وحدها.
التحرر الأوروبي من قبضة روسيا ونفطها وغازها يحتاج وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً الى سنة من الآن، وهذا يعني شتاءً آخر وعاماً طويلاً، وهي فترة قادرة على شحن الخزائن الروسية بما تحتاج إليه لتمويل الحرب، هذا كما يُشكك خبراء الغرب بقدرة مجموعة السبع على تحقيق هدفهم، وهم بدأوا بالضغط على شركات التأمين العالمية لإجبارها على عدم إصدار بوالص تأمين لناقلات البترول إلا إن كانت الدولة المصدرة ملتزمة بسقف الأسعار الذي تحدده مجموعة السبع، وهذا الأمر إن حصل، فقد يحد من أرباح روسيا نسبياً، ولكنه لن يكون له تأثيرٌ على قدرتها في تمويل حربها، وخروج النفط الروسي من السوق ولو جزئياً سيؤدي الى ارتفاعٍ جنوني في سعر البترول، الأمر الذي تُدركه الصين والهند جيداً، والذي سيجعل من الاسم الذي أطلقته الإيكونوميست على هذه الأزمة مطابقاً للحقيقة.
في الموروث الشعبي والديني إن رجلاً صالحاً من مدينة اللد الفلسطينية اسمه الخضر أو جورج، كان قد صارع أفعى لها سبعة رؤوس وانتصر عليها، فهل من خضر أو جورج يُصارع مجموعة السبع هذه؟

