Menu

مفهوم التحرر الوطني بين المنظور البرجوازي والماركسي وضرورة البديل الماركسي الثوري

جمال براجع

نشر المفكر والمناضل الماركسي الفلسطيني الرفيق غازي الصوراني أبو جمال دراسة هامة في الحوار المتمدن تحت عنوان "المنظور الماركسي لمفهوم التحرر الوطني وسبل خروج الحركات التقدمية العربية من ازماتها". دراسة ومساهمة قيمة وشاملة اعتمدت منهجية مادية جدلية في التحليل مكنتها من ملامسة الاشكالية من مختلف جوانبها النظرية والتاريخية والسياسية مع طرح سبل الحركات التقدمية في العالم العربي من أزماتها.

وفي إطار التفاعل مع هذه الدراسة الهامة ومساهمة في نقاش الموضوع،֚ وهو موضوع هام وراهن،֚ سأدلي ببعض الأفكار والملاحظات النقدية بشأن بعض القضايا التي تناولتها هذه الدراسة.

1-حول مفهوم التحرر الوطني׃

ارتبط مفهوم التحرر الوطني في الفكر الماركسي بحق الشعوب والقوميات بتقرير مصيرها. وقد خصص لينين للموضوع حيزا كبيرا من إنتاجه النظري في سياق الإجابة على معضلات وقضايا الثورة الاشتراكية في روسيا وخارجها، وخاض في سبيل ذلك صراعا نظريا وسياسيا قويا سواء في مواجهة النزعة "الاشتراكية الوطنية الشوفينية" للحركة الاشتراكية الديمقراطية (الأممية الثانية) التي انحازت إلى برجوازيات بلدانها في الحروب الإمبريالية ولعبت دورا كبيرا في تحريف وعي الطبقة العاملة وفشل الثورات العمالية في أوربا،֚ أو داخل الحركة الشيوعية. وقد أثمر ذلك الإقرار الرسمي للدولة السوفياتية الاشتراكية الناشئة ֚وكذا المؤتمر الثاني للأممية الثالثة في 1920 -الكومنترون- بحق الشعوب في تقرير مصيرها، بما في ذلك الشعوب والقوميات التي كانت خاضعة للإمبراطورية الروسية القيصرية ֚مع ربط ذلك جدليا بالثورة الاشتراكية الصاعدة آنذاك وبالنضال ضد الرأسمالية والإمبريالية. وما الشعار الماركسي التاريخي الخالد "يا عمال وشعوب العالم المضطهدة اتحدوا" إلا تكثيفا للتصور الماركسي لتحرر الطبقة العاملة والشعوب، والذي لن يتحقق إلا بالتحالف بين عمال العالم المستغلين من طرف الطبقة البرجوازية والشعوب المستعمرة والمضطهدة من طرف نفس البرجوازية للنضال من أجل القضاء على الرأسمالية والإمبريالية.

إن موقف لينين من حق الشعوب في تقرير مصيرها واضح ֚مبدئي وليس تكتيكي. وهذا ما يؤكده في مقال كتبه في 1915 تحت عنوان "مسالة السلام"، إذ كتب يقول:

  "...ولذلك فان بيت القصيد في مسألة حق الأمم في تقرير مصيرها هو في عصرنا سلوك الاشتراكيين من ابناء الامم الظالمة، فالاشتراكي من أبناء الأمم الظالمة (انجلترا، فرنسا، المانيا، اليابان، روسيا والولايات المتحدة الخ..) الذي لا يعترف بحق الأمم المظلومة في تقرير المصير ولا يذود عن هذا الحق (أي عن حقها في الانفصال الحر) ليس في الواقع باشتراكي، إنما هو شوفيني". (المجلد 26 -ص 140/141.).

إن تأكيد الماركسية على إعطاء معركة التحرر الوطني مضمونا طبقيا ينبع من الاقتناع أن ثورات التحرر الوطني في زمن الإمبريالية، يجب أن يكون لها أفقا اشتراكيا، أي كجزء من الثورة الاشتراكية. لأن عصر الامبريالية هو عصر الثورات الاشتراكية. ولكي تأخذ الثورة هذا الأفق لا بد وأن تقودها الطبقة العاملة وحلفاؤها بواسطة أحزابها الشيوعية. أما إذا تركت قيادتها للفئات البرجوازية فسيكون مصيرها الفشل والحصول على استقلالات شكلية لبلدانها تكرس الخضوع والتبعية للدول الإمبريالية.

وهذا ما تؤكده الحقائق التاريخية، فالتجارب التحررية الناجحة هي التي قادتها الأحزاب الشيوعية كالصين والفيتنام، بينما حركات التحرر التي قادتها البرجوازية والبرجوازية الصغيرة باءت بالفشل، وهذا ما حدث لحركات التحرر الوطني في العالم العربي والمغاربي سواء تلك التي قادت الكفاح من أجل الاستقلال بقيادة البرجوازية كما في المغرب وتونس أو التي وصلت إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية بقيادة فئات برجوازية صغيرة مثل مصر والعراق وسوريا.

فالأولى قادتها فئات برجوازية، ارتبط مفهوم التحرر الوطني في تصورها بتحقيق الاستقلال السياسي وفرض السيادة الوطنية على البلاد وثرواتها،֚ مما جعلها تدخل في مفاوضات مع المستعمر انتهت باستقلالات شكلية كرست السيطرة الاستعمارية وعلاقات التبعية للمراكز الامبريالية֚ مع استثناءات قليلة كحركة التحرير الوطني الجزائرية التي اتخذت طابعا راديكاليا مسلحا انتهى بفرض استقلال سياسي فعلي وبناء دولة وطنية مستقلة.

أما الثانية فقادتها فئات برجوازية صغيرة، ارتبط عندها التحرر الوطني بتحقيق الوحدة العربية من المنظور القومي البرجوازي، والصراع ضد العدو الإسرائيلي لتحرير فلسطين، والتنمية الاقتصادية المستقلة اعتمادا على القطاع العام كسبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية،֚ وذلك استنادا الى مفهوم "الطريق اللارأسمالي" في التنمية مع استبعاد الديمقراطية السياسية وذلك بفرض نظام الحزب الوحيد وقمع التعددية، وخير من مثلها الناصرية. 

وقد انتهت جميع هذه التجارب بالفشل. فلا الشعوب تحررت. ولا الاستقلال انجز. ولا التنمية والوحدة تحققتا. ولا فلسطين تحررت، وقاد هذا الفشل موضوعيا الى اندماج بلدانها في علاقات الإنتاج الرأسمالية من موقع التعبية كمصادر للموارد الأولية وأسواق للمنتجات الصناعية لدول المركز الرأسمالي مع الخضوع التام لإملاءات وشروط المؤسسات الإمبريالية في تحرير الاقتصاد عبر الخوصصة الشيء عمق الازمة البنيوية للرأسمالية التبعية في هذه البلدان كجزء من الازمة البنيوية العامة للرأسمالية.

إن فشل تجارب حركة التحرر الوطني في العالم العربي يعود في أحد أسبابه الرئيسية إلى الطبيعة الطبقية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة لقيادتها، مما جعل ويجعل أفق هذه الحركة محدودا بحدود أهدافها ومصالحها الطبقية وتصورها للتحرر الوطني الذي يفصل بينما هو سياسي وبين ما هو اقتصادي، ويتوهم تحقيق الاستقلال السياسي في غياب الاستقلال الاقتصادي. أي دون القطع مع علاقات التبعية وبناء اقتصاد وطني مستقل متمركز حول الذات وفي خدمة المصالح الوطنية والشعبية، وهذا أمر طبيعي بحكم أنها ترى استمرار مصالحها الطبقية الاقتصادية في ديمومة علاقات التبعية.

وللأسف انزلقت بعض الأحزاب الشيوعية العربية في مستنقع هذا الفهم البرجوازي الانتهازي، فانخرطت في خدمة أنظمة الرأسمالية التبعية السائدة،֚ متخلية عن دورها الطبيعي في قيادة حركة التحرر الوطني من موقع فكر ومشروع الطبقة العاملة في التغيير الثوري ذي الأفق الاشتراكي،֚ متوهمة ֚بدورها، بإمكانية تحقيق تنمية اقتصادية رأسمالية مستقلة. فحركة التحرر الوطني في زمن الامبريالية والرأسمالية لا يمكن أن تكون سوى حركة تحرر بمضمون ثوري اشتراكي، مما يفرض أن تكون قيادتها من طرف الطبقة العاملة وحلفاءها، منظمة في حزبها الماركسي اللينيني، وهذا ما أوجزه الشهيد مهدي عامل في هذا النص׃

"فلا سبيل إلى تحرر وطني فعلي من الإمبريالية إلا بقطع لعلاقة التبعية البنيوية بها هو بالضرورة تحويل لعلاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة في ارتباطها التبعي بنظام الإنتاج الرأسمالي العالمي. بهذا المعنى وجب القول أن سيرورة التحرر الوطني في المجتمعات التي كانت مستعمرة، أعنى في المجتمعات الكولونيالية، هي سيرورة الانتقال الثوري الى الاشتراكية، من حيث أن هذه، كتلك، هي سيرورة تحويل علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة في شكلها التاريخي الكولونيالي المحدد. هذا هو، بكل دقة، معنى أن تكون حركة التحرر الوطني جزءاً من الثورة الاشتراكية". (مهدي عامل. "حركة التحرر الوطني׃ طبيعتها وأزمتها". الحوار المتمدن).

هنا تطرح إشكالية الانتقال الثوري إلى الاشتراكية في البلدان التبعية مثل بلداننا. هل تتم مباشرة أم تحتاج الى مرحلة انتقالية؟

إن عملية الانتقال الثوري إلى الاشتراكية هي سيرورة طويلة ومعقدة تتطلب في البلدان التبعية أحداث تغييرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عبر إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، ذات الأفق الاشتراكي بقيادة الطبقة العاملة، وهذا يفرض على التنظيمات الماركسية والشيوعية معالجة أزمة البديل الثوري باعتبارها الوجه الثاني لأزمة حركة التحرر الوطني أي أزمة قصورها السياسي وقصور أحزابها الثورية في قيادة السيرورة الثورية كما قال الشهيد مهدي عامل. أي أزمة غياب القيادة العمالية الثورية لهذه الحركة بغياب الأحزاب البروليتارية الثورية، والمعالجة العلمية السديدة لهذه الإشكالية من المنظور الماركسي المادي الجدلي هي الكفيلة بضمان نجاح هذه الثورة وانفتاحها على الأفق الاشتراكي.

2- مضمون الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية

بناء على ما سبق، فإن التغيير الثوري في بلداننا وانتقالها إلى الاشتراكية لن يتم مباشرة،֚ بل عبر سيرورة ثورية تاريخية بحكم سيادة بنية اقتصادية واجتماعية رأسمالية قائمة على علاقات إنتاج رأسمالية تبعية. وإذا كان التناقض الأساسي في هذا النظام من الإنتاج هو نفسه التناقض المتحكم في بنية النظام الرأسمالي في المراكز الرأسمالية وهو التناقض بين قوة العمل والرأسمال، أي بين الطبقة العاملة والبرجوازية،֚ فإنه، أي هذا التناقض الأساسي، يكمن في مجتمعاتنا العربية والمغاربية في التناقض الرئيسي بين مجموع الطبقات الشعبية المتكونة من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والفئات الكادحة والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة من جهة والبرجوازية الكمبرادورية والملاكين العقاريين الكبار وشبه الاقطاعيين والفئات البيروقراطية والمدعمين من الإمبريالية من جهة أخرى.

إن حل هذا التناقض لن يتم إلا عبر الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية على قاعدة برنامج/استراتيجية التحرر الوطني الديمقراطي على طريق الاشتراكية، استنادا إلى النضال الجماهيري الثوري المنظم والواعي في إطار اليات سياسية تنظيمية تفرزها الجماهير في سيرورتها الثورية من تحالفات وجبهات وطنية وديمقراطية شعبية وحراكات شعبية... والهدف هو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية على أنقاض أنظمة الاستبداد والتبعية. وأكيد أن هذه السيرورة فيها مد وجزر،֚ تقدم وتراجع،֚ انتصارات وانتكاسات، ֚كأي سيرورة تاريخية ثورية. ولضمان النجاح النهائي لهذه السيرورة لا بد وأن تكون قيادتها السياسية للطبقة العاملة المنظمة في أحزابها السياسية المستقلة، وهذه مهمة القوى والأحزاب الماركسية التي يجب أن تجعل من هذا البناء مهمة مركزية ضرورية وآنية لتوفير الشرط الذاتي للتغيير الثوري في ظل تعمق الأزمة العامة للرأسمالية التبعية وأنظمتها السياسية الاستبدادية. إن تأجيل هذه المهمة سيزيد من تعميق وتأبيد الأزمة وهيمنة الكتل الطبقية المسيطرة والقوى الإمبريالية والصهيونية֚ وتوسع النفوذ الأيديولوجي والسياسي للقوى الظلامية الرجعية، وهذه الحقيقة اكدتها ما آلت إليه السيرورات الثورية في المنطقة العربية والمغاربية. فالجماهير الشعبية المنتفضة التي نزلت إلى الشوارع في 2010 و2011 للتحرر من الأنظمة الاستبدادية الفاسدة والعميلة للإمبريالية وجدت نفسها بدون قيادة سياسية ثورية لتوجيهها نحو هدفها المنشود، مما سهل على قوى الإسلام السياسي استغلال هذا الفراغ والركوب على هذه الانتفاضات العفوية للوصول إلى السلطة كما حدث في مصر وتونس والمغرب، مستغلة تنظيمها المحكم وتأثيرها الأيديولوجي وسط الفئات الشعبية وامكانياتها اللوجستية الكبيرة ودعم القوى الإمبريالية والرجعيات الخليجية. والنتيجة كانت ֚طبعا ֚ انتصار الثورات المضادة واستمرار أنظمة الاستبداد والفساد والمزيد من تكريس الهيمنة الإمبريالية والصهيونية.

نستنتج ֚إذًا أن انفتاح مرحلة الثورة الديمقراطية الشعبية على الأفق الاشتراكي يتم عبر قيادة الطبقة العاملة لمعركة حل التناقض الرئيسي بينها ومجموع الطبقات الشعبية من جهة والطبقيات الكمبرادورية والشبه الاقطاعية المسيطرة والامبريالية من جهة ثانية، وذلك عن طريق إنجاز برامج التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي التي تنهي الهيمنة الإمبريالية والصهيونية والرجعية على بلداننا،֚ و تقطع مع علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية واسترجاع الأراضي المستعمرة وبناء أنظمة ديمقراطية تجسد سيادة وإرادة وسلطة الشعوب، وتحقق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مستقلة شاملة تحقق وتنمي حقوق وأوضاع الجماهير الشعبية، وجميع المكونات الاثنية والثقافية واللغوية للشعوب في العالم العربي والمغاربي، استنادا إلى التصور الديمقراطي والعلمي للهوية.

3- مسالة الهوية׃ القومية والدين

ا-القومية

إذا أرادت حركات وقوى التحرر الوطني في بلداننا وفي مقدمتها الحركات الثورية الماركسية أن تنجح في معركة التحرر الوطني الديمقراطي الشعبي لابد لها من المعالجة العلمية الصحيحة لمسالة الهوية بقضاياها المختلفة.

فهذه الحركات، وخاصة في المشرق، لا زالت ֚في عمومها، محكومة في تصورها الأيديولوجي للهوية بالتصور القومي البرجوازي العروبي الذي يغلب البعد العرقي العربي،֚ ويجعله الركيزة المحورية والجوهرية لنظرتها حول الهوية نافيا القوميات أو الاثنيات الأخرى أو مهمشا لها. هذه النظرة العرقية هي المؤطرة للخطاب الفكري والسياسي لمعظم هذه الحركات والقوى، ֚ومنها بعض القوى الماركسية. ويتمحور هذا الخطاب حول مفاهيم "الوحدة العربية" و "الدولة العربية" و"الوطن العربي" ֚" المشرق العربي" "المغرب العربي" و" الثقافة العربية الإسلامية" وغيرها. ويجعل من تحقيق " الوحدة العربية" بالمفهوم البرجوازي ل"الدولة /الأمة" غايته الأسمى وإطارا للقضاء على التخلف والتأخر الحضاري و لتحقيق التنمية والتقدم.

إن هذه النظرة الخاطئة تؤدي الى الممارسات والسياسيات والحلول الخاطئة، وبالتالي تؤبد شروط التخلف والاستبداد والانقسام والصراعات الاثنية والثقافية عوض معالجتها، وهي الشروط التي تستغلها الأنظمة الاستبدادية الرجعية والإمبريالية والصهيوني لتكريس هيمنتها وتسلطها من خلال مفاقمتها وإعادة إنتاجها المتجددة بل وإلى تفجيرها كلما تطلبت مصالحها ذلك.

وعليه لا بد للقوى الماركسية من التجاوز النقدي لهذا المنظور البرجوازي القومي للهوية،֚ على المستويين النظري والعملي،֚ باعتماد المنظور الماركسي كمنظور طبقي تحرري، يهدف إلى تحرير الإنسان من الاستغلال الطبقي ومن الاضطهاد السياسي والاثني والثقافي والجنسي وغيره من أشكال الاضطهاد التي تكرسها الرأسمالية وتعيد إنتاجها بما يخدم ايديولوجيتها الرامية إلى تشويه وتحريف الصراع كصراع طبقي يقوم على استغلال قوة العمل وثروات الشعوب إلى صراع اثني قومي أو ديني أو ثقافي... منظور يرى إلى الهوية من زاوية مصالح الطبقة العاملة والشعوب في التحرر وبناء الديمقراطية في أفق الاشتراكية֚، وليس من زاوية النظر البرجوازية الرجعية التي تختزلها في بعد واحد  وجوهر ثابت لا يتغير هو البعد القومي العربي. فهوية شعب من الشعوب هي نتاج سيرورة تاريخية طويلة ومعقدة تنصهر فيها مكونات وعناصر متعددة ومتنوعة كالثقافة واللغة والدين والعادات والتقاليد وغيرها في علاقة جدلية بالإنتاج المادي الاجتماعي في إطار جغرافي معين ֚ وفي انفتاح على شعوب ومجموعات بشرية أخرى، الشيء الذي يفسر غنى وخصوبة وتنوع هوية تلك الشعوب ومنها شعوب العالم العربي والمغاربي.

لذلك يجب على الحركة الثورية الاعتراف بالهويات الاثنية والثقافية لشعوب العالم العربي والمغاربي وربط ذلك بالصراع الطبقي الذي تخوضه الطبقة العاملة ضد الرأسمالية֚ من خلال النضال، من أجل الإقرار بحقوقها قانونيا وسياسيا وثقافيا،֚ ومواجهة جميع أشكال الحيف والتهميش والقمع ضدها، والمساهمة في تطويرها وتنمية جوانبها المشرقة ونقد جوانبها السلبية وفتح الآفاق أمام تطورها في اتجاه تقدمي ديمقراطي منفتح على ما هو أممي وإنساني.

ب-المسألة الدينية׃

الدين هو شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، وهو بذلك֚ كغيره من أشكال الوعي، نتاج وانعكاس للوجود الاجتماعي، وهو مجال للصراع ووسيلة له مما يجعله يلعب أدوارا متناقضة في المجتمع حسب شروط الصراع الطبقي في هذا المجتمع والقوى الاجتماعية الحاملة لهذا الوعي֚ ومستوى التطور الحضاري والديمقراطي لهذا المجتمع، وما دام الوعي الاجتماعي السائد هو وعي الطبقات المسيطرة، فإن هذه الطبقات تستغل الدين كوسيلة وغطاء لجعل الشعوب تقبل بالاستغلال والاستلاب واضفاء القداسة على الدولة ورموزها لخدمة مصالحها الطبقية وضمان تأبيد هيمنتها الأيديولوجية كشرط لاستمرار سيطرتها الطبقية، عبر الأجهزة الأيديولوجية للدولة وخصوصا المؤسسات الدينية والتعليمية والتربوية والاجتماعية.

وفي نفس الآن تستغل الطوائف الدينية /السياسية -نموذج لبنان مثلا- وقوى الإسلام السياسي الدين من أجل مصالحها الاقتصادية وفي صراعها السياسي ضد الأنظمة القائمة ومن أجل الوصول إلى السلطة، وهي تستفيد في ذلك من التخلف الفكري والثقافي للشعوب وسيادة ثقافات رجعية ماضوية، ومن امكانياتها المادية والتنظيمية الكبيرة والدعم الذي تتلقاه من مصادر مختلفة محلية وأجنبية. فجل قوى الإسلام السياسي ارتبطت نشأتها واستمرارها بدعم الأنظمة الرجعية الخليجية كالسعودية وقطر والإمارات والدول الإمبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، مما جعلها ويجعلها فاعلا أساسيا في احتكار الفضاء الديني وتوجيهه إلى جانب الأنظمة الحاكمة، بل أنه في بعض الدول أصبحت بعض القوى داعما وبوقا أيديولوجيا للسلطة كما هو الشأن بالنسبة للإخوان المسلمين في قطر و السودان مثلا. وفي المقابل أهملت القوى اليسارية والماركسية إلى هذا الحد أو ذاك المسألة الدينية֚، ولم تعرها الاهتمام المطلوب كإحدى مجالات الصراع الطبقي الأيديولوجي والسياسي. ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها قصور فهمها للدين ودوره في الصراع الطبقي استنادا إلى التأويل الخاطئ للموقف الماركسي من الدين والذي يتم اختزاله في مقولة "الدين أفيون الشعوب"، وهو فهم غير مادي جدلي، حيث ينفي الوجه الآخر للدين ك"زفرة المعذبين في الأرض"، والذي قد يلعب في شروط تاريخية معينة أدوارا إيجابية، بل وثورية أحيانا،֚ إذا احسنت الحركات أو القوى الثورية توظيفه في سيرورة التغيير. إن هذا القصور أدى وما يزال إلى أخطاء على مستوى الممارسة، منها العداء للدين ووسمه بالصفات الرجعية دون التمييز بين الدين كمعتقد وشعائر ومكون حضاري وثقافي لهويتنا وبين استغلاله من طرف الأنظمة والقوى الرجعية، وهذا ساهم في فرز نتيجتين أساسيتين. من جهة عزلة القوى اليسارية والماركسية داخل المجتمع وتوتر علاقتها بحاضنتها الاجتماعية المفترضة وهي الطبقة العاملة والجماهير الكادحة، ومن جهة ثانية تركت المجال الديني حكرا على الأنظمة الحاكمة وقوى الإسلام السياسي والطوائف الدينية، بما يترتب عن ذلك من تكريس للتصورات الرجعية الماضوية والانغلاقية للدين֚ ونفي إمكانيات الاجتهاد والتنوير والإصلاح الديني، ֚والتي ما زالت لحد الآن محدودة ومحاصرة ومرتبطة باجتهادات فردية أكثر منها مؤسساتية كاجتهادات حسين مروة ومحمد عابد الجابري والطيب التزيني وحامد نصر أبو زيد وحسن حنفي وغيرهم.

نستنتج إذاً ضرورة الوضوح النظري حول المسألة الدينية كمجال للصراع الطبقي لطرح التصور السديد والعلمي لمعالجتها كجزء من معالجة قضايا التغيير الثوري الضروري لتوجيه الممارسة السياسية والأيديولوجية للطبقة العاملة. ووفقا لذلك فإن هذا التصور يجب أن يكون ديمقراطيا علمانيا يؤمن بالحق في حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية واحترام المشاعر الدينية للجماهير. فالعلمانية هي الإطار الفكري والسياسي لتنظيم العلاقة بين الدولة والدين والفرد بفصل الدين عن الدولة والسياسة، وجعل الدين مجالا خاصا يهم الأفراد، وتحرير الحياة العامة من الاستغلال الديني من طرف الدولة أو الجماعات أو الأحزاب باعتبارها مجالا مشتركا للتعايش بين الناس على قدم المساواة وبدون تمييز لأي سبب من الأسباب ومنها الدين.

خلاصة عامة

يكتسي دور القوى الماركسية أهمية قصوى في تجاوز حركات التحرر الوطني الديمقراطي لأزماتها الحالية وتجديد تجديد المشروع الوطني الديمقراطي الشعبي، وهذا ما يقتضي منها  القراءة الجدلية النقدية لتجاربه السابقة لتحديد أسباب فشله وتحديد معالمه وخصائصه ورسم آفاقه ومهامه المستقبلية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم، ولعل من أبرز هذه المهام׃

- بناء الأحزاب الماركسية الثورية وتقوية الموجود منها لتأطير الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الكادحة كضمانة لنجاح معركة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي بأفقها الاشتراكي تحت قيادة الطبقة العاملة. وفي هذا الإطار لا بد لهذه الأحزاب من التوسع والتجذر وسط العمال والكادحين والعمل على تنظيمهم وتأطيرهم ودعم وتوجيه نضالاتهم ونشر الوعي الاشتراكي وسطهم واستقطاب طلائعهم.

- خوض الأحزاب الماركسية الصراع على الواجهة النظرية والايديولوجية لمواجهة الهجوم الأيديولوجي الليبرالي البرجوازي والرجعي الماضوي֚ ونشر الفكر الاشتراكي وسط الطبقة العاملة والجماهير الشعبية، مع إعطاء الأهمية للاجتهادات النظرية والأبحاث العلمية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، للتسلح بالمعرفة العلمية كأساس لخوض الصراع الطبقي والنجاح في حسمه لصالح التغيير الثوري.   

- بناء وترسيخ النضال الوحدوي بين قوى التحرر والديمقراطية والاشتراكية داخل كل بلد لإسقاط الأنظمة المستبدة وفك الارتباط مع الإمبريالية، وهو شرط أساسي لإسقاط المشروع الإمبريالي الصهيوني بالمنطقة.

- بناء تحالف أو جبهة واسعة في العالم العربي والمغاربي لمواجهة التحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي تضم القوى الديمقراطية والثورية على أساس برنامج سياسي مشترك، وهذا يقتضي تكثيف الحوار واللقاءات بين هذه القوى والاستفادة من التراكمات المحققة في علاقات النضال والتعاون فيما بينها، وبلورة تصور ديمقراطي لوحدة الشعوب العربية والمغاربية بمضمون تحرري ديمقراطي تقدمي منفتح على ما هو أممي.

- تكثيف الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني والمساهمة في تجاوز العوامل الذاتية التي تكبل كفاحه ومنها الانقسام، وجعل هذا الدعم وكذا مناهضة وإسقاط التطبيع نقطة مركزية في جدول أعمال جميع القوى الوطنية الديمقراطية والثورية. 

- دعم النضالات والسيرورات الثورية في المنطقة ومنها ثورة الشعب السوداني المتواصلة منذ سنوات وحراك الشعب اللبناني وغيرها.

- المساهمة والانخراط الفعال للقوى الماركسية في سيرورة بناء أممية ماركسية تكون قاطرة للجبهة العالمية للنضال ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية.