الحزب الثوري هو الوسيلة الأساسية لتنظيم وحشد طاقات الجماهير وزجها في معمعان النضال من أجل تحقيق أهدافها. ولا سبيل غير ذلك، فالحزب الثوري بالإضافة لكونه تعبيرا سياسيا عن مصالح الجماهير هو كذلك أداة الاتصال بها من خلال أسلاك موصلة متنوعة من أجل استكمال بناء أطر شعبية واتحادات متنوعة تجعل الحزب على اتصال بأوسع قاعدة شعبية، كما التغلغل والتأثير في الاتحادات المهنية وغيرها، ليصبح حزبا جماهيريا واسع الانتشار. كي نصل إلى أكبر حشد جماهيري منظم بكل أشكال التنظيم
أشكال التنظيم السري وشبه السري والعلني وفقا للقطاعات الشعبية والاتحادات الشعبية والشبابية، مع تخصيص إضافي للوصول للمرأة زيادة على وجودها في كل الأماكن، وبهذا يستطيع أن ينشر دعايته وتحريضه ومواقفه ومبادئه على أوسع نطاق. ولا بد أن يصل إلى مستوى من الانتشار الجغرافي والقطاعي والاتصال بالجماهير التي تشكل مادته البشرية من العمال والفلاحين والفقراء، وكذلك النابهين والمتنورين والمثقفين من الشرائح الاجتماعية التي اكتسبها إلى جانبه وانحازت للطبقات الشعبية وأهدافها في التحرر من نير الرأسمالية وبناء المجتمع الاشتراكي.
وكما قال من سبقونا "لا حزب ثوري بدون نظرية ثورية" والنظرية الماركسية ال لينين ية هي المبدأ والمرشد لعمل الحزب الثوري، مهما كانت المحطة النضالية التي يخوضها سواء كانت تحرر وطني من الاستعمار بالآفاق والرؤية الاشتراكية أو تحرير البلد من التبعية وتحرير ثرواته من سيطرة الأجنبي وأعوانه أو الانقلاب الثوري على النظام الرأسمالي والشروع في التأسيس والبناء للمجتمع الاشتراكي. إن الحزب هو أداة الثورة وهو الممثل السياسي للطبقات الشعبية، مقابل الأحزاب البرجوازية التي تمثل الطبقات البرجوازية وشرائحها وتخدم أهدافها وترسخ بقائها ووجودها وتدافع عنها في الصراعات الطبقية وبكل السبل العنيفة وغير العنيفة وفي شتى الميادين في وجه قوى التغيير الثوري. والأحزاب البرجوازية بيدها جهاز الدولة وهو أقوى أداة في وجه التغيير وقوى التغيير وهو الذي يمارس العنف الرجعي ضد الثوريين بواسطة أجهزة القمع الممثلة بالجيش والشرطة وقوى الأمن المختلفة والمحاكم والإعلام ورجال الدين وكل ما بيد الدولة البرجوازية من وسائل.
إذاً تنتصب الدولة بأجهزتها والطبقات البرجوازية بقواها المنظمة وأحزابها دفاعا عن النظام الاقتصادي الاجتماعي القائم والذي تستهدفه القوى الثورية لإضعافه وإسقاطه كشرط للتقدم إلى الأمام. تواجهه القوى الثورية بالتحريض والتعبئة والإضرابات والاحتجاجات وكل أشكال النضال السياسي والفكري والاقتصادي والمطلبي.. وهذا التنوع من الصراع هو الصراع الطبقي، والصراع الطبقي هو حامل التغيير والتقدم إلى الأمام.
إن الحزب الثوري هو أداة الثورة الرئيسية، وهو بدعايته وتغلغله في القطاعات الشعبية واجتذابها للعمل السياسي وتنظيمها في الأطر المناسبة واستمرار تحشيدها ودفعها للنضال وتشجيع مبادراتها والتقاطها وتعميمها، هنا يتحول الحزب إلى قائد للجماهير، قائدا للعمال والفلاحين الفقراء وعموم الفقراء، ويستنهضهم ويدفعهم في المعارك اليومية ويستمر في دعم قضاياهم المطلبية وغير المطلبية بحزم وثبات وصبر ودون مساومات رخيصة في جميع الأحوال. يجتذبهم للعمل المطلبي والعمل السياسي والنضال ضد ممارسات السلطة وأنظمتها وقوانينها وعلاقاتها الخارجية، وينورهم بالمستقبل والدعاية الاشتراكية ليضمن أعمق انحياز، وذلك في ظل التنافس الكبير بين الأحزاب من أجل اكتساب الجماهير وانتزاعها من براثن الأحزاب البرجوازية الراسخة. والحزب الثوري لا يمتلك المال ولا دول داعمة وإعلام متنفذ، ولذلك فإن وسائله للاتصال بالجماهير وجذبها وتوعيتها يعتمد على الوسائل المتاحة لديه، مقابل البذخ المالي والضخ الاعلامي والتشويه وكل اشكال الدعاية المضادة.
إن أكبر وسيلة للحزب هي كفاحيته في الميادين المختلفة وشعاراته المعبرة عن متطلبات النضال والمفهومة للجماهير، وزعماؤه الأقوياء الصادقين المقبولين بحكم صلابتهم وكفاحيتهم وأخلاقياتهم الثورية والمسلكية وشجاعتهم في مواجهة العدو الاجنبي والعدو الطبقي والعدو ال قطر ي خادم تفتيت الوطن العربي والذي يحكم بالنيابة عنه ويقمع بالنيابة عنه وبدعمه. والحزب الثوري في أي قطر لا بد وأن يتواصل ويتفاهم مع فروع الأحزاب الثورية الأخرى في الوطن العربي الكبير، فالوطن العربي هو وطن الأمة العربية التواقة للحرية والانعتاق والوحدة السياسية الاقتصادية الاجتماعية، وطن واحد لأمة واحدة وبإصرار يعيد وضعية النهوض القومي العربي عبر المحطات التاريخية السابقة ويستخلص منها العبر ويجترح الوسائل التي تدفع باتجاه انجاز هذا الهدف. ليس المقصود التنسيق كما الأحزاب الصديقة، إنما على قاعدة وحدة الهدف والاتجاه ورفع الشعارات الموحدة المعبرة عن هذا النهوض. والدعاية لوحدة الوطن العربي من منطلقات بناء المجتمع الاشتراكي وتمكين الجماهير من ثرواتها وتطوير الاقتصاد والبنى التحتية وتطوير الكفاءات البشرية ووسائل الإنتاج في الزراعة والصناعة وكل شيء. واستمرار رفع شعارات تطهير الوطن العربي من النفوذ الأجنبي والمعاهدات المذلة ونفوذ البنك الدولي وديونه، وتحرير فلسطين من الاستيطان الصهيوني اليهودي الغربي، تحريرا تاما وناجزا ومعاقبة المحتلين كما العرف الدولي، هذا يتوجب أن يكون في برامج جميع الفروع في الأقطار العربية كلها، كحزب واحد بفروع متعددة، وكلها تضع مهمة النضال في وجه الفكر الرجعي والظلامي وكل ما تبقى من مخلفات العصور وكل ما ضخته القوى الإمبريالية من خلال أدواتها الثقافية وناطقيها السياسيين. والنضال ضد كل الإرث الاستعماري التقسيمي القطري والطائفي والجهوي والقبلي من أجل التمكن من بناء مجتمع الحداثة الاشتراكي القابل للتطور والنمو، دون كوابح من الداخل الاجتماعي وبطرائق تتقبلها الجماهير وتشجعها وتندفع لها للتخلص من كل تكبيل وكل قيد وكل ظلم، وتطوير الحراكات الثورية ضد التخلف بمقدار انضمام الجماهير ومشاركتها الفاعلة في قَحر كل القديم المتعفن والتمهيد لبناء الجديد النامي.
إن بناء الحزب الثوري هو مهمة الثوريين العروبيين المؤمنين بوحدة الأمة العربية والمتمثلين لنظرية الثورة الاشتراكية، والحزب الثوري ليس انعزاليا بل قريب من القوى صاحبة المصلحة في التحرر والوحدة ويسعى باستمرار لتوسيع قواعد النضال وتوسيع الاصطفافان في وجه الرجعية والقطرية، وفق برامج مناسبة لكل محطة من محطات النضال، وأن يسعى دائما لفكفكة القوى الملتفة حول النظام لإضعافه وسحقه في الوقت المناسب، وسحق مقاومته بعد سحقه، وتفريغه من قواه الاقتصادية والاجتماعية والتعامل مع جهاز الدولة بطرائق تمكن من إخضاعها ومن ثم إحداث التغييرات اللازمة دون هوادة ودون قفز في الهواء، وذلك في ثورة دائمة مآلها النهائي الوحدة والاشتراكية.
إن الوقوف في وجه الإمبريالية يتطلب الاصطفاف مع القوى والدول المعادية للإمبريالية والمتصارعة معها وحتى المختلفة معها ومع نهجها. ويحيط بنا اليوم محور المقاومة قيد النمو والتعمق، وهو وربما يكون الحليف الأهم حول شعارات التحرر من النفوذ الأمريكي وكل النفوذ الاستعماري وكل النفوذ الرجعي ومن أجل طرد القواعد الأجنبية المعادية وإلغاء المعاهدات التي فرضها الاستعمار ولا زال يفرضها، ومن أجل تحرير فلسطين التي يتوجب أن تكون في مقدمة البرنامج وعلى رأس جدول الأعمال.
إن بناء الحزب الثوري اليساري العربي عموما وفروعه في كل قطر خصوصا، هو مهمة الثوريين العروبيين اليساريين، وهم الذين يتوجب عليهم الانطلاق في بناء الأنوية الحزبية في كل أماكن تواجدهم في الوطن العربي والشتات. وتوجد خمائر خلفتها التجارب الحزبية السابقة، ممن لم يتلوثوا بأمراض الامبريالية والرجعية.
هناك حاجة للانطلاق من الصفر وليس من الصفر. فالبناء الجديد هو من الصفر، بينما الخمائر والتجارب ليست من الصفر وهناك من تملك الخبرة في ميادين البناء والنضال من رجالات (ونساء) صلبة تصمد في وجه القهر والتحقيق والملاحقة ولا تبوح مطلقا بأسرار التجربة تحت كل الظروف. هؤلاء هم العدّة التي يركن إليها في الانطلاق والعمل الذي يبدأ منمنما ثم يفرض وجوده في كل الجغرافيا العربية. وقيادته تحفظ أمنها وأمن عملها بالالتزام بالسرية وكل وسائل الاحتماء ولا تتعرض للضرب كل يوم حتى لو اضطر القسم المقيم منها في الداخل إلى الاختفاء تحت الأرض بحزم وعزم لتستمر القيادة في عملها دون انقطاع قيادي، وكذلك تستمر إصدارات الحزب بدرجة معقولة من الانتظام.
ملاحظة: هناك تجربة حزب البعث التنظيمية وتجربة حركة القوميين العرب كبنى منتشرة في أنحاء الوطن العربي، وهناك فيض من الكادرات المجربة في اليسار العربي والتي يمكن انتقائها واستمالتها للبدايات الضرورية.
هل يمكن العمل في بلد واحد؟
من حيث الانطلاق.. نعم، يمكن الانطلاق من بلد واحد إذا اختلف تزامن الانطلاق أو تعمقت التجربة في بلد قبل الآخر على أن يستمر النضال في هذه الجغرافيا ولا يجلس أحد للانتظار. فالنضال هو أكبر عنصر استقطاب وأكبر وسيلة لإقناع الجماهير وأكبر وسيلة لنشر دعاية الحزب، وقطاع الشباب في الوطن العربي متعطش للنضال والتخلص من أزمات المجتمع وصولا إلى مجتمع يؤمّن سبل العيش والحياة الكريمة والحرية من نفوذ الأجنبي.

