ذلك الإنسان الكريم، والفلسطيني النموذجي انتهى كما أراد، ولم يصل إلى ما أراد أن يصل إليه، إلا لأنه كان إنسانًا حقيقيًا، قبل أن يكون فلسطينيًا يحفظ، عن ظهر قلب، مفردات الشرف والكرم والعدالة، ويحول المفردات كلها إلى مقاومة وطنية، تبدأ بفلسطين، وتنتهي إلى أحلام أخرى، وهو في كل هذا مطمئن إلى خياره، وراضٍ باختياره، ينتمي إلى التاريخ الكفاحي الفلسطيني، وينتمي أكثر إلى وجوهه الأكثر إشراقًا، التي احتضنت عز الدين القسام و غسان كنفاني وأبو جهاد وفتحي الشقاقي وآخرين سبقوه، وآخرين يتابعون الطريق.
في حياة "أبو علي" مصطفى كل ما يعبر عن إنسان – مشروع، ويعبر أكثر عن مقاتل نموذجي؛ يؤسس المشروع، ويكون في طليعته حتى النهاية فهو الإنسان – المشروع، الذي بدأ حياته مناضلًا، وحمل مشروعه، وهو ينتقل من مكان آخر؛ متمسكًا بما اعتقد به، ومطوراً ما يقاتل من أجله وهو الإنسان الذي أدرك مبكرًا، أن العمل الوطني الفلسطيني يكون جماعيًا، أو لا يكون، ويكون جماعيًا ومنظمًا وواعيًا، أو لا يكون، وهو ما حمله على الانضمام إلى حركة القوميين العرب، وجاء به لاحقًا إلى قيادة الجبهة الشعبية.
لم يكن في الراحل "أبو علي" إلا تلك الروح المتقدة، التي حملها هدف كبير وحملت هدفًا كبيرًا، واعتنقت الهدف وأصبحت منه، وأصبح منها، إلى أن حققت نصرًا أو جزءًا من النصر، بل إن "أبو علي" لم يكن باحثًا عن النصر فقط، بقدر ما كان أستاذًا نجيبًا؛ مأخوذًا بالعدل والعدالة، ومؤمنًا بأن الإنسان السوي يقاتل بشكل سوي، كي يبرهن عن إنسانيته العميقة وحقه الإنساني في وجود كريم، ودورة الإيمان الذي لا ينطفئ حمله من فلسطين إلى الأردن، فلبنان فسوريا، إلى أن عاد حيث بدأ، وقد غير الكفاح الفلسطيني العظيم شكل البداية والنهاية معًا.
"أبو علي" مصطفى درس نموذجي عن الإنسان الصادق الذي تصوغه الإرادة؛ اتكأ على إرادته، وهو يتعلم أبجدية السياسة، واتركن إلى الإرادة وهو ينتقل من سؤال ثقافي إلى آخر، واعتمد الإرادة وهو يترجم مبادئ السياسة والثقافة إلى فعل جماعي تحرري، والشيء الوحيد الذي لم يتعلمه "أبو علي" مصطفى هو حب الوطن، لأنه ولد وطنيًا ونما فلسطينيًا وترعرع وطنيًا فلسطينيًا، إلى أن أصبح قدره هو قدر فلسطين، وغدت الأقدار الفلسطينية، وفيها الحزن والفرح والانتصار والانكسار، مرآة لما شاءه صبيًا وشابًا وكهلًا، إلى أن دثره تراب فلسطين شهيدًا.
"أبو علي" مصطفى، هو المقاتل النموذجي الذي جاء من الشعب البسيط، ورجع إلى ما جاء منه؛ مبرهنًا أن الإنسان لا يتعرف بالبيئة الاجتماعية، ولا باللقب الكبير ولا بالمناصب، عالية كانت أو خفيضة، إنما يتعرف، أولاً وأخيراً، بتلك النار المقدسة التي تلازمه، والتي تدعى بـ:إرادة التمرد، وهذه الإرادة، التي ما خَبَت في "أبو علي" يومًا، هي التي جعلته شابًا في التفكير والمحاكمة، وجعلت روحه شابة متوثبة، رغم صقيع المنفى والحصار المتجدد، ولهذا كان قائدًا يحترمه الجميع ويحترم الجميع؛ يعطي جوابًا هادئًا في الأزمة المضطربة، ويقدم أحكامًا صائبة حين تميد الأرض بالفلسطيني، وحين يعتدل زمنه أيضًا.
كان قائدًا لم يفرضه أحد، ولم يفرض على أحد أن يعينه قائدًا، وما يدفع الآخرين إلى التعامل معه كقائد جدير بالاحترام. وإذا كان الزمن، فلسطينيًا كان أم عربيًا، قد أنتج بشرًا يرون القيادة في الطقوس والمرافقين والنبرة المتعجرفة والتعالي وتكاثر الألقاب الفارغة، فقد أراد "أبو علي" أن يكون ذلك المختلف، أي ذاك الذي يعيد إلى الكلمات معناها ودلالاتها؛ إذ القيادة سلوك وقدرة وشجاعة وبساطة، أراد "أبو علي" أن يكون ذلك المعلم النجيب الذي يبقى تلميذًا، وذلك القائد الذي يظل جندياً، وذلك التلميذ الأبدي البهي، الذي يستطيع أن يكون أستاذًا وقائدًا أو معلمًا، دون أن ينغلق، ودون أن يعتقد أن القيادة تطرد الحياة خارجًا.
سأل مرة أحد المثقفين: هل هناك من فرق حقيقي بين البطولة والشجاعة كما تقول؟ كان السؤال واضحًا والإجابة قائمة فيه، كأن القائد الشهيد كان يقول: يمضي الإنسان في دربه مؤمنًا دون أن يطرح أسئلة كثيرة تمس ذاته والصفة التي تحتاجها واللقب الجدير بها، لأن الوطن هو الموقع الوحيد الجدير بكل الأسئلة. وهذه الإيمانية العالية كانت تأخذ بيده وهو يقرأ مجلة الهدف ويكتب فيها، وحين يحاور من يكتب ومن يقرأ أيضًا، وحين يجيب على أسئلة كثيرة لناس بسطاء، ويعطي إجابات بسيطة لا تنقصها الحكمة أبدًا، إنه القائد الذي لا يبدو في مظهره الخارجي قائدًا، هكذا كان يقول البعض، وهذا ما أراده أبو علي تمامًا. مع ذلك، فإن هذا القائد الذي لا يبدو قائدًا كان قائدًا للجميع، لا لشيء إلا لأنه قائد مختلف، يفعل ما يقول به، ويقول ما سوف يفعله لاحقًا، ويقول ما يفهمه الناس، ويفعل ما يراه صوابًا، كان غوركي يقول عن تروتسكي: "كان معنا ولم يكن منا". وسواء كان قَوُل الأديب الروسي، الذي ينتمي إلى زمن مضى؛ صحيحًا أو شحيح الصحة، فإنه لا ينطبق على "أبو علي" مصطفى، لأن "أبو علي" كان نقيض ذلك تمامًا: كان "أبو علي" مع الناس ومنهم، ومع المناضلين ومنهم، ومع المثقفين ومنهم، وكان له صوته النبيل المتميز والمختلف، الذي يكون مع الناس ويقودهم، ومع المناضلين ويعلّمهم، ومع المثقفين ويحاورهم.
ذلك الصامت المهذب البشوش؛ القليل الابتسام؛ الهادئ في المنطق، والمتأنّي في النبرة، والواثق مما يقول؛ كان مرجعًا لكل من ارتبكت أموره، أو ارتبكت عليه الأمور: "إذا في إمكانية للقاء "أبو علي" حتى نرى إلى أين وصلت الأمور"؛ كانت تلك الجملة شائعة أو شبه شائعة، بين المثقفين، في دمشق، الذين يتابعون الشأن الوطني الفلسطيني، وكان القائد، الذي لا يبدو قائدًا؛ ينصت بانتباه، ويستمع ويطرح بعض الأسئلة، قبل أن يعطي إجابات توافق شخصيته، أي إجابات مصاغة بلغة واضحة وبسيطة وشفافة تحمل معرفة دقيقة وصحيحة، وموقفًا واضحًا لا لبس فيه.
كان "أبو علي" مصطفى مع الناس ومنهم، الإنسان الذي صقلته التجربة، والفلسطيني الذي أعاد خلق ذاته من جديد، والمناضل الذي جعل من النضال نهجًا في الحياة. لم يكن النضال عند هذا الفلسطيني العظيم وظيفة ولا مرتبة ولا لقبًا ولا مراسيمًا وطقوسًا، بل كان، أولًا وأخيرًا؛ نهجًا في الحياة، ينعكس في السلوك والممارسة والكلام واللباس، وفي ذلك الحزن العميق الذي ينبثق من العينين تارة، وينسحب من جديد. ولعل نهج النضال هو ما جعل هذا البسيط اللامع يقرأ أو يتعلم ويحاور المعرفة والكتب؛ كان يقرأ ويعيد القراءة، كي يتعرف على الأرض التي يمشي عليها، وكي يميز العدو من الصديق، والوهم من الحقيقة والحلم من الإمكانية، والقول من الفعل، والظاهر من الجوهر. وكان يحاور ما تعلم، لأنه كان يتجدد، ويستأنف التجدد في تجربته الكفاحية؛ تلك المفتوحة على ماضٍ واسع، وحاضر بالغ التعقيد، ومستقبل يساوي الكفاح الذي بذل من أجله.
الإنسان هو ما فعلت به حياته، وما فعل بحياته، أيضًا. وما فعلته الحياة بـ"أبو علي" كثير، وقليل المسرّة، ومرهق ومتعب وكثير الأشواك، منذ أن احتل الصهاينة فلسطين؛ فُرض عليه المنفى؛ دورة شاقة من الكفاح والحصار والمقاومة. وما فعله "أبو علي" بحياته كان عظيمًا منذ أن حَمَلَ صغيرًا أحلامًا كبيرة، وظل محتفظًا بالأحلام الكبيرة حتى غادر الشباب، وغادر الكهولة، وغادر المنفى، وعاد إلى فلسطين.
"بعد عشر سنوات لن يسمع أحد بهذه المخلوقات البائسة"، هذا ما قاله موسى شاريت في عام 1948، و"أبو علي" مع غيره، كان يرد على هذا التنبؤ البائس، لأن اللاجئ الفلسطيني، الذي شاءه الاحتلال الصهيوني أبديًا؛ ما لبث أن انكسر وتشظى وانهدم وانحطم؛ حين عاد "أبو علي" إلى أرضه، عاد واستشهد، واستشهد لأنه عاد، أو عاد ليستشهد.. تستوي كل الكلمات، وتتساوى، لأن هذا الفلسطيني المبدع لم يَكُن مأخوذًا بمفردات الربح والخسارة، ولا حتى بمفردات الهزيمة والانتصار، بل بتلك الإيمانية التي تقاتل من أجل ما ترى فيه حقًا وحقيقةً وغايةً وهدفًا وصوابًا.
كل إنسان يساوي ما أنجز في حياته، والإنجاز الفلسطيني الأكبر، و"أبو علي" صورة له، والنجاح الفلسطيني الأعظم، وفتحي الشقاقي مرآة له، هو تلك الدورة الهائلة التي حققها الفلسطيني المغبون؛ المتآمر عليه والمحاصر بلغات وأسلحة كثيرة، والمطارد في المكان والزمان، واللا مرغوب به في أقاليم كثيرة.. تلك الدورة التي تجعل اللاجئ قائدًا نموذجًا، والمطارد محاربًا ممتازًا أو اللامرغوب به يُعلّم الذي لا يرغبون به؛ دروسًا في الكرامة واحترام الذات والوطنية؛ بعيدًا عن نفوس خائرة وخائفة وذليلة ومهزومة قبل هزيمتها..
"أبو علي" مصطفى هو الفلسطيني الذي عبر الصحراء، ولم يخدعه الخزّان، ودليل الطريق الكاذب، و"أبو علي" مصطفى هو الفلسطيني الذي يرى الفلسطينيون كرامتهم فيه، وهو الدليل الصادق الذي يبرهن أن الفلسطينيين شعب عصي على الإبادة والتركيع، ولذلك يظل الراحل مُعلّمًا في حياته، ومُعلّمًا بعد رحيله؛ كان مُعلّمًا وهو يُجسّد جمالية التمرد وجمال الغضب الوطني، وظل مُعلّمًا حين برهن أن القائد الفلسطيني وهو في مكان صغير محاصر؛ يقلق الآلة العسكرية الإسرائيلية ويؤرق "الجنرالات الكبار"، ويبرهن أنه أقوى من كل الجنرالات الكبار" الذين يملكون أسلحة أمريكية هائلة.
ذهب "أبو علي" مصطفى إلى حيث شاء وارتضى، حيث الروح تحاور أرواحًا أخرى، روح غسان وأم سعد وروح أبو جهاد، وأطياف دير ياسين وظلال مخيم تل الزعتر، وأشباح صبرا وشاتيلا، وأصداء الطنطورة وكفر قاسم.. رحل "أبو علي" إلى حيث يشاء، ولم يرحل أبدًا؛ فذلك الأستاذ النجيب والتلميذ الأبدي الأكثر نجابة، ترك من يتابع طريقه، ومن يتذكّر قوله، ومن يعرف أن "أبو علي" هو مرآة الروح الفلسطينية التي لا تنكسر.
* نشر في مجلة الهدف، العدد 1323/4 فلسطين، تشرين الأول 2001، ص 81-82.

